قصة قصيرة.. توابيت تغنّي

2021-06-13 | منذ 1 شهر

 اللوحة لـ إدوين لاندسير ـــ 1837

عزيز الشعباني  

 

«ما من مطر ليغنّي!» يقول التابوت.

كل شيء صامت تلك اللحظة: بطن الدار وظهرها، مولّد كهرباء الشارع، المشفى، حتى عجلات السيارات صامتة.

ضغط العامل زرّ الكهرباء، فاندلع الضوء مثل شلال، لكن أشلاء الليل ظلّتْ مختبئة تحت العجلات.

الهواء المعتم يبتلع غبار الدروب.

الشرطي، على مصطبة الليل، بفم مفتوح، غارق في النوم.

عصبةُ كلاب، تومض عيونها تحت المصطبة.

منتفخٌ رأس الشرطيّ، البندقية تتدلى من مؤخرته، مثل ذيل خارطة.

صوتٌ حنين، عبر مكبرة صوت لا مرئية، يدغدغني: أيها الحفل الكريم!

«هل أعرف الصوت؟»أقول لنفسي.

أزن الصوت في رأسي..... يرنّ، تتوثّب له كمنجات روحي.

أتسلّق، مستعينةً بمصطبة الشرطي، حائط المشفى.

الصوت، مثل يد، يسحبني.

الكلاب تتثاءب، الشرطي يواصل شخيره المبلغم.

أدير مفتاح باب المشفى، تنبح الكلاب، الشرطي لا أثر لصحوه، الصوت يشفطني الى دهليز القاعة.

لا أثر يدلّ على المشفى......مجرد حفل!

أدور، بين المعازيم، مثل دوران كاميرا سينمائية.

تعوم الأجساد في فضاء القاعة، مثل كتل طافية، تعوم بلا جاذبية، تدور حول نفسها، مكونة دوامات صغيرة.

للصوت حنين أعرفه، أظنه صوته، بل هو صوته حتمًا، قلب الأم لا يُخطئ!

تدور الدوامة، أدور حول نفسي، يضيع منّي، أتحسس الصوت مرة أخرى، ألمحه:«هو!؟» أقول لنفسي مترددةً.

«قطعًا هو»، أُجيبني!

ينزل، طيرانًا، مع سرب المدعوّين، يلامس مرمر القاعة أو يكاد.

المرمر يستحيل الى نهر، هو إلى نورس.

أمرّر له ابتسامة بينية، أخطئ في التسديد، تمرّ بمحاذاة حاجبه الأيسر، ابتسامة أخرى تلامس حاجبه الأيمن، الثالثة من فوق رأسه، عجزتُ عن إصابة المرمى: كيف لا يراني؟ أسأل نفسي.

أسبح في نهر المرمر، أدور مثل متزلج يطارد موجة.

«أيها الحفل الكريم» يلفحني الصوت، مرّة أخرى.

أصطاد صوته، أتبعه، أقترب منه، أحاول لمسه، ترتدّ يدي، ترتطم بحاجز لا مرئي، أو بجسد أحد الحضور، مثل سمكة في حوض كان، مثل طفل أطارده كنت.

«لماذا يتجنب نظراتي؟» أقول، بينما أتكئ على جدار القاعة.

 مثل استدارة كاميرا سينمائية، وجدت نفسي اتكئ على الجدران من الخارج:

ثمة ظل جاثم على جدران القاعة، ظلٌّ على مولد الكهرباء، ظلال هنا وهناك، الشرطي يطالع الظلال:«الظلال فعل إلهي يا أمي» يقول الشرطي.

 ثمة ظل، أيضًا، في عينيه، والاّ لِمَ لم يراني؟ أقول.

 «أيها الحفل الكريم» يعود صوته يخترق الصمت.

«هل سمعت؟ أنده الشرطي.

«تضحك الكلاب».

الفجر يتساقط مثل ندف ثلج، الصمت مستحكم، الصوت لا يتوقف عن النداء.

أتتبعه، يصعد، مثل خيط طائرة أبيض في السماء.

هذا الصياح يزعج الموتى «يزعق الشرطي»!

 : «أَلمْ أقل لكِ أن أصوات الليل خدعة؟!» تخاطبني الكلاب.

 أحاول عبور السياج عائدةً، تنزلق قدمي، أرتطم بتابوت منزوع الوجه، أتلمس الغطاء، أرفعه، أُعيده الى صندوقه، أقرفص، أتكوّر فوق التابوت.

 «المطر يغنّي» يقول التابوت.

«استيقظي...!، ستسقطين من الكرسي «يندهني الشرطي، ثم يضيف: الكل يموت بالسرطان يا أمي، علينا أن نغفر لهم خطاياهم»!

أفزّ مذعورة، أترك كرسي الشرطي: «سأغفر له كل خطاياه، بما فيها إضرابه عن الدراسة من اجل المظاهرات، لكني لن أغفر له موته المبكر!» أقول للشرطي.

«ننتظركِ غدا» تقول الكلاب.

«متى تَكُفّين عن ازعاج الموتى؟» يقول، حارس برّاد حفظ الجثث، متأفّفًا.

«حين تكفّون من حفلاتكم اليومية، وتكفّون من استضافة ابني!» أقول له، ولكن:

قبلها: امنعوا التوابيت من الغناء!

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي