فاطنة

متابعات الأمة برس
2021-05-06 | منذ 1 شهر

 

في الطائرات أنام، أحرص على وجود أقراص المنوم معي، ساعة من إقلاع الطائرة بالضبط، وأطلب قليلا من مشروب، أخلطه مع قرص الزانكس وأنام.

مرة واحدة ضاع مني القرص، ولسوء الحظ دخلت الطائرة في مطبات هوائية، كان بجواري سائح إنكليزي، وبالجوار الآخر راكبة كورية، أبرد خلق الله أعصابا.

صحبة ثقيلة تحملتها لمدة عشر ساعات كاملة، أنا الذي أتجنب التعامل مع المصريين في الخارج ما لم تكن بيننا خلفية ثقافية، أو اجتماعية مشتركة؛ الآن أكفّر عن ذنبي هذا، وأبحث عن مصري أجلس بجانبه؛ أريد مصريا بجواري يصرخ كلما هبطت الطائرة للأسفل، أو تأرجحت للأعلى «سترك يا رب»؛ «جيب العواقب سليمة» ويثرثر في أي شيء قتلا لخوفنا المشترك.

لكن ما حيلتي؟ تخلت المضيفة عن اللياقة، وطلبت مني ألا أقوم؛ وأن أظل رابطا للحزام حتى إشعار آخر. من المستحيل إفهامها إنني أريد أحد بلدياتي لتبديد خوفي. فتحت الشاشة الصغيرة أمامي، واخترت فيلما عربيا قديما ليوسف وهبي، وليلى مراد. «ليلى بنت المدارس».

يا الله؛ يا رب المعجزات.

أنا الآن أطير محشورا في أنبوب هائج في السماء، وتحتي بلاد غريبة، وأشاهد فيلما قديما، والطائرة على وشك السقوط؛ وذهني مشغول بأين ستسقط الطائرة؟ وعلى رأس من سنقع؟ وهل مقدر لي الموت هنا؟ غريبة هذة الدنيا؛ أنا الذي ولدت في قرية تنام في حضن الدلتا المصرية، أموت هنا في الصحراء المنغولية، كما تشير خريطة الطائرة أمامي. وما تدري نفس بأي أرض تموت. كنت أود الموت في قريتي، فللموت حرمته وقداسته وفخامته في الريف، للموت طقوس مسرحية في الريف، بعضها اختفى وبعضها لا يزال موجودا. طقوس الموت فقيرة وباردة في المدن. كنت في أحد المساجد العتيقة في القاهرة، وكانت الجنازات تأتي يتقدمها ويتأخرها بضع نفر، وسيارة تنتظر النعش والمشيعين في الخارج، هذا كل شيء. لكن الطائرة لم تسقط. نجونا والحمد لله. ما أثار انتباهي بعدها أني في عمق هذا المشهد المعلق فوق السحاب لم تفارقني ذكرى بعيدة جدا لا أعرف كيف طفت فجأة؛ وكأن العقل في لحظة ملامسة الأبد ينتقي صفوة التذكر.

تَذكرتني طفلا في قاعة بيتنا القديم جالسا ذات ضحى شتوي ماطر بين أبي وجدتي «فاطنة» وقد دثرتني بشالها القطيفة، في ما تمسح على رأسي متمتمة بما فتح الله عليها من أدعية، تنصت برهة لمذيع بي بي سي عبر أثير الراديو، الذي يعمل بالحجارة في الأيام الماطرة، التي كانت تنقطع فيها الكهرباء بالأيام عن قريتنا وهو يتلو خبرا عن كوريا الجنوبية وتسأل أبي؛ محمد؛ أين كوريا هذه؟ فيجيبها بعيدة جدا، أبعد مما تتخيلين.. ماذا يعدون؟ بوذيون؛ ويعجزعن إيصال المعنى لها.

أضع رأسي المثقل على شباك الطائرة المحلقة بنا من كوريا، وأبتسم، ليسوا بوذيين يا أبي، غالبيتهم ليسوا دينيين. وأبي يأتي ليودعني قبل كل سفر، يذكرني بطقس السفر في القرى المصرية في الثمانينيات. السفر بالنسبة للمصريين حادث جلل. شيء مبهم وغامض. لسنا مثل اللبنانيون؛ من البحر جئنا، وإلى البحر نعود. يتعامل المصري مع السفر على أنه رحيل نهائي، يتناص مع الموت، سرديات الغربة لدينا قاسية. مدافن المصري القديم في البر الغربي، حيث تسافر الشمس لتنام في السماء. مفردة السفر حاضرة وبقوة كفعل موجع. تكثر في مواويلنا الشعبية مفردات الهجرة، والبعد والاغتراب، مع أننا أقل خلق الله حبا للهجرة والمغامرة. نلبد بجوار بعضنا بعضا في قرى ومدن ظاهرة تسلم بعضها بعضا، على مساحة تقل عن خمسة في المئة من خريطة بلادنا. حتى الصحراء ملاذنا الأخير عجزنا عن غزوها، إلا بمحاولات حذرة، وصرنا نفتت رقعتنا الزراعية المفتتة أصلا، ونبني مكانها عشوائيات. القرية المصرية الآن من المستحيل تصنيفها كقرية أو مدينة، إنها بناء هلامي عشوائي خال من أي حس جمالي، إنها حالة من انتقام جمعي، لدشت بشري يعاقب بعضه بعضا.

في عام ستة وثمانين سافر جداي للحج، صغيرا أنا كنت دون المدرسة، لكن ما أزال أتذكر يوم عودتهم، طُليت أفنية البيت وواجهته بالجير، كعادة البيوت في ذلك التوقيت.

على واجهة الدار الأمامية رسمت الكعبة، والطائرة ورسومات شعائرية آخرى، جداريات فطرية اختفت الآن من واجهات البيوت الريفية، وصار الحج نفسه رحلة سياحية. أتذكر تلك الليلة البعيدة عني الآن كسراب، أضُيئت كهرباء البيت، وأتت النسوة تباركن للجدة إيابها سالمة من الحجاز، افترشت وسط الدار بجلبابها الأبيض، وتحلقن حولها لتحكي لهم عن الكعبة، وشباك النبي، وجبال الحجاز العالية، والطائرة، وما أدراك ما الطائرة؟ حكت لي أمي ضاحكة بعدها بسنوات أن النسوة المباركات دعون لأنفسهن ليلتها أن يمن الله عليهن، وأن يركبن الطائرة، كما ركبتها الحاجة «فاطنة». وفاطنة كانت مهيبة وقوية. كل نساء الحضارات الزراعية القديمة التي شكلتها أحواض الأنهار كن كذلك. للميثولوجيا الدينية الأنثوية حضور طاغ في هذه الحضارات، التي لم تستطع الخلاص من الأنثى المقدسة، رمز الخصوبة والعطاء والنماء. فصارت تبدلها في عملية إحالة دائمة لتتحول أيزيس وعشتار إلى أم هاشم سيدة العجائز، والسيدة نفيسة والعدرا أم النور. ذاكرة جمعية عابرة زمنيا تأبى التفتت والتخثر.

و«فاطنة» لم يكن لديها هلاوس بدو الصحراء الدينية عن المرأة والحياة عموما. يأتي إليها رجال على الحمير والبغال من عزبة في جوارنا فتتوشح طرحتها السمراء وتفرش لهم أمام الدار، وتجلس لمحاسبتهم على تجارة وقطعة أرض لها هناك.

لديها إيمان راسخ بأن الله في جانبها دائما، في يقين لا يتزحزح، ولأن الله في جانبها دائما، إذن سينتقم لها ممن يغضبها. للموتى حضور طاغ ثقيل، تذهب إليهم في الأعياد والمناسبات ولم تفلح معها أي مواعظ في النهي عن ذلك، وكأن أكثر من أربعة ألاف عام ليست كافية لتبديل الجين الفرعوني في تقديس الموت والموتي.

للمواسم أيضا حضور قوي؛ النصف من شعبان، وأول رجب، ورمضان، ومولد النبي، وشوال. لا تعرف من الشهور العربية غيرها، لكن تحفظ الشهور القبطية بترتيبها كيهك وطوبة وبؤنة، وتعرف تقلبات الفصول والأرض فيها كابنة حضارة زراعية.

ولميتافيزيقا الشر حضور أيضا، حيث الشيطان الرجيم طريد الرحمة، «ست» الشرير الذي ما زال يلاحق البشر بعفاريته، التي تتشكل في هيئات مختلفة عبر المساقي والترع والقنوات. الأساطير المائية المتشابهة على ضفاف أحواض الأنهار في العالم كله. مع اقترابها من الثمانينيات تضعضع الجسد، في ما بقيت الروح قوية وقادرة، وذات صبيحة شتوية ماطرة وباردة ولجت إلى الأبدية المرتبة في يقينها كرحلة هادئة، عبرت في أمان كطفلة كبيرة لا تخشى من التيه في البر الغربي، بينما تركتني وحيدا أبحث في نساء العالمين عن «فاطنة» مفقودة ولا أجدها.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي