السينمائيون العرب لا يحبون النقد

2021-04-18 | منذ 3 شهر

النقد السينمائي مختلف عن المتابعة العاديةمحمد ماموني العلوي*


يحتاج الناقد السينمائي إلى معرفة معمقة بالإطار التاريخي للعمل ونصه وبيئته وكذلك إلى فهم عميق للأسس النظرية والثقافية لما تعنيه قراءة العمل السينمائي وتأويل نوعه، بالإضافة إلى التعمق في كلّ من الثقافة الشعبية والنظرية النقدية وكل ما يتعلق بالفن السابع من فنون أخرى وهو بذلك يختلف عن المراجعات الصحافية.

لا يمكن التغاضي عن دور الرسائل الثقافية وحتى الأيديولوجية التي تمررها الصورة والنص السينمائيان، وهي ما يجب على الناقد السينمائي تلقفها وفهمهما ورصدها من خلال التأويل المنطقي والمقاربة الفنية والفكرية والثقافية، مع الاهتمام بجماليات الزمان والمكان في نقد السرد السينمائي.

باختصار، تشير مجموعة الآراء المعبر عنها في هذه المقالة إلى أن النقد السينمائي موضوع متطور وقابل للنقاش، وهو موضوع يستدعي دراسة متعمقة تتجاوز تعريفات القاموس وأي تصورات وأحكام مسبقة إلى جانب التحريفات وردود الفعل السريعة اتجاه القيمة الفنية والثقافية للأفلام السينمائية.

مهمة النقد السينمائي
الفرق واضح بين النقد السينمائي ومراجعات الأفلام، فهذه الأخيرة موجهة إلى عامة الناس من قبل الصحافيين عادة أو غيرهم من غير الأكاديميين، وتظهر في الصحف والمجلات أو عبر الإنترنت في وقت طرح الفيلم في دور العرض، فالغرض منها هو وصف الحبكة والشخصيات والمخرج وما إلى ذلك للمساعدة في تحديد ما إذا كانت تجب مشاهدة الفيلم أم لا.

أما النقد السينمائي فهو دراسة الفيلم وتفسيره وتقييمه في ما يتعلق بقضايا مثل السياق التاريخي أو النظري أو التحليل الفني، ويقوم بمهمة النقد السينمائي الأكاديميون وينشر في كتب أو مجلات علمية، ويعالج النقد أحيانا مجالا معينا أو يركز على عمل مخرج أو نوع خاص من السينما وغيره من محدداته النظرية التي ينتهجها الناقد، وقد يتم نشر المراجعات النقدية بعد عدة سنوات من طرح الفيلم، وكخلاصة فالناقد يحاول أن يفهم سبب نجاح الفيلم وتأثيراته على الناس؛ بينما ينظر مراجع الفيلم إلى قيم إنتاج الفيلم والمتعة العامة.

والنقد السينمائي في رأي الناقد خليل الدامون، له ثلاث وظائف أساسية: الإخبار، التقييم، الترويج. ويعتبر أن الإخبار والترويج دائما مرتبطان بالصحافة، لأن الصحافة كان لها ارتباط بالأفلام منذ بدايات السينما، وكان دورها هو الإخبار والترويج في اليوميات والأسبوعيات، وفي الإذاعة والتلفزيون، ولكن التقييم يكون نقدا متخصصا ومرتبطا بالمجلات الشهرية (دفاتر السينما مثلا)، ولكن إلى حد اليوم هناك مشكلات موجودة في المغرب وأوروبا حيث لا يقع التفريق كثيرا بين الصحافي والناقد.

فيما يقول الناقد السينمائي محمد بنعزيز إن مهمة النقد السينمائي في مقالة أو مداخلة من عشرين دقيقة هي تحليل فيلم على أمل استيفاء الموضوع حقه، ولتحقيق ذلك لا بد من التركيز على ما تعرضه الشاشة، كما يعتقد أن الفيلم ليس قضية فلسفية مجردة، بل هو متن بصري ملموس أولا ويمكن تأويله فلسفيا لكن دون القفز على ماهيته الفنية حيث يظهر أن الفيلم هو ملتقى فنون عديدة وهذا ما يجعل نقدها جميعا أكثر تعقيدا.


فإذا كان الفيلم مركبا من عناصر متباينة تدمج في عمل فني واحد يضاعف تأثيرها، فإن مهمة الناقد أن يقرأ ويحلل ويفكك الصورة والخطاب، وهو فعل يجمع ما هو مبعثر وغير مركب، دون أن يكون الطابع الإخباري أو الترويجي للفيلم معيقا لمهمة الناقد السينمائي البعيد عن المحاباة أو الموالاة الشخصية.

وهناك من النقاد من يميل إلى وصف أعمالهم النقدية بأنها قريبة من سياسة النوع الاجتماعي، فهم يكتبون في المقام الأول عن أفلام الرعب والاستغلال على أنها مسألة ذوق شخصي، معتقدين أنها المكان الذي يتم فيه جعل الاختلالات بين الاختلاف بين الجنسين والسلطة أكثر تطرفا وتجاوزا وتخريبا بطرق مفاجئة أحيانا وغير متوقعة.

وتقدم التجارب النظرية والعملية نوعا من الفهم الجديد للنقد السينمائي الذي يستخلص بدوره نتائج جديدة غالبا ما تكون مستمدة من عوالم علم الأعصاب والفلسفة وعلم الاجتماع وعلوم الكمبيوتر والدراسات الثقافية وغيرها، ولهذا فالنقد كما يؤكد بنعزيز، هو محاكمة المعرفة الجمالية والشعورية بمقياس المعرفة المنطقية العقلية، ولهذا يفترض أن يعرف الناقد الروائي كيف تكتب الرواية، وأن يعرف الناقد السينمائي كيف تصنع الأفلام.

عادات ومعايير نقاد الأفلام مرتبطة بالتغييرات المهمة التي تحدث من خلال تفاعل الأفراد والمؤسسات مع التقنيات والتحولات المجتمعية والثقافية، فالناقد السينمائي اليوم في وضع حرج، حسب الناقد المغربي محمد أشويكة، لأن الفن أصبح معقدا، والفن لم يعد خاضعا لتلك التصورات الصناعية المضبوطة، بل أصبح بالفعل موَجها، وما بقي اليوم للناقد السينمائي هو ذاته وقدرته على العودة إلى ذاته لكي يتفاعل مع ما يشاهده.

ويوضح أشويكة أن الناقد يجب عليه أن ينهل من المعجم السينمائي الذي يحيل على النظريات والتيارات والمدارس السينمائية ويسعى إلى “تبيئتها” بشكل يتوافق والمجال الدلالي الذي ينتج فيه خطابه بغية تسهيل استيعابه من طرف المتلقي الذي يتعامل معه.

مسؤولية الناقد
الإلمام بتقنيات السرد الفيلمي وجماليات الإضاءة وحركات الكاميرا لا يلغي الاعتناء بالأداء والرسالة والخطاب، فالنقد السينمائي من هذا الجانب يساهم في إدراك مستوى وقيمة الأعمال السينمائية بتفسير الآليات التعبيرية التي تقوم عليها تلك الأعمال.

اختيار الناقد عددا من الآليات والأساليب متعددة الأوجه لدعم مقاربته الفنية للمواضيع، يوازي في قوته ضرورة وجود قاموس بصري معاصر، ومعجم يدعم الوحدة الداخلية للمقاربة الكتابية بلغة حديثة لا أثر فيها لرائحة الفقه ومعجم الشعر القديم واستعاراته وتعابيره المسكوكة؛ من قبيل “لا مشاحة أن بطل الفيلم كان يمارس الرذيلة”، حسب الناقد بنعزيز، الذي يقول إن هذا تعبير ملائم حين يصدر عن فقيه لا عن ناقد.

وتتمثل مسؤولية الناقد السينمائي، حسب بنعزيز، في التقييم والتفسير للأعمال التلفزيونية والسينمائية، والممارسة السينمائية تقتضي جمع التفكير والكتابة عن السينما، ولفعل ذلك يتوجب على نقاد السينما امتلاك ترسانة عميقة ومتنوعة من المعرفة بتاريخ السينما والعوامل المؤثرة في تطورها والمهارات.

ومن خلال ما سبق، فالناقد السينمائي مطالب بتطوير وتعميق الجهاز المفاهيمي لفهم اللغة السينمائية اعتمادا على الأفكار والافتراضات الواقعية، كما أن النقاد منوط بهم طرح الإشكاليات وتحليلها بشكل منهجي بدلا من الحدس أو الغريزة.

فإذا كان التفكير في السينما من داخلها، وعبر آليات السينما التي تبني خطابها استنادا على الصورة، وتطمح لأن يكون الخيال حاسما في عمليات التأمل والتبرير والتركيب، فالحاصل أن النقد في عمقه تفكير يعتمد على تأزيم الموضوعات والقضايا التي يناقشها، مستندا على الفحص والاختبار كفعل وممارسة، كما يرى أشويكة، في حين اعتبر الناقد رشيد نعيم أنه إذا كان النقد يتشكل من ثلاث مراحل: التحليل والتقييم والإيصال، فإنه يجب أن نأخذ في الاعتبار تغيرات الذوق التي تؤثر كذلك من جيل إلى جيل.

أدوار ومعايير مختلفة
إذا كان الناقد السينمائي جوناثان روزنباوم يعتقد بأن الدور المثالي للناقد هو التوسط وتسهيل مناقشتنا العامة للسينما، فإن التفكير النقدي ضروري لتطور السينما، كما يرى بنعزيز، مستدركا أن الفعل النقدي مرفوض في بيئة ثقافية تقوم على الولاء والعلاقات الشخصية حيث كل فعل نقدي صريح لا يُرحب به إذ كل الناقد هو المُعارض، وللتلاؤم مع هذا الإيقاع يكتب بعض النقاد المغاربة عن الأفلام الأجنبية فقط، وهم بذلك يتجنبون الكتابة عن “أفلامنا” حفاظا على العلاقات الودية.

ترتبط معايير النقد السينمائي مع الأهمية التي يحتلها الفيلم السينمائي داخل السياقات والوضعية الاجتماعية والثقافية وأهميتها التاريخية، حيث يعتبر الناقد المغربي محمد البوعيادي أن النقد السينمائي والتحليل الفيلمي يتشكلان من مسألة التعدد، وأن هناك أكثر من خطاب نقدي وأكثر من مرجعية محددة لهذا الخطاب.

ويضيف “هذه الخطابات الآن المتشكلة في المشهد النقدي المغربي أسردها على الشكل التالي: هناك النقد الصحافي والنقد التاريخي والنقد التأويلي. هذا التعدد يعكس واقع التعدد الذي تعرفه الممارسة الإبداعية المغربية، على اعتبار أن لدينا مجموعة من الأساليب الإبداعية على مستوى إنتاج الأفلام، ولدينا مجموعة من الإيجابيات ومجموعة من وجهات النظر التي ينفرد بها كل مُخْرج يختلف عن الآخر”.

ويساعد الناقد السينمائي الجيد في شرح خيارات التصوير السينمائي أو الخيارات الموسيقية أو خيارات الإضاءة، وهذا يدفع الكثير من النقاد الكبار إلى تلافي الوقوع في خطأ التعامل مع الفن كمنتج وإقناع الناس بالشراء، والتعدد على مستوى الإبداع أو على مستوى النقد هو استجابة للمتلقي بصيغة الجمع، ويعتقد الناقد البوعيادي أن المتلقي ليس فردا، يعني هناك أكثر من متلق، ومسألة التعدد سواء كان نقديا أو فنيا تستجيب لتطلعات وانتظارات كل متلق على حدة.

إذن الناقد السينمائي بالتعريف هو الشخص الذي يراجع الأفلام لكن هذا ليس كل ما يجب عليه فعله، وفقا للناقدة السينمائية الهندية أنوباما تشوبرا، إذ يجب عليه في رأيها تقييم وتحليل المشهد التمثيلي والخوض في سياقات مختلفة لتعميق المحادثة حول الفيلم، لأن وظيفة الناقد هي السماح لقرائه باتخاذ القرار بأن يمتنع عن إصدار أحكام وأن يجادل ويدافع عن مزايا وعيوب الفيلم بناء على إعجابه به، فوفقا لتشوبرا غالبا ما يبتعد منح تقييمات النجوم عن التقييمات الدقيقة في نقد الفيلم.

إن فهم التفاعل بين نقد الفيلم وثقافة الفيلم مهمة أساسية في المعالجة وفي الرؤية خصوصا مع تعدد القراءة النقدية للأفلام السينمائية، وفي هذا الصدد يبيّن البوعيادي أنه يدين بالولاء للمقاربة التأويلية، وأنه يتخذها قاعدة لاقتحام العوالم الدلالية والجمالية للمنجز السينمائي المغربي، ولهذا فإننا في حاجة إلى أن يتعزز النقد بالكتابة التأويلية، وطرح سؤال هل النقد التأويلي يمكن إسقاطه على جميع أنواع الإبداع؟ معتبرا أنه لا يمكن تناول جميع الصور السينمائية في الكتابة التأويلية.

ويرتبط النقد أساسا بالصورة الكثيفة، والتي وبالرغم مما فيها من تعقيد فإنها تتيح إمكانية المحاورة وتضمر استعارات ورموزا وخطابا ضمنيا، وهذا النوع من النقد هو في إطار فسيفساء المشهد المغربي المتعدد يمكن أن يُعْنى بما يمكن تسميته ما بعد التحليل الفيلمي باستحضار بنية الفيلم الداخلية أو الشروط التاريخية والثقافية المرتبطة بصيرورة الفعل الإبداعي.

ويتفاعل تاريخ ونظرية النقد السينمائي مع التركيز على التعايش بين الأساليب المختلفة لتحليل وتقييم وتقدير الفيلم السينمائي، ما يعطي للنقد في جانبه العملي الفرصة لتسليط الضوء على أجزاء مبهمة في الفيلم التي يتم عرضها وتشجيع التفكير بشكل نقدي.

ويعدد الناقد البوعيادي، وظائف الصورة السينمائية التي حصرها في خمس هي الوظيفة التواصلية والوظيفة الأيديولوجية والوظيفة الترفيهية والوظيفة التربوية والوظيفة التجارية، فالوظيفة التواصلية تظهر من خلال التلاقح الثقافي ورفع الوعي وتحديث المجتمع، والوظيفة الأيديولوجية تظهر من خلال ترويج الأفكار المنمطة ومنطق الاستفزاز، والوظيفة الترفيهية تظهر من خلال المتعة واللذة والتطهير، والوظيفة التربوية تظهر من خلال تصحيح الصورة ومنطق الإرباك.


*صحافي مغربي



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي