قضايا عالِقة

2021-06-22 | منذ 3 شهر

سوقٌ قديمة في مدينة ماسايا، نيكاراغوا (Getty)

غدير أبو سنينة*

1

في مدينة سوموتو بنيكاراغوا، وهي مدينة تقع على حدود الهندوراس، تلقّت رئيسة قسم الشرطة اتصالاً هاتفياً في الواحدة صباحاً، حين كانت تحتفل بدخول الألفية الثانية مع أفراد من عائلتها وبعض الأصدقاء. اكتفى نائبها في القسم بإخبارها أن الأمر بالغ الأهمية.

أُصيب أخوها بطلق ناري خلال شجار في بار "الإسكندر الأكبر"، وحين وصلت الشرطة والإسعاف، كان قد فارق الحياة. كلُّ مَن في البار رأى المشاجرة وصار بطلَ روايتها لاحقاً.

اختلف رواتُها جميعاً في كلّ التفاصيل إلّا في هويّة القاتل: روبيرتو ميندس غارسيا، وهو شاب من عائلة ميسورة الحال. فرّ روبيرتو. خلال ساعة، كان قد عبر حدود الهندوراس.

توفّيت والدته بعد الحادثة بخمس سنوات، وفي الفترة ذاتها، تقاعدت رئيسة المخفر. في بداية الشهر السابع من عام 2020، شاهدت الرئيسة المتقاعدة نوراً منبعثاً من منزل عائلة غارسيا.

بعد أسبوعين تماماً، أعلن بار "الإسكندر الأكبر" على صفحته بإنستغرام أنه سيقيم حفلاً تنكّرياً أو "حفل مهرّجين" في اليوم الأخير من الشهر، على أن يتّخذ جميع الحضور الإجراءات الاحترازية للوقاية من وباء كورونا.

في اليوم الأوّل من الشهر الثامن لعام 2020، تعرّفت الشرطة على جثة روبيرتو ميندس غارسيا بعد أن خلعت عنه لباس الإسكندر الأكبر التنكّري والكمّامة.

2

لو أن السيدة ماجدالينا لم تُلِحّ على ماوريسيو للانتهاء سريعاً من إصلاح ثلّاجتها، لربّما تجنب المسكين الطلقات النارية التي أردته قتيلاً في التاسعة مساءً من ذلك اليوم المشؤوم. لكنّ ماجدالينا جارة والدته، وإن تأخّر عليها، فستضع أمّه اللوم على زوجته دمارس. تُردّد الأم دائماً: "منذ أن تزوّج دمارس وهو يمدّني بمقدار أقلّ من النقود"، "منذ أن تزوّج دمارس وهو يُهمل ورشته"، "منذ أن تزوّج دمارس تقلّص حجم خصيتيه".

وقد كانت دمارس ترافق زوجها في الورشة، تحضّر له المعدّات اللازمة للعمل، وتمسك الحسابات حتى استطاعا شراء بيت خلال عامين من العمل الدؤوب. وقد تأخّرا في تلك الليلة لتجنّب وصول أيّة شكوى من السيدة ماجدالينا لوالدته.

سبقت دمارس زوجها للسيارة وانشغلت بالردّ على رسائل الواتساب في الوقت الذي توقفت فيه سيارة شرطة أمام الورشة ونزل منها شرطيّان لمحتْهما دمارس من مسافة متوسّطة. أغلب الظنّ أنهما طلبا من ماوريسيو ما يُثبت أنه صاحب الورشة وليس لصّاً.

هكذا اعتقدت دمارس ولم ترَ حاجة للنزول، فقد فتح ماوريسيو الباب من جديد وولج قبلهما للداخل. وبعد بضع دقائق سمعت دمارس صوت إطلاق النار ورأت الشرطيّين وهما يغادران المكان بسرعة.

تبيّن لاحقاً أن سيارة الشرطة والشرطيين مزيّفون، وقد حاولا سرقة النقود من بيع اليوم، لكن مقاومة ماوريسيو أربكتهما فاكتفيا بسرقة روحه.

بعد شهر من الحادثة وعلى بعد متجرين من ورشة ماوريسيو، أغلق خوليو كِشْكَه الصغير وانطلق بدراجته منعطفاً بزاوية واسعة على يمين الشارع، ما جعل سيارة الشرطة ــ وهي حقيقية بالمناسبة ــ المتوقّفة لمراقبة مخالفي السير تُشير له.

وقد ظن أنها لعصابة اللصوص التي قتلت ماوريسيو. تابع القيادة وزاد من السرعة فلاحقته الشرطة في مطاردةٍ استمرّت نصف ساعة، انتهت بمقتله.

3

في عمر الخامسة والستين، تزوّج رولاندو سينيليا. له من الأبناء خمسة ولها من الأبناء أربعة، من بينهم سامنثا. بينما لا يجد أبناء سينيليا حرجاً في زواج والدتهم في عمر الستين، كانت سامنثا مستاءة من رولاندو ومن زواج أمها.

اعتبرته عاراً. وقد دفعها كرهها لرولاندو، العجوز القذر، كما تصفه، شبيه الأبقار التي يربيها، لإثارة المشاكل كلّما وجدته في منزلهم عند زيارتها لوالدتها بشكل بات يتكرّر كثيراً. لطالما راودت الشكوك سامنثا في أن والدتها على علاقة برولاندو قبل وفاة والدها، بل خطر على بالها مرّة أنها ربما تكون ابنته.

وكان الحنق يخنقها، فوالدها كان موظّفاً محترماً في بلدية ماسايا، أمّا رولاندو هذا فتراه كالثور ويمخر كالثور!

وقد قالت كلّ ذلك للسيد هافيير وهي تعلم تماماً أنه ما زال يُكنّ لوالدتها حبّاً أو إعجاباً أو أيّاً ما كانت مشاعره التي يلحظها الجميع منذ خمسين عاماً.

جلبت كيساً متوسّطاً من حبوب الذرة إلى مطحنته الصغيرة في حيّهم الصغير بمدينة ماسايا، حيث كان الجميع يطحن الحبوب عنده لقاء بيسوات معدودة.

تعمّدت أن تأتي على ذكر والدتها وتختلق فكرة ندمها على الزواج من رولاندو الذي تنبعث منه رائحة روث البقر، لا رائحة القهوة! ظنّ هافيير أنه المقصود، فهو الوحيد الذي يطحن القهوة وتنبعث منه رائحتها، ثم إن القهوة تعني مجالس الأصدقاء، "ومن لسينيليا صديق غيري؟"، "كما أنني أخطأت حين سمحت لرولاندو أن يسبقني إليها بينما كانت تنتظرني".

أغلق المطحنة واتّجه نحو منزل سينيليا وهو يفكّر في أنهما من نفس العمر، درسا الابتدائية معاً، ومعاً توقّفا عن الدراسة، وأنهما احتسيا القهوة مرّةً وهما ينتظران دورهما في طابور طويل للحصول على المؤونة حين كان الاشتراكيون يحكمون البلاد، وكانت فكرة سينيليا أن يحوّل الغرفة الفارغة خلف منزلهم لمطحنة للقهوة والحبوب الأخرى.

رآه الجيران وهو يعبر منزلها ويُغلق الباب، تماماً كما رأوا رولاندو يدخل المنزل بعده بلحظات. سمعوا أصوات شجار تصدر من الداخل ثم شاهدوا الرجلين يخرجان مسرعين مبتعدين، بينما بقيت سينيليا جالسة على مقعدها الهزّاز، كيسٌ من القهوة على حضنها وسكّين في صدرها.

4

بعد انتصار الثورة الساندينية في نيكاراغوا، أفسحت الدولة للمستثمرين الأجانب استيراد البضائع المختلفة من الصين. التجّار العرب كانوا أكثر مَن استغل هذا الاستثمار، لكنّهم ذهبوا بعيداً بتقليد العلامات التجارية وبيعها بأسعار زهيدة.

بناطيل الجينز الليفايس، قمصان غوتشي وناوتيكا وتي شيرتات لاكوست... ولم تكن نيكاراغوا بلداً صارماً في تطبيق قوانين الملكية.

في السنة التي وصلت فيها هذه البضائع، وصل الشاب اليتيم نائل صفوان من قرية متاخمة لمدينة رام الله للعمل لدى ابن عمه نوفل صفوان. كان نوفل قد وصل نيكاراغوا في ثمانينيات القرن الماضي، وله متجران صغيران لبيع الأقمشة والملابس. وقد حدث مع نوفل ما حدث مع كثير من المعدمين الذين يقفزون السلّم سريعاً لا عن ذكاء ولا عن حسن تدبير، بل بسبب ما اتّفقت على تسميته اللغةُ الحاسدة بضربة الحظ.

يُعرف عن نوفل نزقه وغضبه السريع وقسوته وإفراطه في تأنيب العمّال وطردهم لأيّ سبب تافه، ولم يكن لامرأةٍ أن تطيق العيش معه، حتى أن زوجته فضّلت العودة مع أبنائها لقريتها، مكتفيةً بمبلغ بسيط يصل لها منه، متجاهلة كل ما تعرفه عن تبديد أمواله وعيشه مع العاهرات.

وعلى عكسه تماماً، كان نائل بشوشاً بسيطاً، يقضي وقته بين العمّال نهاراً ويخرج للّهو والسهر معهم ليلاً، وقد خسر رهاناً خلال لعبة أوراق الشدّة وكان عليه أن يشتري لهم لباساً جديداً لعيد الفصح وأن يصطحبهم جميعاً في نزهة بحرية. ولأن الهزَل والسخرية كانا سِمة العلاقة التي تربط وائل بالعمّال، فقد قرّر أن تكون النزهة هزليةً.

استأذن ابن عمّه نوفل بالخروج بسيارته المازدا الخضراء وأخذ من المحلّ سبعة قمصان لاكوست وردية. وفي اليوم الموعود، خلعوا جميعاً قمصانهم التي خرجوا بها من بيوتهم وكانت المرة الأولى والأخيرة التي يرتدون فيها قمصاناً ذات ماركة عالمية، "وإن كانت مزيّفة"، وبدوا مثل موظفي مؤسّسة خيرية خارجين في رحلة عمل، كأنما ينتظرون أمراً كهذا ليزيدوا من وتيرة سخريتهم.

رصّوا أنفسهم في السيارة وملأوا الصندوق الخلفي بصندوقَيْ بيرة تونيا، لم يتبقَّ منهما شيء. في طريق العودة، كانوا سبعة شبّان سكارى ساخرين، بقمصان لاكوست وردية، متراصّين في سيارة مازدا خضراء. ولن يحتاج القارئ لتفكير عميق كي يدرك أنهم مقبلون على حادث مروّع.

اصطدمت السيارة بعمود كهربائي على حافّة جرف، ثم انحدرت وهي تنقلب رأساً على عقب قبل أن تستقرّ في وادٍ تحجبه كثير من الأشجار. توقّفت السيارات وتجمّع الناس وكلّهم بملابس البحر الخفيفة ومعظم الرجال بلا قمصان، يحاولون الوصول إلى السيارة المنكوبة.

وصلت الشرطة بعد ساعات. أخرجوا ستّ جثث ضاعت ملامح أصحابها، دون أن ينتبه أحد إلى مقعد السائق الفارغ والقميص الوردي من ماركة لاكوست الملقى على بعد أمتار قليلة من السيارة.

5

تذهب مناغوا إلى مخدعها باكراً، باستثناء بعض حانات شعبية تجمع شمل الكائنات الليلية، وكازينو "فرعون" حيث تحلّ اللعنات تارة والبركات أخرى على زبائنه.

بيد أن الأشجع من بين كلّ الليليين هنّ بائعات الهوى، الواقفات بانتظار تصيّد الزبائن مقابل الكازينو الأشهر في مناغوا، وعلى امتداد شارعها الرئيسي. تقف كلّ منهنّ على بعد أمتار عن الأخرى ليمنحن أنفسهنّ وزبائنهنّ مساحة كافية للاستعراض.

وأحياناً يقفن في مجموعات من اثنتين أو ثلاث، تحسّباً لطلبات الزبائن المهتمّين بالعمل الجماعي (وللقارئ الحرّية بقراءة الكلمة الأخيرة بفتح الجيم أو كسرها). ولطالما لفتت تلك العاملات نظر فرانسيسكو دي أسيس كاساتريي، وهو فنان نيكاراغوي يقضي معظم وقته في الولايات المتحدة ويعرض أعماله الفنية فيها وفي أوروبا.

ينحدر فرانسيسكو من عائلة ثرية ذات أصول إيطالية لها اهتمامات فنية، وهم المستوردون الوحيدون للخزف والسيراميك الإيطالي في نيكاراغوا، إضافة لامتلاكهم كثيراً من العقارات الكفيلة بتأمين أجيال أخرى من العائلة.

قبل خمسة عشر عاماً، حين كان فرانسيسكو في الخامسة والأربعين من عمره، وخلال زيارة قصيرة لنيكاراغوا، استوحى من بائعات الهوى في ذلك الشارع أفكاراً لإقامة معرض فني باسم "بائعات الهوى"، بيعت جميع أعماله خلال عدّة معارض أقامها في أميركا.

وقد رسم فرانسيسكو تلك اللوحات بعد أن عقد صداقات معهنّ استمرّت سنوات، لكن الأقوى من بينها كانت علاقته بأماندا. تنتمي اللوحات للفن التجريدي ويصوّر فيها فرانسيسكو ملامح نساء تبدو ضبابية لكثرة المساحيق، مع خطوط بارزة تحت العينين وحول الوجنتين، وترهّلات الجسد بعضُها مشدود بجراب نسائي وبعضها بارز من تحت الملابس الضيّقة.

وفي ذلك العام الذي أنجز فيه اللوحات، قضى معظم وقته في نيكاراغوا، يصطحب صديقاته الجديدات إلى بيته الفاخر دون أن يقيم علاقة جسدية مع أيّ منهنّ. أماندا كانت دوماً من ضمن المدعوّات، وهي الأكبر سنّاً والأرجح عقلاً والأكثر احترافاً لعملها والأجمل بنظره.

كانت مُلهِمة! وخلال دعوات العشاء المستمرّة حتى ساعات الصباح الأولى معهنّ، كان يستمع لحكاياتهنّ مع الزبائن، وكثير منهم ذو شأن ومن أصحاب رؤوس أموال من معارف فرانسيسكو.

ولربما ألقى فرانسيسكو نكتة أو ذَكرَ مصطلحاً أمام أحدهم يلمّح فيه إلى معرفته بأمر معاشرته بائعات الهوى، كأنْ يقول مثلاً بنبرة جدّية لإدواردو مونتي بيردي، مالك فروع محلات مونتي بيردي للألبسة: "انتبه! هناك فراشة حمراء على قميصك"، فيرتبك إدواردو، إذ لا يعرف إن كان هناك فعلاً فراشة حمراء على قميصه أم

أن فرانسيسكو على علم بما حدث معه حين توقّف في ذلك الشارع بحثاً عن بائعة هوى واختار إحداهنّ ولم يعرف أنّها متحوّلة جنسياً إلا في لحظة فارقة، وقد غضبت "الفراشة الحمراء" كما يلقبّونها، إذ شاهدت على وجهه ملامح الاشمئزاز، فأخرجت قلم حمرة من حقيبتها ورسمت على قميصه الأبيض فراشة ثم غادرت بعد أن حصلت على نقودها المتفق عليها كاملة.

واكتفى فرانسيسكو قبل سنتين باصطحاب أماندا وحدها لقضاء السهرة معه في المنزل، كلّما أحس بالوحدة. أثار قلقه مرة تغيّبها عن دوامها الليلي في الشارع، وهو لا يعرف رقم هاتفها ولا عنوان منزلها. استمرّ أسبوعاً ينتظرها حتى ظهرت وهي بالكاد تجرّ قدميها ووجهها بائس.

ما إن رأت فرانسيسكو حتى عانقته وبكت. يقبع ابنها مانويل في السجن ولا أموال كافية لتعيين محام جيد. كان مانويل يعمل سائقاً لدى شركة ألبان قبل أن يقتل رجلاً دهساً بسيارة الشركة.

بعد يومين، رافقت أماندا فرانسيسكو في زيارة لمدير السجن. لم يفُتْها وهي تشرح له تفاصيل الحادث وتؤكّد أن ابنها لم يرتكب أيّ خطأ وأن ما حدث كان قضاءً وقدراً، أن تلتفت للسيراميك الفاخر والخزف الإيطالي المرصوص على أرضية المنزل وجدرانه، كما لم يفُتْها أيضاً أن تتصرّف كأمٍّ عاملة في حقل يهواه مديرو السجون في نيكاراغوا.

وخلال أسبوعين تليا تلك الزيارة، ظلّ مانويل ينتظر سماع صوت المطر وهو يزخّ بقوة على السقف المغطّى بألواح زينكو. وما إن حدث ذلك حتى انطلق إلى الحمّام وتسلّق جداره ليجد شرطياً بانتظاره يساعده في رفع لوح الزينكو كي يخرج من خلاله قبل أن يعيداه إلى مكانه. وخلال ذلك الوقت وما سبقه بقليل وما تلاه، تسدّد أماندا الفاتورة المستحقّة لمدير السجن على شكل ليالٍ حمراء وبرّاقة، وفي مواسم المطر وغيرها.

 

  • كاتبة ومترجمة فلسطينية أردنية مقيمة في نيكاراغوا


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي