إحتفاء

2021-06-06 | منذ 2 شهر

زقاق وسلمّ من مدينة شفشاون المغربيّة

رضا نازه- المغرب

الجمعة

رنين. أو شيءٌ كالرنين. اهتزاز أخرج سهيل من غفوة استسلم لها بعد عودته إلى البيت وأهمل هاتفه بجانبه والهاتف بئس الضجيع.

رفع الشاشة فوق صفحة وجهه، فارتعشت أصابعه وارتطم الهاتف بالأنف رأسًا حتى صرخ من الألم. وضع يسراه على غضروف أنفه يتلمّس اللكمة الهاتفيّة، وأطلق يمناه تبحث عن الجهاز أرضًا. رفعه من جديد وتحكّم فيه بقبضته.

الرّقم ما زال يلتمعُ في الشاشة وهو لا يعرفه، أو لم يسجّله، أو سجّله وانمحى من ندرة التنادي بينهما أو غيابِه.

- ألو... وعليكم السلام... أهلا... أهلا... وسهلا... زارتنا بركة...

استبشر وجه سهيل وتهلّل. إن كان للصوت عمرٌ، فإنّ عمر سماع هذا الصوت عشرون سنة وأكثر. صوت من الحياة الطلّابيّة قبل أن تتفرّق سبل الحياة بين سُهولة وصُعوبة. فرح سهيل فرحًا بالنّداء واستبشر ونهض واقفًا على رجليه، لأنّ شحنة الاحتفاء الكهربائيّة لا يفي بها الجلوس. ضاقت الجلسة والعبارة بالفرح. مشى ذهابًا وإيابًا في الحُجرة.

- حاضر... حاضر... غدًا على الساعة الخامسة... بحول الله...

لا بدّ أن صديقَه العتيق سمع بإصداره الأوّل وروايته البكر. أرأيت يا سهيل، النّاس يتابعون جديدك وأنت الذي ظننتهم قد نسوك. وكيف ينساك من كان مشرفًا على لجان الثقافة في المهرجانات والملتقيات، وصار إطارًا في هيئات الثقافة ولجان التحكيم. جميل جدًا.

أصداء الكتاب وصلت، وأنت الّذي أقسمت أنْ لا أحد في هذا البلد يعبأ بكاتبٍ وما كتب، وأنّ الكتاب الأكثر بيعًا والبيست-سيلير هو لفيف أوراق القنّب الهندي.

تناول الرواية وتصفّحها من جديد. مئتا صفحة في أول عمل. رائع أنك تجشّمت الرواية مباشرة دون تمرين في القصص القصيرة أو القصيرة جدًا. القصة القصيرة جدا عُنَّة نصِّيَّة، بدعة الوقت وخربشة بقلم رصاص إزاء لوحة رونوار أو دالي.

انفتحت الصفحة على مشهد بطله في حوار مع زملائه الطلبة في بيت كراء يقع في قاع زقاق بارد. كانوا يتحسّبون لطرق الباب في أية لحظة. عزوز صاحب البيت. إنها نهاية الشهر. هيّا، هيّا... إنّه أوان أداء واجب عدم الطرد والتشرّد. وتشغيل الأسطوانة من جديد. لماذا لا تسكنون الحي الجامعي إذاً؟ وأنّى لأمثالهم. قلبَ سهيل الصفحة ثم أغلق الدفّة.

وضع وثيقته التاريخيّة وشهادته على العصر والعسر. لا بأس. الكتابة شفاء. لا بدّ أن صديقه الّذي ناداه للتو قرأها، وسيزوره غدًا ليهنّئه ولن يأتي وحده. سيأتي مع جمع من الطّلبة القدامى، يشدّون الرحال إلى صديقهم القديم ليباركوا له عمله الأدبيّ وباكورة إصداراته. سيدخلهم بيته وسيعد لهم الشاي والذواق.

سيجعل من اللقاء حفلَ توقيع عفويّ تلقائي. يجب أن يرحّب بهم كما يجب لعشاق الكلمة والأدب. سيدخلون من الباب الذي سيبدو بوّابة. سيحتفون به ويحتفون. سيهمّ بأن يُهديهم النسخ ويعفيهم من الأداء، الكتابة رسالة، لكنهم سيأبون إلا اقتناءها تشجيعا له وثمن الكتاب أرخص من بيتزا بثمار البحر أو شوربا تايلانديّة بالطحالب.

السبت

رنّ الهاتف عند السّاعة السادسة والنّصف مثل قطار هوايتُه التأخّر والتسكّع في السكك. طلب منه صديقه أن يلقاه أسفله في طرف الدرب. ألحّ عليه سهيل:

- لا يجوز... لا يجوز... لا بدّ أن تصعدوا ونشرب كأس شاي... كيف؟ لا يمكن؟ أنت لوحدك؟ مع شخص آخر؟ من؟

أغلق سهيل هاتفه وارتدى حذاءه الذي كان قد تنعله ونزعه وانتعله مرارًا في الانتظار ونزل بسرعة. لم يظهر صديقه في نهاية الدّرب. أخرج هاتفه ونادى.

- ألو نعم... أين أنت؟ يمين... شمال... شمال. قرب المقهى؟ في المقهى؟ لا؟ نعم، نعم... أبصرتك. أنا قريب.

بعد السلام والتحية، قدّم له صديقه العتيق الشخص المرافق له بنبرة من ليس لديه وقت ولا متّسع. الواجبات أكثر من الأوقات.

- هل تعرف السِّي الجندوبي؟ 

فوجئ سهيل بسؤال مغرق في الخصوصية يصلح أن يكون مطلع رواية ثانية وما سوى المطالع فضلة. حضرته فجأة صورة عزوز صاحب البيت في الرواية. أجاب:

- الله أودِّي... السي الجندوبي... نعم بالطبع.. صاحب البيت الذي اكتريه منذ سنين.

- في الحقيقة هو قريب صديقي هذا، وأرسلنا لنتوسّط في خلافك معه حول الإفراغ. ويبدو لي أنه من الأفضل لك وله أن تفرغ وتوفر لنفسك عناء المحاكم.

- نعم بالطّبع، إنّها مسألة وقت. وقد أخبرته أنّني حين أجد مسكنًا، سأخلي له البيت فورًا.

- متأكّد؟

- نعم، بالطّبع. ثمّ اطمئنّ يا صديقي، لست هاويًا للمشاغل والضغوط المزيّفة. اطمئنّ "المحلوبة حليب والمعصورة دم..."

- أتركك صديقي لترتاح... وأخبرني رجاء خطوة بخطوة.

تأمّلهما سهيل ينصرفان كما حضرا، وأخذ يتساءل من هوّيتهما حين انطمست معرفته. تنبّه إلى أنّه لا يعرفهما ولا يعرفانه. إنهما نائبان عن عزوز والجندوبي، وكيلان محلّفان، عريفان، سمساران حتى، اجتمعا رغم فارق الزمان والمكان. اختفيا خلف جدار بناية وعاد سهيل إلى البيت متثاقلاُ يحملهما على عاتقه.

ويحمل كتبًا ثقيلة كذلك. كأنّه عونٌ من أعوان معرض دوليّ للكتاب انتهت دورته، ولم يرث منه الأعوان إلا عناء إعادة تعبئة الكتب في علب الكرتون من جديد وحملها إلى الشحن من بعيد. إلى حيث لا يقتنيها أحد ولا يعبأ بها رغم أفواج الزائرين.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي