عالم سوداوي يجتذب الروايات شرقا وغريبا..

عبدالحميد الحسامي: المثقف اليمني يعيش اليوم مرحلة الذهول

2021-09-14 | منذ 1 أسبوع

ما الإنسان سوى كائن مثقف (لوحة للفنان ضياء العزاوي)

صالح البيضاني*

انعكست الظروف القاسية في اليمن على المبدعين والكتاب والنقاد وحتى على المجال الأكاديمي، حيث فككت الصراعات الساحة الثقافية ولكن يبقى هناك من يحاول استرجاع الثقافة اليمينة لدورها الهام في المشهد الثقافي العربي. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الناقد والأكاديمي اليمني  عبدالحميد الحسامي في حديث عن المشهد الثقافي اليمني والعربي وقضايا أخرى.

بدأ الناقد والأكاديمي اليمني عبدالحميد الحسامي حديثه عن المشهد الثقافي اليمني في ظل الحرب بقصيدة الشاعر زهير بن أبي سلمى التي يقول فيها:

“وما الحرب إلا ما علمتم وذُقْتُم/وما هي عنكم بالحديث المرَجَّمِ”.

وعن واقع هذا المشهد المبلد بغيوم الحرب والصراعات، يقول الحسامي لـ”العرب” متحدثا عن التعايش بين الثقافة والحرب كنقيضين “الحرب هي الوجه البشع للإنسان، وهي الامتداد ‘القَابِيلِي‘ لآدم، للبشري العنيف فينا يحمل شره ليوزعه على العالم، أما الثقافة فتنتمي للإنسان ‘الهابيلي‘ المسالم، الذي يرفض العنف، وينزع نحو الحياة، الأول يحمل في يده خنجر الشرور ليُميتَ، والثاني يحمل في كفه غصن الزيتون، هكذا هي ثنائية الحياة، والثقافة ابنة السلام، وربيبة الحياة المطمئنة”.

الحرب والأدب

عبدالحميد الحسامي: أتابع انكسارات العربي الأخير وهو يتهشم في قلعة أميروبا

يرى الحسامي أن “الحرب لا تترك للمشهد أن يتشكل إلا تحت لهيبها، وأصواتها، ودمائها، فالمشهد اليوم في اليمن لا يمكن أن نطلق عليه مشهدًا ثقافيًا؛ لأن الحرب استهلكت حياة المجتمع، ومزقت تطلعات المثقف، وأفقدته توازنه الذي يمكنه من إنتاج ‘ثقافة‘ بل شغلته عن قلمه، لأن البندقية هي التي تتسيد المشهد، والعنف هو الذي يملأ الفضاء.

ولأن حاجات المثقف الأساسية التي تقيم أوده البيولوجي غائبة، وأصبح المثقف مشغولًا بالبحث عنها”.

وعن الدور الذي يمكن أن يسهم به المثقف اليمني للتخفيف من سوداوية المشهد، يتابع الناقد “يُعوَّل على ‘المثقف‘ أن ينتج فعلًا ثقافيًا، وأن يتفرغ للفكرة، وأن يناوش أسئلة الحياة، وذلك يقتضي أمرين مهمين: الأول هو حرية التفكير والتعبير، والثاني الاستقرار، والواقع الذي تشكل في اليمن سلب المثقفَ الأمرين. فتشظى ما كان، أو كاد يكون مشهدًا ثقافيًا في سنوات ما قبل الحرب.

الحرب أكلت الأخضر واليابس، وضيقت مساحة الكلمة، فحين يهيمن صوت الرصاص، يغيب صوت الحمام”.

وفي حديثه لـ”العرب” يؤكد الحسامي أن الثقافة هي الوجه الحضاري للإنسان في أيّ مجتمع من المجتمعات، حيث تنقل بحسب تعبيره “الإنسان من الوحشاني إلى الإنساني”، ويضيف “ما الإنسان سوى كائن مثقف؟!

وحين يطل نذير الحرب، يتلاشى مفهوم الإنساني في الإنسان، ويحضر مفهوم الحيواني الوحشاني فيه، الحرب معناها أن تقتل، أن تأسر، أن تجرح، أن تسيل دمًا، أن تدمر عمرانًا، أن يتخلص الإنسان من لغة الحوار، ومن كينونته الثقافية، حينها تعلو النزعة الشريرة في الإنسان، وتسيطر على سلوكه، فهنا تكون الحرب قد غيرت هوية الإنسان المرتجاة في التآخي، والتعارف، والتعمير، والحوار، والثقافة، والارتقاء للمعنى، وإن غابت هذه الأمور فماذا يبقى من الكائن المثقف؟”.

وعن الضرر الذي لحق بالثقافة اليمنية جراء الحرب، يتابع “لقد تضررت هوية المثقف، وتضرر المشهد برمته، وتضررت المؤسسات الثقافة، وأخذت المثقف أعاصير عاتية، وفي هذه الظروف بقيت أصوات تحاول التشبث بالمتاح، وتتسلح بالتحدي، في ظل واقع مرير. وهي أصوات قد تكون نواة لمشهد قادم ينبت من رماد الحرب، وقسوة الظروف”. 

وفي رده على سؤال لـ”العرب” حول سبب عدم نشوء ما يمكن وصفه بأدب الحرب في اليمن، يقول الحسامي “هناك مساحة زمنية بين الظاهرة، وتمثُّل الظاهرة في المنتج الأدبي والفني عمومًا، والحرب في اليمن حتى اللحظة لم تضع أوزارها، وما يزال المثقف اليمني يعيش صدمة الحدث، إنه في متاهة الدوار، فمن يستوعب أن يصبح اليمني محاربًا لليمني، ومن يستوعب أن تستفحل لغة الغاب، ومن يتخيل شعبًا ‘سقط فيه نظام الدولة‘ وتكاثرت فيه الرؤوس المسماة ‘رؤساء‘”.

ويشير الحسامي إلى أن المثقف اليمني يعيش اليوم في مرحلة الذهول التي تلوكه، مضيفا “لحظة لا يمكن تجاوزها واستيعاب ما يحدث فيها، دون مرحلة ‘يقظة‘ نستعيد فيها توازننا، ونتخلص من آثار الكابوس، هناك يقف المثقف/المبدع على ربوة بعيدة يعيد قراءة المشهد، ويكتب رواية/قصة/قصيدة/مسرحية/سيناريو عن الحرب، وآلامها، وبؤسها”.

ويتابع “أدب الحرب يقتضي أن نتأمل المشهد، بكل تفاصيله، عن بعد، وأن نعيد قراءة الذات، وأن نستبين الدوافع، ونتوغل في فهم ما يجري؟ لماذا يجري، وكيف يجري؟ وإلى أين تتجه بنا الأحداث؟ أن نقرأ ظاهر الأحداث، وما يستتر خلفها من الأمور المضمرة. هناك نبحث عن ‘الضمير‘ و‘المضمر‘ ونعيد تفتيق الأسئلة”.

الديستوبيا والنقد

عن اهتماماته النقدية خلال الفترة الماضية، يؤكد الناقد والأكاديمي اليمني أن جل اهتماماته ذهبت إلى تحليل الخطاب الشعري والسردي، وقراءة الظاهرة الإبداعية الحديثة في خصوصيتها وتحولاتها، ويتابع “إذ كانت بداياتي في تحليل الخطاب الشعري، فقد أخذ السرد يستدرجني إلى فضاءاته المتجددة والثرية، ويبدو أن السرد عربيًا وعالميًا قد استقطب أبرز المبدعين، وأخذهم إلى عالمه الخصيب؛ فبرزت أعمال جديدة جديرة بالمتابعة والقراءة الناقدة”.

أما أهم إنجازاته النقدية خلال الفترة الماضية فيشير إلى أنها تتمحور حول مشروع يعمل فيه من سنوات عن “رواية الديستوبيا”، مضيفا “يبدو أن الأحداث العالمية الصاخبة، وتحولات العالم السلبية، وانسحاق الإنسان تحت الآلة، أو تلاشيه في الحروب المعاصرة، والكوارث التي صنعها الإنسان لأخيه الإنسان، كل ذلك قد أنشأ عالمًا سوداويًا تمثّلته الرواية المعاصرة غربيًا وعربيًا، أثار اهتمامي، واسترعى فضولي النقدي فرحت أتعقب تلك الظاهرة، بالدرس النقدي المتأني، وأراقب مآلات الإنسان الأخير وهو ينسحق تحت ‘العقب الحديدي‘، وأستقرئ تفاصيل تلك المقولة الديستوبية: إذا أردت أن تتصور المستقبل فتخيل حذاءً يدوس وجه إنسان وإلى الأبد”.

ويواصل الحسامي حديثه “كما ذهبت أتابع انكسارات ‘العربي الأخير‘ وهو يتهشم في قلعة ‘أميروبا‘ وتتلاشى هويته على رمال الصحراء العربية، لقد رأيته بأمّ عينيّ وهو يصنع القنبلة راضيًا ومكرها في أحد مكامل جامعة أميركية، ثم في القلعة التي اقتيد إليها معصوب العينين، ثم ألقيت قنبلته على العرب الذين يتصارعون على أماكن الماء والرعي بعد نفاد النفط واحتدام الصراعات، فأخذوا يتناثرون في الصحراء بوصفهم كائنات غير جديرة بالبقاء”.

ويتابع “رأيت ذلك ‘العربي الأخير‘ وهو يعاني تشظيه الروحي، والجسدي، حيث تطلق عليه جماعات مجهولة الرصاص، وتركته ينزف لتتراءى له صور مختلطة عن نهايته، هناك ظل بين حياة لا يستطيع العودة إليها، وموتٍ يتمناه فلا يستطيع بلوغه… تلك الظاهرة أخذت مني سنوات وأصدرت عنها كتابًا، وفي طريق الطباعة كتابان آخران، يرصدان تجليات الظاهرة، وخصوصياتها، الجمالية والرؤيوية، عربيًا وغربيًا. ولم تتوقف إنجازاتي عند هذا المشروع، فحسب، بل قدمت عددًا من البحوث القصيرة التي تقتضيها طبيعة عملي الأكاديمي في المؤتمرات، والندوات، والحلقات العلمية”.

الثقافة تنتمي للإنسان المسالم

وردا على وصفه بحاصد الجوائز الأدبية التي نال الكثير منها، وتجربته في هذا المجال، يقول الحسامي لـ”العرب”، “إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. فما الجائزة؟ إنها مكافأة يتلقاها المبدع أيًا كان مجاله، عن إبداع له قيمته في نظر مانح الجائزة، أو من يحكّم فيها.

 والجائزة تقليد إنساني عالمي، قديم جديد، تمنح للمبدع المنشغل بإبداعه ليستعين بها على تسيير أمور حياته، وكي يظل وفيًا لإبداعه، مستمرًا في عطائه، مع أن هناك بعض الجوائز تمنح من منطلقات أيديولوجية، أو اعتبارات غير علمية”.

ويضيف “حين يقال إني حاصد جوائز فذلك قد يكون قدحًا، وقد يكون مدحًا، فمن يرى أن الكاتب ينبغي أن يكتب هواجسه الإبداعية دون الالتفات للجائزة يطلق ذلك قدحًا، ومن يرى أن حصول أعمال الكاتب على جوائز من جهات علمية محكّمة مقابل أعماله التي قدمها، فذلك مدعاة للثناء لأن أعماله توفرت على مواصفات الجودة العلمية، فنافست، واستحقت الفوز بجدارة فذلك يقول على محمل المدح.

وأيًا كان منطَلَقُ القول فأنا لم أكن حاصد جوائز بالمعنى الذي قد يفهم منه أني أحصل على جوائز كبيرة، وما تزال الجوائز التي حصلت عليها ذات مستوى متوسط، أو أنقص منه قليلا”.

ويشير الناقد إلى أنه مهجوس بالكتابة والبحث العلمي، إذ يشغله البحث العلمي أكثر من انشغاله بالجائزة، ويمتلك رؤية تنتظم أعماله التي يقوم بها، سواء قدمها لجائزة أو لم يقدمها، وسواء حصد الجوائز، أو حصدته الجوائز، فهو يحاول أن يكتب بحوثه العلمية صغيرة أو كبيرة في ضوء الشروط المنهجية الدقيقة، وكل بحث يرتقي بمنهجيته، وزاوية رؤيته، ولغة كتابته ليتفوق على كل بحوثه السابقة.

ويتابع الحسامي “من يطالع بحوثي وكتبي الصادرة التي ألفتها، ونشرتها، أو تلك التي نشرتْها الجوائز العلمية، مثل جائزة السعيد، أو جائزة كتارا، أو جائزة نادي الباحة، أو البحوث المتوسطة التي نشرتها جائزة راشد بن حميد في مجلة عجمان، سيجد – بحسب ظني – تلك الظاهرة: التنوع في المنهج، جدة الأطروحة العلمية، التراكم المعرفي والمنهاجي، صفاء اللغة النقدية، وعدم توعر الأسلوب النقدي، النسق الرؤيوي الذي يتخللها،

وهذا يعني أنني أكتب بوعي، وأحاول أن أستثمر كل بحث ليشكل لبنة في مشروعي الكتابي، وفي بناء منهجيتي العلمية، وتوسيع فضائي المعرفي، ولا تثريب عليّ ولا على أيّ باحث أن يقدم نتاجه العلمي لمؤسسة علمية ينافس فيه عشرات الأعمال العلمية، فيفوز بجائزة تعينه على أمور الحياة، وتحفز فيه مواصلة الكتابة، وتعمل على توسيع مساحة التلقي: ‘كل من في الوجود يطلب صيدًا/غير أن الشباك مختلفات‘.

وكلنا يبحث عن الخلود، مع اختلاف وسيلة البحث، وأجلُّها وأشرفها، البحث عن الخلود من خلال المعرفة، وتوريثها للأجيال”.

وبين اهتماماته النقدية والأكاديمية وإلى أيهما ينتمي بشكل أكبر وأيهما أضاف للآخر، يقول الحسامي “ما أصعب الحديث عن الذات. حين أحاول أن أقدم توصيفًا لهويتي العلمية فأقول إن الأكاديمية بحكم عملي ‘معيدًا‘ في الجامعة منذ 1994، وحتى اليوم قد فرضت عليَّ نمطًا حياتيًا، ووظيفيًا معينًا، حيث عشقت العمل الأكاديمي، وحاولت أن أتمثل روح الأكاديمي، ومواصفاته بدقة متناهية، ومهنية عالية، ذهبت أتقمص أعلى النماذج الأكاديمية التي مررت بها، أو تتلمذت على يديها، أو قرأت عنها”.

السرد عربيا وعالميا استقطب أبرز المبدعين، وأخذهم إلى عالمه الخصيب فبرزت أعمال جديدة جديرة بالمتابعة والقراءة

ويضيف “انطلقت بروح الأب الرحيم، وحرص المعلم الصارم، في الدرب الأكاديمي الذي أخذني بحكم التخصص إلى النقد، فتخليت عن الشعر الذي كنت أزعم أني قريب منه، وأنه قريب مني، لكن الناقد في أعماقي أخذ يكبر يومًا بعد يوم، ويتضاءل الشاعر حتى مات أو كاد، وربما وجدَ فرصة للنفاذ من خلال اللغة النقدية التي أكتب بها بحوثي النقدية، ربما.

الأكاديميُّ منح الناقدَ فيَّ رصانته، ومنهجيته، وضَبَطَ إيقاعَ حركته، والناقد منح الأكاديمي فيَّ عمقه الرؤيوي، والمعرفي، وكلاهما صار كيانًا واحدًا تتكامل وظيفته، ويتآزر بنيانه، فلا أجد نفسي على الإطلاق إلا في قاعة الدرس، وفي مكتبتي. هناك (أعز مكان في الدنا) وتلك مملكتي التي أعتز بها، وأعيش بها، ولها، ومنها. هناك شغفي الذي لا يحد، ومتعتي التي لا توصف”.

وفي صميم التحولات الأدبية في المشهد اليمني، نسأل الحسامي عن سبب عدم ظهور جيل من الروائيين في اليمن على منوال جيل القصاصين التسعينيين مثلا، فيجيب “ظهور الجيل الإبداعي بالمعنى الدقيق يقتضي وجود عوامل، من الاستقرار والفعل الثقافي والتراكم والعمق، ويقتضي ظهور نماذج تقود الجيل، وحين تسطحت

التجارب، وساد الزيف، وزهد المبدع عن تطوير نفسه، وضاقت مساحة ثقافته، واكتفى بعلامات الإعجاب على وسائل التواصل، ظهرت لدينا نماذج لا تلبث أن تتلاشى كلما حاولتَ الاقتراب من تجربتها، إنها تجارب سطحية، متعجلة، يشوبها الكثير من النرجسية، والقليل من الإبداع، كما أن الحروب والصراعات تجعل المبدعين أول وقود لها، فيقل منسوب الإبداع، ويتأخر أو يتعثر ظهور جيل بالمعنى الدقيق للمصطلح”.

وفي رده على واقع المعاناة التي يعيشها معظم المشتغلين بالأدب وهل يمكن ان تولّد إبداعا، يضيف “المعاناة الذاتية، ووجود قضية يعاني لأجلها المبدع تلك هي المعاناة التي تولد الإبداع، المعاناة التي تقتضي التحدي الإبداعي، تصهر المبدع، وتجعل إبداعه متوهجًا بروح المعاناة، أما المعاناة المادية فمنها ما يُحتمل، وما يدفع

المرء لتجاوزها، وتحقيق حضوره على الرغم من عوائقها، ولكن المعاناة التي يعيشها جمهور المبدعين اليوم وبخاصة في اليمن هي تلك التي تجعل المبدع يطارد لقمة الخبز، أو قنينة الغاز، أو يقضي وقته في توفير ثمن المستلزمات الضرورية للحياة، فإنها معاناة مهلكة، ومستهلكة للمبدع، فكيف يبدع؟ كيف يكتب أو يقرأ؟

أو يشكل جوهره الإبداعي؟ إن هذه المعاناة هي محرقة الإبداع والمبدعين. وقد يضاف إلى تلك المعاناة المادية معاناة السلطة القامعة التي تحول دون تمكن المبدع من قول ما يروم قوله، أو التعبير عما يجيش في خاطره، فيغدو المبدع أمام معاناة مركبة، تطمس هويته، وتنفي وجوده”.

 

  • صحافي يمني

 

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي