الأديب الكولومبي اللبناني لويس فياض: استعدت حكايات الأجداد في رواية سقوط النقاط الأساسية

حاوره: عبد الخالق النجمي والبتول عمور
2021-04-03 | منذ 1 شهر

يعتبر لويس فياض من أشهر الروائيين في أمريكا الجنوبية، وصاحب البصمة الواضحة في الأدب الأمريكي، منذ منتصف القرن الماضي. وُلد فياض اللبناني الأصل في مدينة «بوغوتا» عام 1945. درس علم الاجتماع في الجامعة الوطنية في كولومبيا، كما عمل كاتبا للسيناريو في الإذاعة والتلفزيون. بدأ مسيرته العملية صحافيا، ما خوَّل له الانتقال بين العديد من المدن الأوروبية كباريس وبرشلونة وستوكهولم وبرلين حيث يقيم حاليا.

نشر فياض في برلين العديد من رواياته، منها.. «أقارب إستر» «سقوط النقاط الأساسية» (2000)، «وصية رجل أعمال»(2004)، «عائدات» (2014). إضافة إلى مجموعات قصصية، منها «رسالة المستقبل» (1968)، «عودة الأصداء» (1993)، و»مرآة بعد حين» (1995)، وسلسلة قصص قصيرة: «أصوات النار» (1968)، «رائحة المطر» (1974) و»درس في الحياة» (1984) فكان معه هذا الحوار..

□ الوضع الآني في لبنان بات مطابقا تماما لما تعرّض له أسلافك من الذين قرّروا الهجرة لأمريكا اللاتينية. كيف تفسّر ذلك؟

■ منذ سنوات عديدة ولبنان لا ينعم بالاستقرار، وذلك قبل الحرب الأهلية التي جرت أحداثها بين سنة 1975 و1990، ولعل ذلك يعود إلى الفساد السياسي، وسوء التدبير اللّذين لم يتركا للبلد أفقا للتقدم، ولا مجالا للعدالة الاجتماعية، فمشاكل البلد لم تنته، بل كانت تزداد سوءا على سوء، ويشهد لبنان هذا العام تقهقرا ملحوظا على الصعيد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وأرى أن العدو الحقيقي للبلد يكمن في تلاشي وحدته.

□ في سنة 2010 ألقيت محاضرة مهمة في معهد سيرفانتيس في بيروت، ماذا كان شعورك حين عودتك إلى أرض أجدادك؟

■ لقد ذهبت إلى هناك باعتباري ممثلا لكولومبيا في المعرض الإيبرو-أمريكي الأوّل للكتّاب، الذي نُظّم في بيروت، والذي ساهمت فيه مؤسسات وسفارات بعض دول أمريكا اللاتينية وإسبانيا ومعهد سيرفانتيس وجامعة القديس يوسف، التي ألقيت فيها محاضرة، كما أنّني لم أكن موجودا في لبنان بعيني السائح ولا بنظرة الكاتب، وإنّما وجدت بكياني من خلال عواطفي، لأنّ لبنان بلد أحمله في قلبي دائما.

□ ماهي رؤيتك للنّزاع العربي – الإسرائيلي؟

■ أن تُقام دولتان وأن يعيشا بسلام، دون أن تضمّ الدولة الجديدة لإسرائيل تلك الأراضي التي احتلتها، بعد أن تمّ تحديد حدودها الفاصلة، بينها وبين فلسطين، وأن تكونا دولتين مستقلتين الواحدة عن الأخرى في تسيير مؤسّساتهما وتنظيمهما الاجتماعي.

□ هل فعلا كانت رحلة أجدادك على متن الباخرة من بيروت إلى كولومبيا بالضبط مثلما وصفتها في روايتك «سقوط النقاط الأساسية»؟

■ إنّ مصدر ما سردته عن حياتي في لبنان وعن رحلتي على متن الباخرة هو بحث وثائقي، أو بالأحرى تحريات شفهية حول حياة اللبنانيين وأسلافهم في كولومبيا، أمّا في أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية فكان الأمر مختلفا، لأنّني كنت أكثر اطلاعا على تاريخ القارة وتكوينها وتطوّرها، ناهيك من تجاربي الخاصة، التي لم أستخدمها كمادة في كتابتي للسيرة الذاتية.

□ كيف تولّدت لديك فكرة كتابة هذه الرواية؟

■ بعد نشر روايتي الأولى «أٌقارب إستر» التي وظفت فيها عددا قليلا من الشخصيات اللبنانية، سألوني في ما إذا كنت سأكتب رواية حول الهجرة اللبنانية لبلدي، فأجبتهم حينها بأنّ هناك كاتبا من أصول غير لبنانية هو من كان سيتكلّف بهذا الموضوع، ذلك أنّ إحاطته بالتاريخ وتعامله مع اللبنانيين وأحفادهم، كانت ستكون مكثّفة على الأغلب، لكن في أحد الأيام انتبهت إلى أنّني أعرف بعضا من الأحداث والتفاصيل والقصص النادرة عن تاريخ لبنان ومجريات الرحلة عبر البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، وذاك اللقاء الذي يجمع المجتمعين، وهذا الأمر لا نجده بطبيعة الحال في الكتب، ولا في الوثائق، كما أنّني أعرف حق المعرفة تلك المعاملة الخاصة القائمة بين الأشخاص، إضافة إلى درايتي بجانب آخر حميمي أكثر، فمنذ طفولتي كنت أسمع المسنّين المنحدرين من لبنان يتحدثون عن البلد وعاداته ومدنه ودكاكينه ومناظره، إذ كنت أستمتع بما كانت ترويه لنا إحدى خالاتي عن ذكرياتها، وهذا ما مكّنني من الحصول على معلومات حول الرحلة على متن الباخرة، وعلى كيفية إعداد الوجبات في قمرة الباخرة، باستعمال مكوّنات الطبخ التي حمّلنها من لبنان، وتبادلنها مع طباخي الباخرة، وكذا لعبة الورق ولعبة الطاولة بين الرجال خلال الرحلة (لعبة الطاولة التي تعلمتها، وأكثر ما لعبت في صباي)، إضافة إلى اطّلاعي على علاقاتهم بالمسافرين الآخرين وبربّان السفينة، فقد كان بعض الرجال يتحدثون الإنكليزية والفرنسية قبل تعلّم الإسبانية، ومن خلال أقربائي المسنّين تمكّنت من التعرّف على تجوّلاتهم وألبستهم. لقد استقر اللبنانيون في كل من أمريكا الشمالية وأمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية، والبعض منهم أقام في كولومبيا، وفي المدن والقرى الساحلية، في ما سافر آخرون إلى وسط البلد، وبالاستناد إلى بحثي حول تلك الحقبة، أعدت بناء أحداث روايتي حول الرحلة عبر نهر ماكدلينا.

□ هل كان سهلا اندماج أجدادك في كولومبيا مثلما تصفه في روايتك؟

■ لقد اندمج اللبنانيون في أمريكا الجنوبية بسهولة، إذ تُعرف الجالية اللبنانية بروحها الاندماجية الكبيرة، ويتميّز السكان المحليون في قارتنا، أو على الأقل في جنوب الولايات المتحدة الأمريكية بتقبلهم وترحيبهم بالأجانب.

□ كيف كانت فترة الطفولة في بوغوتا بالنسبة لك ولأطفال أمريكا الجنوبية ذوي الأصول العربية؟

■ كانت مماثلة لجميع الأطفال ذوي الأصول المختلفة، فكل من يُولد في إحدى بلدان قارتنا سينتمي حتما إليها، ويتمتّع باكتساب جنسيتها، لكن الظروف الاجتماعية هي ما تفرّق بين العائلات والتي يحددّها العامل الاقتصادي، الذي بات متفاوتا بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة.

□ وهل أسهمت الهجرة العربية في تطوّر الدول المستقبلة؟

■ أثناء الهجرة العربية، كانت أمريكا الجنوبية بالكاد قد بدأت تتطوّر، إذ جلب المهاجرون العرب الكثير من المال معهم، وقاموا بعقد صفقات مع فرنسا وبريطانيا العظمى، وبعد وصولهم تلقّوا بضائعهم المحمّلة، خاصة أنواع النسيج المختلفة ذات النوعية الجيدة، وجدّدوا وطوّروا من تجارتهم حتّى أنّهم أشرفوا على تأسيس مختلف المؤسسات الصناعية، وقاموا بإنشاء شراكات مع السكّان المستقبلين في مختلف البلدان، ومنذ ذلك الحين أبدوا إسهامهم في التقدّم.

□ متى بدأ ميولك نحو الكتابة؟

■ منذ طفولتي كانت لي رغبة في أن تكون لي مكتبة، إضافة إلى أنّ علاقتي بالكتب بثت لديّ الرغبة الحماسية في الكتابة.

□ من هم الكتّاب الذين أثّروا في حياتك وأعمالك؟

■ تحتوي كتبي على الكثير من التعاليم التي استقيتها، ومن خلالها تعلمت كيف أجد صوتي فيها، فالأدب واحد لا يتغيّر منذ القدم، منذ هوميروس وسوفوكليس وألف ليلة وليلة، كلهم كانوا يشكّلون أدبا واحدا بمعيّة سيرفانتيس وكافكا وبورخس وفوكنر ورولفو.

□ تعد رواية «أقارب أستر» واحدة من كلاسيكيات أدب أمريكا اللاتينية المعاصر، ما هو سبب نجاح هذه الرواية حتى الآن؟

■ في الواقع لا أعلم، الشيء الوحيد الذي يمكنني فعله هو أن أكرر ما سمعته عما قيل، وما تداوله القراء عنها. ذلك أنّ تطوّر أحداثها يشهد وضوحا ملحوظا، وأنّ الشخصيات ترسخ في ذاكرة القارئ بعد قراءتها وأن مشاهدها مثيرة للاهتمام، بصرف النظر عن الحبكة العامة.

□ باعتبارك أحد كتّاب أمريكا اللاتينية عربيّي الأصول، الذين عالجوا موضوع الهجرة في أعمالهم ، خصوصا في روايتك «سقوط النقاط الأساسية» من هم الكتّاّب ذوو الأصول العربية الذين تستمتع بقراءة أعمالهم حول هذا الموضوع؟

■ يوجد في قارّتي الكثير من الكتّاب ذوي الأصول العربية، وأنا شاركت في جمع أعمالهم في سلسلتي، التي تجمع قصصا وقصائد شعرية وفصولا من الروايات المعالجة لهذا الموضوع، والمكتوبة بمختلف اللغات، وأنا تعمدت قراءة بعضا من أعمال الكثير من أولئك الكتّاب، أذكر منهم بعض الكتب للشاعرة الكولومبية مايرة دل المار وكذا البعض من أعمال الشاعر الكولومبي جيوباني قصيب، وكتب أخرى للروائي البرازيلي ميلطون حاتوم، وللأرجنتيني خوان خوسيه سايير.

□ هل تفضل قراءة الأدب العربي المعاصر أم الكلاسيكي؟ وفي نسخته الأصلية أم المترجمة؟

■ يتزايد عدد قُرّاء الأدب العربي المترجم إلى اللغتين الإسبانية والبرتغالية في الكثير من الدول، وأنا بدوري لاحظت ذلك في أمريكا الجنوبية وإسبانيا بل في كل دول أوروبا تقريبا، وأنا على اطلاع على كثير من الإنجازات الأدبية العربية للقرون الماضية، فمنذ حقبة الأندلس، يشكّل الشعراء والكتاب المجهولون منهم والمعروفون وحتّى الكتاب المعاصرون من مختلف الدول العربية عالما بأكمله فضلا عن تجسيدهم للبعد الإنساني لشخصياتهم، إضافة إلى أنّ الإنتاجات الكتابية للأجيال العربية الجديدة أضحت تُوزّع بشكل جيّد بمختلف اللغات لتُقام من خلالها أنشطة ثقافية باستمرار.

□ كنت من الأصدقاء المقرّبين لغارسيا ماركيز، كيف كانت علاقتك به؟

■ كانت تجمعني به علاقة رائعة، التقينا مرات عديدة في برشلونة وبوغوتا وهافانا والمكسيك، وكنّا نقضى ساعات طويلة في الحديث عن الأدب، أمّا عن علاقتي بكتبه، فما زلت ألجأ إليها، وأجد فيها ما تعلمته منها في شبابي قبل أن أنشر كتبي.

□ وماذا عن علاقتك مع باقي كتّاب جيل اليوم؟

■ أحاول دائما أن تكون علاقتي جيّدة مع جميع الكُتاّب، لا تهمّني أعمارهم ولا أصولهم ولا شهرتهم، ولا حتّى جوائزهم، يسعدني اللقاء بمن يتحدّثون عن الأدب وعن كتب الآخرين، خصوصا من يتطرقون إلى صعوبة إيجاد كلمة لتكوين جملة وصياغة جمل لتكوين فقرة، وربط فقرات لإتمام صفحة، أتشرف بمصادقة الكُتّاب من مختلف الأعمار، هؤلاء الذين يسعون إلى إقناعي بفكرة أنّ أساس الكتابة هو امتلاك أسلوب مناسب ومعرفة الحفاظ عليه، أولئك الكتّاب ينتصرون على الكسل في أعالي الجبال إذ يبذلون قصارى جهدهم في البحث عن المصطلح، أو الكلمة المناسبة لصياغة جملة معيّنة، أولئك على وعي تام أنّ الأدب لا يحتوي على كلمات جميلة وأخرى قبيحة وإنّما له فرص تجعلها أدبية وأخرى تشوّه أدبيتها.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي