فيلم «الهدية»… ونتفليكس والأوسكار

2021-04-29 | منذ 3 شهر

سليم البيك*


يحتمل فيلم «الهدية» لفرح نابلسي أكثر من حديث سينمائي. يحتمل حديثاً يتخطى الفيلمَ من دقيقته الأولى إلى الأخيرة. لهذا الحديث بعدان يُختصَران بكلمة هي «الوصول». ولأن الحديث، هنا، يكون في ما هو خارج الفيلم، فليس الوصول المقصود به، هنا، هو حبكة الفيلم القصير السريعة، في وصول شخصيتَيه الرئيسيتَين، في نهايته، إلى غايتهما، وإن بعقبات كان أقساها المرور عبر الحاجز الإسرائيلي مرتَين، ذهاباً وإياباً.
لكن، الوصول هنا يكون في ما هو خارج الفيلم، هو كذلك عمل شاق، هو كذلك، بالوصول إلى غايته، حدثٌ يُحتفى به. الأول هو الوصول إلى الجائزة «ترشيحا» والثاني هو الوصول إلى المُشاهد، وبينهما علاقة. الأول هو تلقي التقدير العالمي (بالترشح للجائزة) والثاني هو تلقي التقدير الفلسطيني (بالمشاهدة).
قبل ذلك، لا بد من المرور سريعاً على الفيلم. هو لم يأتِ بجديد في عموم الحكايات الفلسطينية التي نشاهدها، هي سياقات متكررة تصل مرات حد الملل والامتلاء بالكليشيهات والخطابات، كأنها تركيبة ثابتة، تُنسَخ/تُلصَق، يلجأ إليها مخرجون فلسطينيون لضمان استقبال جماهيري وقبول مهرجاناتي، نوعا ما . في تجربة فرح نابلسي مع هذه التركيبة ذاتها، عناصر أدت إلى أن ينال الفيلم هذا الاستقبال وذلك القبول.
الفيلم قصير، ثلث ساعة، ما يجعله مكثفا بالضرورة، ويُسقِط من السياقات الفلسطينية المكرورة كل الزوائد التي نشهدها في أفلامٍ بأربعة أو ستة أضعاف مدة هذا الفيلم. «الهدية» كذلك، مصنوع بحرفية يعز حضورها في الأفلام الفلسطينية، أحكي عن فنية العمل لا تقنيته، عن الإحساس لا الفعل، الألوان الديكورات زوايا التصوير حركات الكاميرا وغيرها، إضافة إلى الحوارات المختصَرة بتركيز على الصورة المصنوعة بشكل جيد، وهذا أساسي، لا رمال متحركة هنا تلتهم الفيلم بشعارات وطنية مفتعَلة، بل ضعف وهشاشة إنسانيين. قصر مدة الفيلم مرفَقاً بصناعة جيدة، أعطيا فرصة للتركيز على البعد الإنساني فيه، متخطياً الحالة الفلسطينية إلى حالة إنسانية عامة، حضور الطفلة كان العنصر الأساسي في ذلك، الظروف التي عاشتها خلال الدقائق العشرين من الفيلم. هذا كله ضَمنَ للفيلم الوصول الذي ناله اليوم، وهو التنافس على جائزة الأوسكار للفيلم القصير «لم ينلها» وكل هذا لا يجعله رائعاً، لكنه جميل ووصولُه يُسعِد.

المخرجة فرح نابلسي
نال الفيلم جوائز أهمها البافتا لأفضل فيلم بريطاني قصير، جائزة أفضل روائي قصير في مهرجان بروكلين السينمائي، جائزة الجمهور في مهرجان كليرمون – فيران للأفلام القصيرة. لن أطرح سؤالاً حول استحقاق الفيلم لكل ذلك، خاصة الترشح للأوسكار. فهذا سؤال لا يفلت منه أي فيلم لأي جائزة، ولا تهمني، هنا، الإجابة عنه في أفلامٍ منافسة له على الجائزة. بالتالي، القول إن الفيلم لا يستحق كل تلك الجوائز، جائزٌ، إنما كذلك جائزٌ على كل ما ينال أوسكار أفضل فيلم والسعفة الذهبية والدب الذهبي والأسد الذهبي وغيرها. ليس هذا نقاشي هنان بل، لنقاشي جانبان: الفيلم بالمقارنة مع أفلام فلسطينية أخرى، يستحق قبل معظمها الوصول إلى جوائزه. والفيلم – وهذا الأهم – ينقل حكاية فلسطينية إلى مشاهدين من العالم، وهذا أحد الوصولَين المذكورَين، الوصول إلى هذا المهرجان وذاك الحفل، يعني كذلك وصولاً لحكاية فلسطينية، لا إلى المهرجان والحفل وحسب، بل إلى ما يمكن أن يحمله إليه المهرجانُ والحفل، أي إلى إيصال حكايتنا الفلسطينية، انتشارها، أو جزء بسيط منها، إلى مشاهدين أكثر وأكثر من العالم. وهذه نقطة أساسية يكون ذلك بصناعة فنية لافتة (فلسطينياً).
الوصول الآخر الذي ناله الفيلم – وهو لا يقل أهمية، ومتربط بالأول- هو بثه على شبكة نتفليكس (في كل العالم تقريباً) ما جعل الفيلم، بوصوله إلى هذا الحفل وذاك المهرجان، يصل إلى جمهوره العالمي في البيوت، بالتزامن. وذلك يتضمن – وهذا هو الوصول الثاني الضروري – الجمهورَ الفلسطيني. فها هو – أخيراً- فيلم فلسطيني يسمع عنه الفلسطينيون في العالم كله، ينال صيتاً جيداً في العالم، يمكنهم، على شاشاتهم، مشاهدته. وهذا ما لم يكن متاحاً لغيره من قبله. فنال أهل الفيلم، وجمهورهم المحلي المشتت في كل العالم، إمكانية المشاهدة الآنية.
لم ينّل الفيلمُ الأوسكار.لابأس، ترشيحه زاد من وصول الفيلم إلى الناس، بالتالي الحكاية الفلسطينية إليهم، والبعد الإنساني فيها يزيد من حظوظها لتماهي المُشاهد معها، دون أن يضطر للمرور بحاجز واحد في حياته، ودون أن يضطر لأن يكون أباً قد يعجز عن حماية ابنته، ودون أن يكون مشوار شراء هدية للزوجة بهذا الشقاء.
كنت قد كتبت عن الفيلم هنا («القدس العربي» 11/يونيو/حزيران 2020). كان حديثاً عن الفيلم وليس عما هو خارجه، عن «عادية الشر» التي يعيشها الفلسطيني في يومياته. لكن، يستحق الفيلم اليوم تناولاً للحالة التي أحدثها، وهي غير مسبوقة فلسطينياً بفعل تزامن بث نتفليكس وترشيح الأوسكار وجائزة البافتا. ولا يحتاج لأن يكون فيلماً رائعاً أو عظيماً لينال تلك الحالة، بل تقاطع العناصر المذكورة في هذه المقالة، في ما هو داخل الفيلم، وخارجه، تكفيه. وفنية العمل تكفيها لتنقل هشاشة فلسطينية تمس إنسانية أي مشاهد يمكن لإنسانيته هذه، بحدودها الأدنى، أن تُمس.

*كاتب فلسطيني



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي