وقائع طوفان ساعي البريد

2021-06-25 | منذ 3 شهر

صورة تعبيرية

 هاني بكري*

وقف متأملا قفل الباب الصدأ للمبني القديم المهجور الرابض على أطراف المدينة الصحراوية؛ المدينة التي وصفها يوما ما لامرأة عابرة في الغربة بأنها مدينة منسية، تنام كحيوان بليد في حضن الجبل، لا طعم لها ولا لون ولا رائحة، مدينة ذات موقع عجيب؛ محشور بين السفح والجبل؛ تفضي مدقاتها إلى صحراء قاحلة.

بدا المبنى بلونه الأصفر الكالح المغبر، وشبابيكه الحديدية التي تتلاعب بها الريح، وكأنه يتحدى شهادته العلمية في الفيزياء الكمية، المعلقة على حائط غرفته، والممهورة من جامعة عريقة في بلاد باردة بعيدة سعيدة. في انتظاره خطاب التعيين، أصبح يقضي أوقاته هائما في طرقات البلدة، التي خلت في ما خلت من أصدقائه القدماء، المتناثرين شمالا وجنوبا بحثا عن الرزق.

يرهقه المرور اليومي على مكتب البريد مستفسرا عن الخطاب، الذي لا بد أن يأتي مسجلا بعلم الوصول، يجيبه الموظف الغارق في حساباته بغير أن يرفع رأسه؛ ودون اكتراث؛ لم يأتِ. يلعن البيروقراطية التي تعرقل مساره البحثي، هو الذي فضل تراب الوطن وخدمته على بقائه في الخارج.

أين ذهب سعاة البريد اللطفاء؟ تمنى لو كان هناك أحدهم يجنبه مشقة الحضور اليومي لهذا الموظف السمج. ساعي البريد الوحيد في البلدة جُن منذ فترة طويلة، كان يراه وهو صغير حافيا يسير في الطرقات ببدلة صفراء تزينها نياشين من أغطية زجاجات المشروبات الغازية، هائما يدعو الناس بصوته الجهوري لركوب سفينته، قبل حلول الطوفان؛ السفينة التي لم يدق فيها مسمارا واحدا.

يغيب لأيام طويلة في الخلاء، ويعود محملا بقطع من الخشب المكسور، يضعها وراء مبني البريد ليسطوا عليها ليلا خفراء المبني، مفضلين صنع أكواب الشاي والتدفئة عن صنع سفينة تقيهم الطوفان. الساعي الذي ينسج حوله العجائز في جلسات المقهى الليلية الباردة أساطير.

رحم الله والديك، لو كانوا أحياء لحكوا لك؛ عن شاب وسيم يحرص على مظهره الأنيق، لأنه وحده، ولا أحد غيره من بيننا من كان مصرحا له بدخول المبنى الكبير.

في اليوم الأخير، خرج من المبنى، خلع أمام البوابة حذاءه وقميصه، ومضى مخبولا في الأزقة والشوارع. المبنى الذي لا يعرفون طبيعة العمل في داخله، ولا لماذا بني في بلده صحراوية منسية؟ ولا لماذا أغلق؟ مساكين، تهبط عليهم القرارات الحكومية كالميتافيزيقا غامضة وبلا تفسير.

لكنه وحده وبحكم شهادته العلمية؛ العارف، والعالم، والقادر على تفسير الأصوات المرعبة التي ظلت لعقود، ولا تزال تصدر من المبنى ليلا؛ والتي تشبه أصوات الحيتان التائهة في المحيطات.

ومع ذلك لم تصمد سنوات دراسته الطويلة في بلاد الغربة في إقناع رفقته الليلية بقوانين فيزيائية بديهية، تجعل هذه الأصوات نتيجة حتمية لحركة الهواء الدوامية الهابطة في فناء دائري مفتوح على الداخل، ومحاط بطوابق غاطسة كالبئر، كما يشى هيكل المبنى الخارجي بذلك.

يفشل في الشرح النظري، فيمسك قلما ويرسم لهم خطوطا ومعادلات، تنظر إليه العيون المتهدلة الجفون بلا مبالاة، تضحك الثغور الفارغة، حين يمسك أحدهم بورقة المعادلة ويشعل بها سيجارته اللف من الموقد في الجوار. يكاد يفقد إيمانه العلمي الصارم، أمام حكايات لا تنتهي عن سراديب، وأقبية، وغيلان تنفخ داخل المبنى فتصدر هذه الأصوات المرعبة.

الله يرحم والديك، لا تذهب إلى هناك مرة أخرى، كرامة لهم. يلعن الظروف التي أفضت به للجلوس داخل حانة في مدينة منسية، لا يستطيع إقناع حفنة من عجائز فيها بحركة مرور الهواء داخل مبنى مهجور، بينما زملاؤه الآن في عواصم الدنيا، يشقون مسارهم البحثي بخطا واعدة.

يشعل سيجارته اللف من اليد الممدوة له بالنار، ينفث دخانها بتمهل، متأملا سواد الليل الحالك أمامه في الصحراء؛ من الظلام آتينا وإلى الظلام نعود. يضحك العجوز ذو الأسنان السوداء المهترئة.. ربك كريم.

 

٭ ٭ ٭

في ما تواصل لحيته غير المشذبة نموها ببطء، يكف هو عن كثير من طقوسه اليوميه المعتادة، في الذهاب نهارا إلى مكتب البريد، وليلا في شرح قوانين الطبيعة حول طاولة المقهى، ينفق ساعات العصاري الهادئة في القراءة على درج المبنى الخارجي المتكلس بفعل الريح، وتحت قفل البوابه الصدئ، الذي أغلقه ذات يوم حار بعيد، جندي مرتبك، يحثه زملاؤه المكدسون في عربة الجيب المكشوفة على الإسراع، ليُعثر بعدها بسنوات على هياكلهم العظمية في الخلاء الصحراوي في وضع دفاعي صارخ.

وقف متأملا القفل، نحى الكتاب جانبا وضربه بحجر صغير فاستسلم، فتح ضلفتي البوابة فأزت وانفرجت.

لا شيء غامض. ثمة طرقة تفضي كما توقع إلى أدوار دائرية عميقة محفورة إلى الأسفل، كالأبنية الرومانية القديمة، لم كل هذا الجهد المهدور في شرح نظريته؟ غرف تتناثر فيها مكاتب من صاج رمادي عليها تلال من رماد، وصور لجنرالات ببدل رسمية تنتفش في خيلاء.

نتف من ملابس نسائية مزركشة، وأحذية تنثرها الريح في نهاية الطرقات الدائرية المسيجة بالحديد المشغول، فتهبط وتعلو على أرضية الفناء المفتوح سقفه.

في الشمس الغاربة الطالعة من فوق شخشية الفناء، جلس على كرسي حديد متهالك، قبالة الغرفة الكبيرة، في الطابق السفلي، حيث يجرجر النمل الفارسي من بطن رمالها قوته، تماما حيث جلس ذات ظهيرة حارة قائد حرس يصرخ في الجنود محفزهم على الانتهاء.

اجتاحته موجة من هدوء وأسى ثقيل، وضع رأسه على حافة العامود الخلفي، وأجهز على آخر نفس من سيجارته.

 

٭ ٭ ٭

عربات بنية غامقة مجنزرة تهبط منها نسوة مختلفات الأعمار منكوشات الشعر يرفلن في الأسمال والقيود، يتعلق صغارهن بأذيالهن، في ما تحمل الآخريات الأطفال الأصغر على صدورهن، وتسير البقية منتفخات البطون يترنحن في المشية المهتزة.

العيون الغائرة، والوجوه الصفراء البرعمية المتعثرة في مشية الأم المسرعة، تمسح المكان بالنظرات التائهة المتأملة في فراغ النور الهابط من الأعلى. أيادي الأطفال على صدور الأمهات تشير بعفوية ناحية قدر الحساء، فيسرعن بحمل أواني الفخار، ليضع فيها الطباخ البدين مغرفة من حساء، فيتفرقن مطعمات لأولادهن قبل أن تغلق عليهن أبواب الغرف الباردة الضيقة. ليل كابوسي منتفخة بطنه، تصرخ في سواده نسوة عاريات تنتفض أجسادهن النحيلة تحت وطأة أسلاك الكهرباء، والأحذية الثقيلة.

يلد نهارا حارا مخنوقة شمسه، بغبار أسود يُصَب على المبنى صبا، فيصفع الجندي المتعرق جهاز اللاسلكي، من أجل التقاط إشارة، ينبهه زميله بأن إشارة كهذه، في ظروف كهذه، لن تأتي أبدا عبر جهاز.. ينظر الجنرال إلى الصحراء الممتدة أمامه من فرجة الباب بغثيان، يلعن الوشايات التي أتت به إلى هذا

المكان، ينتبه على صوت المذيع الهائج في الراديو، محذرا من المؤامرات التي تحاك ضد الوطن، وعن ماكينة الأكاذيب العالمية، التي تتحدث زورا عن نسوة محتجزات بأولادهن، وأجنتهن؛ ويلعن الخونة الذين فروا منشقين إلى الخارج، في ما بقي محبو تراب الوطن صامدين أمام حشود المتآمرين والمغيبين؛ التي تدفقت فجاءة عبر الميادين والشوارع.. يعبث بنياشينة الجاثمة على صدره ويضحك.

يمسك بالمظروف الآتي في التو عبر البريد، يفتحه ويقرأه ببطء. في الجو المشحون المتوتر يبلع الساعي لسانه في التأكيد عليه بالتوسط لنقله من هذه المدينة، ويتلكأ في خطوته المترددة الفضولية في المغادرة. يتحسس ماسورة مسدسه الميري المتدلي من خاصرته، وينادى بالأمر على قائد الحرس.

اااجمع

كالغيلان؛ انطلق الجنود صوب الزنازين الضيقة الباردة. في الغرفة التحتية الكبيرة التي حفرت أرضيتها على عجل، فجرت الرؤس اليابسة بالرصاص، وهرست البقية الهشة بكعوب البنادق.

عند خروج ساعي البريد عاريا، كانت الرأس المهروسة الأخيرة تتدلى مستقرة في قاع الحفرة، وكان الجنرال على مكتبه يفرغ آخر طلقاته على صدره ورأسه.

 

٭ ٭ ٭

هدأت الأصوات الملتاعة الصارخة منذ قليل المتشفعة بالأولاد وبالسماء والأرض، استراحت في حفرتها حتى الأبد. ثمة أصوات أخرى تتعإلى، أصوات صغيرة مفحومة من البكاء المرتجف والسراويل المبتلة. عشرات الصغار المتعثرين في خطوهم المتباطئ، وأصابع قبضاتهم الصغيرة الممتدة في الفراغ لمحاولة الإمساك بملابس الأمهات المهترئة حين جرجرن إلى الأسفل.

الصغار الذين نزلوا حبوا وزحفوا متعلقين بالسياج الحديدي لدرج السلم، وحتى أبواب غرفة الجحيم، وعند رؤية حفلة الدم من بين الأرجل الملونة، جفلوا هاربين كالقطط المذعورة، مقرفصين تحت بسطة السلم الأخيرة.

البسطة التي أمر قائد الحرس بإغلاقها عليهم بمكاتب الصاج، حتى تتولى الطبيعة وحدها تصفية أدلة الجريمة الحية.

لأيام وليال طويلة كانت صرخات غرفة السلم المغلقة لا تنقطع، صرخات تشبه أصوات صغار الحيتان التائهة عن أمهاتها في المحيطات.

 

٭ ٭ ٭

عند شمس الصباح الحانية المطلة من أعلى؛ وعند البوابة ذات القفل الصدئ المكسور، خلع فتى الفيزياء حذاءه وقميصه، ومضى عاريا عبر الأزقة والشوارع، محذرا الناس من الطوفان، وداعيا لبناء السفينة.

 

  • كاتب مصري


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي