بين الشعار والسياسة: لماذا تصارعت القوى التي تزعم تحرير فلسطين؟
2026-03-30
صادق الطائي
صادق الطائي

في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان من كل عام، تُحيي إيران ما يُعرف بـ»يوم القدس»، وهو تقليد سياسي أطلقه المرشد الأعلى الاول آية الله الخميني، بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، ليكون مناسبة للتعبير عن التضامن مع القضية الفلسطينية، ورفض الاحتلال الإسرائيلي. وقد أصبح هذا اليوم، مع مرور الوقت، جزءا من الخطاب السياسي الإيراني في المنطقة، كما تحوّل إلى رمز ضمن سردية أوسع، تتعلق بدور إيران الإقليمي وموقفها من الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
غير أن استحضار هذه المناسبة يعيد إلى الذهن مجموعة من الأسئلة التاريخية التي لا تزال تستحق التفكير، فمنذ عقود تُرفع في الشرق الأوسط شعارات كبيرة، وكان شعار تحرير فلسطين في مقدمتها، لكن التأمل في تاريخ المنطقة الحديث يكشف مفارقات لافتة بين الشعارات المعلنة ومسارات السياسات الفعلية. أبرز هذه المفارقات تتجلى في العلاقة بين العراق وإيران في ثمانينيات القرن الماضي، فكل من نظام صدام حسين في العراق ونظام ولاية الفقيه في إيران رفع شعار مواجهة إسرائيل وتحرير فلسطين، ومع ذلك، لم يلتقِ النظامان عند هذا الهدف المعلن، بل دخلا في واحدة من أطول الحروب التقليدية في القرن العشرين، وهي الحرب العراقية ـ الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات (1980–1988)، وخلفت مئات الآلاف من القتلى والجرحى، فضلا عن دمار اقتصادي هائل في البلدين.
طوال سنوات تلك الحرب رفعت إيران شعارا أصبح معروفا آنذاك: «طريق القدس يمر عبر كربلاء»، في إشارة إلى أن إسقاط نظام صدام حسين كان، من وجهة نظر القيادة الإيرانية، خطوة ضرورية قبل التفرغ لمواجهة إسرائيل.
في المقابل طرح نظام صدام حسين خطابا مختلفا، تمثل في شعار «حراس البوابة الشرقية»، الذي قدّم الحرب باعتبارها دفاع العراق عن العالم العربي، في مواجهة ما اعتبره «الخطر الفارسي» القادم من الشرق، على أساس أن حماية العمق العربي هي المقدمة الضرورية لمواجهة إسرائيل لاحقا، لكن هذه الشعارات المتقابلة تترك سؤالا أساسيا: إذا كان الطرفان يعلنان العداء لإسرائيل، ويرفعان شعار تحرير فلسطين، فلماذا لم يتفقا ليتحولا إلى جبهة مشتركة؟ ولماذا استنزفت ثماني سنوات من الحرب إمكانات بلدين كبيرين في المنطقة بدلا من توجيه تلك الموارد نحو الهدف الذي كان كلاهما يعلن تبنيه؛ تحرير فلسطين؟

بين الخطاب السياسي الذي يتحدث عن فلسطين، والواقع الجيوسياسي الذي تحكمه موازين القوة والمصالح، توجد مسافة لا يمكن تجاهلها

تذهب بعض التفسيرات الشائعة إلى أن الحرب كانت نتيجة لتدخلات خارجية، أو لما يُسمى «الأصابع الخفية» في السياسة الدولية، وتحديدا الأمريكية التي تحركها المصالح الإسرائيلية، عبر ما عُرف لاحقا بسياسة «الاحتواء المزدوج». غير أن هذا التفسير، على شيوعه، لا يجيب عن كل الأسئلة. فإذا كانت المؤامرة الخارجية هي العامل الحاسم، فهل يعني ذلك أن النظامين انقادا بسهولة إلى تلك الاستراتيجية؟ أم أن الصراع بينهما كان في جوهره صراعا إقليميا حقيقيا على النفوذ والقيادة، اتخذ من الشعارات الكبرى إطارا خطابيا أكثر منه هدفا عمليا مباشرا؟
تزداد هذه المفارقة وضوحا عندما ننظر إلى الحالة السورية. فبينما كانت بغداد وطهران تخوضان حربا ضروسا، نجحت دمشق – وهي أيضا دولة يحكمها حزب البعث – في بناء تحالف وثيق مع إيران منذ السنوات الأولى للثورة الإسلامية، بل إن هذا التحالف تطور لاحقا ليصبح أحد أعمدة التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط، خاصة بعد نشوء حزب الله في لبنان، مطلع ثمانينيات القرن الماضي. هنا يبرز سؤال آخر: إذا كان الخلاف الأيديولوجي بين مشروع ولاية الفقيه الذي قامت عليه الثورة الإيرانية، وعقيدة حزب البعث القومية العربية العلمانية يمثل عائقا بنيويا أمام التقارب بين العراق وإيران، فكيف أمكن تجاوز هذا العائق نفسه في العلاقة بين إيران وسوريا؟ الإجابة المحتملة تكمن في أن التحالفات في الشرق الأوسط لم تُبنَ غالبا على أساس التوافق الأيديولوجي وحده، بل على أساس تلاقي المصالح السياسية والاستراتيجية، فدمشق، التي كانت في صراع حاد مع بغداد منذ انقسام حزب البعث في ستينيات القرن الماضي، رأت في التحالف مع إيران وسيلة لموازنة النفوذ العراقي في المنطقة. وفي المقابل وجدت طهران في هذا التحالف منفذا جيوسياسيا مهما نحو المشرق العربي، خاصة في لبنان حيث تشكل لاحقا محور سياسي وعسكري استمر تأثيره حتى اليوم. أما الخطوة الرمزية التي اتخذتها إيران بعد الثورة مباشرة، حين قطعت علاقاتها مع إسرائيل وطردت السفارة الإسرائيلية من طهران وسلمت مبناها لمنظمة التحرير الفلسطينية، فقد لاقت صدى واسعا في الشارع العربي آنذاك. غير أن هذه الخطوة، على رمزيتها السياسية، لم تمنع استمرار التنافس الإقليمي بين إيران وبعض الدول العربية، وفي مقدمتها العراق في تلك المرحلة. ومن هذا المنظور يمكن القول إن القضية الفلسطينية، على مركزيتها الأخلاقية والسياسية في الوعي العربي والإسلامي، تحولت في كثير من الأحيان أيضا إلى عنصر ضمن صراعات أوسع على النفوذ والشرعية والقيادة الإقليمية. فالعراق، بعد سقوط نظام الشاه الذي كان يؤدي دور «شرطي الخليج»، رأى نفسه مؤهلا لملء الفراغ وقيادة النظام الإقليمي العربي. وفي المقابل جاءت الثورة الإيرانية بمشروع مختلف يتجاوز الحدود القومية ويطرح نموذجا ثوريا يسعى إلى إعادة تعريف موقع إيران في المنطقة، بل وتوسيع حضورها السياسي عبر علاقات مع حركات وقوى متعددة في الشرق الأوسط.
وإذا انتقلنا من التاريخ إلى الحاضر، فإن هذه المفارقة لا تبدو مجرد ظاهرة عابرة، بل تكاد تتحول إلى نمط متكرر في سلوك السياسة الإقليمية، فمنذ مطلع الألفية الثالثة، برز ما يمكن وصفه بمشروع توسع إقليمي إيراني، اتخذ من شعارات دعم المقاومة وتحرير فلسطين غطاء خطابيا، بينما تحرك عمليا في مسارات جيوسياسية أكثر تعقيدا. ففي لبنان، عززت طهران حضورها عبر دعم حزب الله، الذي تحوّل إلى قوة عسكرية وسياسية مؤثرة تتجاوز حدود الدولة اللبنانية. وفي العراق، خصوصا بعد عام 2003، تمدد النفوذ الإيراني من خلال شبكة واسعة من القوى السياسية والفصائل المسلحة، ما جعل بغداد إحدى أهم ساحات التأثير الإيراني المباشر. أما في سوريا، فقد بلغ هذا الحضور ذروته مع التدخل العسكري المباشر دعما للنظام، في سياق صراع داخلي تحوّل إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي مفتوح.
هذه الوقائع تطرح سؤالا حساسا: هل كان هذا التمدد جزءا من استراتيجية فعلية لتحرير فلسطين؟ أم أنه يعكس أولويات أخرى تتعلق بإعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة؟ فالمفارقة أن معظم هذه التحركات جرت داخل الفضاء العربي نفسه، وفي دول تعاني من أزمات داخلية عميقة، من دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير ملموس في مسار الصراع مع إسرائيل، بل إن بعض هذه الساحات تحولت إلى ميادين استنزاف جديدة، أعادت إنتاج الانقسامات، وأضعفت بنية الدولة الوطنية، ما أضاف طبقات جديدة من التعقيد إلى المشهد الإقليمي، لذا لا يمكن فهم كثير من تناقضات السياسة الإقليمية من خلال الشعارات المعلنة وحدها، فبين الخطاب السياسي الذي يتحدث عن فلسطين، والواقع الجيوسياسي الذي تحكمه موازين القوة والمصالح، توجد مسافة لا يمكن تجاهلها.
من هنا فإن استحضار «يوم القدس» ينبغي ألا يكون مجرد مناسبة للتكرار الخطابي، بل فرصة أيضا لإعادة التفكير في تاريخ المنطقة وأسئلتها المفتوحة. فهل كانت الشعارات أكبر من السياسات؟ أم أن الصراع الحقيقي كان دائما يدور حول النفوذ والقيادة الإقليمية، بينما بقيت فلسطين في كثير من الأحيان عنوانا حاضرا في الخطاب أكثر مما كانت محورا حاسما في السياسات الفعلية؟

 

*كاتب عراقي
*هذا المقال أكتب عن رأي كاتبه وبشكل غير مشروع عن موقع الأمة برس - القدس العربي

 



مقالات أخرى للكاتب

  • زيارة محمد بن سلمان لأمريكا: شراكات اقتصادية ودفاعية تغيّر قواعد اللعبة
  • كيف ستختلف سياسات ترامب في الولاية الثانية؟
  • الرد الإسرائيلي وبنك الأهداف الإيرانية










  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي