قصة قصيرة.. فوبيا

2021-06-26 | منذ 3 شهر

فاضل الفتلاوي

وانا اسلخ عامي الستين ما زال ذلك الشبح يلاحقني، يؤرقني، يرعبني، لم ادع طبيبا أو حكيما، جربت وصفات العجائز واصبحت زبونا دائما للعرافات وشيوخ الطرق القديمة، وصرت أصدق بحكايات المكانس التي تمتطيها الساحرات وهن يحلقن في الفضاء بملابسهن البوهيمية واغطية رؤوسهن المزركشة، حدث كل هذا معي منذ ما يقارب النصف قرن ونيف من الزمان، ما زلت اتذكر ذاك اليوم المشؤوم عندما طلبت مني

جدتي تنظيف صندوقها الخشبي المتوارث عن امها، صندوق تغير لونه وما زالت مساميره براقة ذهبية، كنت دائما اتحايل عليها واحاول فك طلاسمه ولكن حذرها دائما يقطع علي رغبتي الجامحة، وها هي اليوم تطلب مني أن انظف لها خزانتها، لم أصدق في بادئ الأمر ولكنها اخرجت مفتاحا غريبا تحتفظ به منذ الأزل في شالها الادكن، فتحت الصندوق، فاحت الروائح، خليط بين البخور الهندي والسعد وروائح تبدو كريهة، قالت بنبرة حادة:

- اسمع يا هذا لا تفرح كثيرا، سأعطيك خمسة فلوس مقابل تنظيف خزانتي هذه من الفئران.

- فئران... وكيف دخلت هنا..؟

وكان لها ما أرادت، دخلت في مجهلها الخرافي، مسابح وخرز نادر وحصى ملون وقارورة ماء مغلفة جاءت بها من زمزم وقماش ابيض مؤطر بسور القرآن الكريم علمت فيما بعد أنه كفنها، وصلت الى قعر الخزانة، هالني المنظر، فأرة بيضاء كبيرة، وهي منهمكة برضع ادراصها، ضحكت جدتي بخبث وقالت:

- هيا اخرجها واسحقها وإلا لن تحصل على شيء.

تجمع اطفال الحي وزعيق وصراخ وها هي العائلة التعيسة تلقى حتفها تحت إطار سيارة مسرعة.

في ليلتي الأولى لم اذق طعم النوم وهرعت مرعوبا الى حضن أمي، ارتجف، ضمتني بحنان ولكن صوت ألف فأر يفقدني صوابي، جافاني النوم وصار الرعاش يلاحقني، وللمرة الاولى اتغيب عن مدرستي، وبعد ايام بان الهزال جليا علي، وفي كل ليلة انام فيها قليلا تظهر فئران بأشكال واحجام مخيفة، كلما اتقدم في

العمر تكبر الفئران وتستحيل انيابها إلى خناجر مرعبة، ماتت جدتي وبقي السر محفوظا، ركنوا صندوقها المشؤوم داخل مخزن فوق سطح الدار، وبسبب هذه المصيبة تخلفت عن اقراني واخوتي في الدراسة ولم اتجاوز الابتدائية رغم ذكائي الحاد وفطنتي التي سبقت عمري بكثير رحت انقب عن جحور الفئران في كل الأماكن لأكفر عن خطيئتي الكبرى، اضع الجبن بابوابها ولكنها تخرج مسرعة تنظر لي بغضب، تركل

الجبن برجليها وتلقيه بعيدا، جربت هذا في اماكن عديدة بلا جدوى، عند زيارتي الأخيرة للطبيب النفسي سخر مني ومن مبالغتي في مسألة اعتيادية جدا وعرض لي فلما عن مجرمين يقتلون عوائل آدمية بكاملها

وهم يكبرون، لا يشعرون بإيما ذنب، هذه الحادثة اعادتني لصوابي قليلا ورحت أعطي لنفسي بعض العذر، انستني ولادة مولودي البكر الفئران ومصائبها وعدت طبيعيا، في ليلة كان طفلي يبكي بشدة، هرعت الى مهده، بالله هذه الفأرة التي قتلتها منذ زمان طويل تزاحم طفلي في مهده هي وادراصها.

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي