لورين كلاينمان تفتح كهفها المظلم

2021-04-01 | منذ 4 شهر

محمد الحمامصي

"الكهف المظلم بين أضلاعي" عنوان الديوان الثاني للشاعرة الأميركية لورين كلاينمان، وهو عنوان يشكل مدخلا أساسيا كاشفا إلى ما تحمله نصوصه من بحث الذات في الروح والجسد، في الزمان والمكان، في الحضور والغياب، حيث تتغلغل الشاعرة في عالمها لتعري ما يعتمل فيه من ماض وحاضر وآت، هذا العالم الذي ربما لا يحمل الكثير من التفاصيل الكبرى، ولكنه يحمل ما هو أعظم؛ تلك الهوامش القابعة في أنحاء وزوايا اشتباكات الروح والجسد مع محيطهما بكل تجليات تناقضاته، والتي تضئ العلاقات الفريدة الحميمة مع الآخر على اختلاف كينونته وتكويناته.
وهكذا تستكشف نصوص لورين كلاينمان الشاعرة التي ولدتْ في أميركا ولها جذور في نيوجيرسي، نتائج حيوات عالمها مع الآخر، وكيف يؤثر في صوت الفرد الداخلي والخارجي؟ إنها كما تشير في أحد نصوصها "يفتح الليل صدرها/ فتخرج القصائد/ من كهف مظلم في أضلاعي" لتبدأ قراءة المكتوب، لذا فإن جماليات النصوص تأتي من قدرة المخيلة على رسم تشكيلات الرؤية والوصول إلى العمق وإضاءته.
لكن الأجمل في هذا الديوان الذي ترجمه الشاعر والمترجم أسامة إسبر، وصدر عن دار ظلال وخطوط الأردنية والذي تكشفه النصوص هو وعي الشاعرة بحضور جسدها ليس ككتلة فقط، ولكن كأجزاء في العالم، وامتلاك القدرة على كشف أسراره الداخلية والخارجية دون جرأة قد يظن أنها مفتعلة، أيضا وعيها بحضور الموت كفعل مناهض للوجود الجمالي للذاكرة والطبيعة.
تحمل لورين إجازة في الأدب الإنجليزي من جامعة درو، وقد حصلت على الماجستير في الكتابة الإبداعية والنقدية من جامعة سسيكس في المملكة المتحدة. نشرت في مجلات أدبية منها “درنكن بوت”، “ذ موث”، “دومستك تشيري”، “بلو ليك ريفيو”، “كاتش آند ريليس” (جامعة كولومبيا)، “باترسون لتراري ريفيو". حصلت على جائزة “سباير بريس” الشعرية (2003)، ورُشِّحت في 2000 و2003 لجائزة بوتشارت، ووصلت إلى القائمة النهائية في جائزة نمرود / بابلو نيرودا للشعر سنة 2004.
في 2003 نشرت “دار سباير بريس” مجموعتها الشعرية الأولى “اسكتشات فلامنكو” والتي استقصتْ العلاقة بين الحب وموسيقى الجاز، وصدر ديوانها الثاني، “الكهف المظلم بين أضلاعي”، في مارس/آذار 2014 عن دار “ونتر كوز للنشر”، وكان من بين المائة كتاب الأكثر مبيعاً لدى “أمازون” في الشعر النسائي، واختارته مجلة “إنتروبي” كأحد أفضل الكتب الشعرية لعام 2014. صدر ديوانها الشعري الثالث، “أشياء قابلة للكسر” عام 2015 عن دار “ونتر كوز”.
شاركت لورين العضو في مشغل نيويورك للكتّاب أيضاً في إطلاق وتأسيس الشهر القومي للترجمة، وهو مهرجان يستمر شهراً يحتفي بالكتابة والترجمة، وتتم فعالياته في شهر سبتمبر/أيلول من كل عام.


نصوص من الديوان


النافذة التي أنام قربها
يفتحُ الليلُ صدري
فتخرج القصائد
من كَهْفٍ مُظلم بين أضلاعي.

لا أستطيع رؤية ما هو مكتوبٌ
ربما لا أمتلك جرأة كي أواجهه.
خوفي شديدٌ.

أُغْمضُ عينيَّ
فأرى جبلاً
في الردهة.

لم أشعر أبداً بالوحدة كما يحدث الآن
في عالم يقول لي:
لستِ وحيدةً.

أنا صامتة
صارت الغرفة
النافذة الصغيرة التي أنام قربها.

حين أعاني من الأرق
أنظر من النافذة
وأتخيل أنني محبوبة من الجميع.

لو كان لدي حب
لأطلقتُ عليه اسماً لانهائياً.
لو كان لديَّ حب
لنطقتُ بلغتهِ.

لو كنتُ لنفسي فقط
لطفتُ في الفضاء متوهجة
ومشوهة الشكل.

أتمنى لو كان بوسعي أن أحدثكم عن ماضيَّ
لكنني أشعر بالذل حين أقول
إنني أصغي فحسب.

لماذا لا أستطيع أن أبكي؟
لا أعرف
يجيب الجسد

حين أتذكر جدتي
يقطرُ زيتُ الزيتون والملح من يد جدتي.
تغمسُ شرائح أسماك القدّ في خليط البيرة
وتصفّها في الزيت المغلي.

للطعام مذاقٌ مختلف دوماً هنا.
أراقب الطريقة التي تطوّق بها يداها
الأسماك الهشة
كيف تدهن صفار البيض
على جلودها
الرقيقة جداً.

كلّ شيءٍ معتنى به هنا
كل شيء في موضعه.
أحاول الإصغاء للروائح
سنوات التحضير والتذوق
وأشربُ من نبيذ القبو.

أتساءل إن كنت سأشعر بالزمن
ونسيج الأشياء
كيف يتم تحاشي رش الملح في بعض الصحون
ويُرش على أخرى.

راقبتها الليلة وهي تحرك
الملعقة الخشبية بأصابعها
تحركها بخبرةٍ
في دوائر كاملة.
تغرف القليل من الصلصة
ترفعها إلى شفتيها
وتشهق وتزفر
تدمدم: تحتاج إلى مزيد من البصل.

تتركني مع لوح التقطيع
والطاولة المصنوعة من خشب الماهوغاني في غرفة الطعام
وخزفها الذي من العالم القديم
ستدعني أزيل خيوط اللحم المحشو
وبذور بطيخة مفتوحة

كان يجب أن أدهن ستروفالا عيد الميلاد بالعسل
وأجعل الخبز في عيد الفصح ينفش

بطريقة ما، سأعرف ماذا عليّ أن أفعل:
سألمس جلد هذا العالم
وأسلخه.

لورين كلاينمان


أردتُ أن أكون صدى العالم


أتكسرُ كالخزف بين يديكَ.

أردتُ أن أخبركَ
أنني اغتُصبتُ.
أخذَ كل ما لديّ
وحطّمه بجلده المغضن.

أردت أن أموت،
أن أموت.

الشيء الوحيد الذي أنقذني
هو صوتُ أمي.

أمس وضعتُ وشماً
لم يؤلمني بقدر ما آلمتني يداك الخزفيتان.

أنا أرتجف
أتحطّم
في بحرٍ من الزجاج.

انطفأ حبي
تلاشى.

الجدران لا ترتفع أبداً
لأنها اختفت.

الجدران لا ترتفع أبداً لأنها مدهونة
بألوان داكنة غريبة.

اليوم سأقودُ السيارة إلى المستشفى
وأفكّر بالصدى
الذي أردتُ أن أكونه في العالم
أفكر بيديك
وبجسدي يتهشّم بينهما.

أخيراً أتداعى.

أشتاق إلى العالم أحياناً
وإلى جدّتي ونفسي
وإلى أمّي.
أشتاق إلى كوني طفلة
تلعب في الفناء
ترفس التراب
وتبتسم
وتأكل الحلوى.

متى كبرتُ؟
متى حدث كل هذا
دون أن يخبرني أحد؟
لو كان بوسعي أن أطلق اسماً على هذا الشعور
لفعلتُ،
لكنك لن تحبني لو فعلتُ هذا.

اليوم أُلْصق قطعي ببعضها.

بين يديك
أنا صدى الخزف.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي