بعد أن حسن منظومته الدفاعية.. "حزب الله" يمس بتفوق إسرائيل الجوي
2022-08-04
كتابات عبرية
كتابات عبرية

رياح مفاجئة من التفاؤل هبت مؤخراً على المفاوضات الثلاثية بين إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة حول ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان. بعد بضعة أسابيع من الذعر وحتى القليل من التهديد بالحرب، يبدو أن الطرفين قريبان الآن أكثر من أي وقت مضى من الاتفاق. هذه تقديرات المستوى السياسي في بداية الأسبوع. وثمة أقوال مشابهة سمعت أيضاً في محيط الوسيط الأمريكي عاموس هوكشتاين عند وصوله إلى البلاد بعد محادثاته مع ممثلي الحكومة في بيروت. هل سيكتفي بهذه التفاهمات الأمين العام لـ”حزب الله، حسن نصر الله، الذي كسب الكثير في الاستطلاعات بفضل التهديدات الأخيرة بالمس بحقل “كاريش”؟ وهل سينسب لنفسه إنجازات لبنان في المفاوضات ويعلن عن استمرار صيف هادئ؟ ابقوا معنا.

حتى لو تم حل مشكلة الحدود البحرية وحفريات الغاز في “كاريش”، يمكن البدء بها في الشهر القادم بدون تشويش زائد، فثمة انطباع بحدوث تغيير أساسي نحو الأسوأ في الظروف على طول الحدود البرية، وفي الوضع في سماء لبنان. جزء من الأمور يظهر في جولات بالمنطقة. يمكننا أن نعرف عن تطورات أخرى من تصريحات رسمية لوسائل الإعلام ومن تقرير دوري لقوة “اليونفيل” الذي تم تقديمه الشهر الماضي لمؤسسات الأمم المتحدة في نيويورك.

القاسم المشترك، في البر والبحر والجو، يتمثل بمقاربة عدوانية ومتشددة أكثر من قبل “حزب الله”، مع الاستعداد أكثر مما في السابق للمخاطرة بتصادم. يبدو أن إسرائيل في ردودها حذرة في عدم السماح بتصاعد الأمر. ولكن حتى هذا التغيير قد تكون له تداعيات. تقليص حرية عمل سلاح الجو في سماء لبنان يمكن أن يقلل جمع المعلومات الاستخبارية عن نشاطات “حزب الله”، ويضعضع ثقة إسرائيل بموثوقية المعلومات – التي تعمل بالتحديد كعامل كابح ضد التصعيد.

في شباط، قال نصر الله إنه تم تقليص النشاطات الإسرائيلية بفضل منظومات الدفاع الجوي التي تزود بها حزبه. قال: “لم نشاهد طائرات إسرائيلية مسيرة في أجواء البقاع والجنوب منذ بضعة أشهر”. وأضاف ادعاء أبعد من ذلك يقول بأن الجيش الإسرائيلي لم يعد قادراً على فعل شيء ضد نشاطات “حزب الله” لإنتاج صواريخ دقيقة على أراضي لبنان. قائد سلاح الجو السابق، الجنرال عميكام نوركين، اعترف في نيسان في مقابلة أجرتها معه قناة “كان” بأن حرية العمل في لبنان تضررت فعلاً. في حين أن العميد احتياط آساف اوريون، كتب في الشهر الماضي في مقال نشر في موقع “معهد واشنطن” بأن “الظروف العملياتية تغيرت في غير صالح إسرائيل، وهذه الظروف تصعّب على الاستخبارات وتزيد من احتمالية حدوث نزاع أوسع مع حزب الله”.

أشار اوريون أيضاً إلى أن إسرائيل ركزت خلال العقد الماضي جزءاً من هجماتها الجوية في سوريا في إطار المعركة بين حربين ضد بطاريات وصواريخ مضادة للطائرات، التي أرادت إيران تهريبها لـ”حزب الله”. مع ذلك، نجح “حزب الله” الشيعي في السنوات الأخيرة في تطوير منظومات دفاعه الجوي التي ينشرها في لبنان. في العام 2019 هدد نصر الله بالمس بالطائرات المسيرة الإسرائيلية في سماء لبنان بعد هجوم المسيرات في الحي الشيعي في بيروت (الضاحية). في السنوات التالية، أجرى “حزب الله” عدة محاولات فشلت في إسقاط المسيرات. وحسب مصادر أمنية، كانت هناك حالة أوصى فيها الجيش الإسرائيلي بهجوم مضاد في لبنان، لكن رئيس الحكومة في حينه بنيامين نتنياهو، قرر في نهاية المطاف الامتناع عن ذلك. في وظيفته الأخيرة في الجيش الإسرائيلي رئيساً للواء الاستراتيجي في هيئة قيادة الأركان، تولّى اوريون المسؤولية عن العلاقات مع الأمم المتحدة. فقد فحص التقارير الدورية التي عرضها سكرتير عام الحزب على مجلس الأمن ثلاث مرات في السنة، التي يتم فيها توثيق خروقات السيادة المتبادلة التي تتجاوز قرار مجلس الأمن 1701، الذي نظم قواعد اللعب بعد حرب لبنان الثانية في 2006. في السنة والنصف الأخيرة، لاحظ هبوطاً دراماتيكياً في توثيق النشاطات الإسرائيلية الجوية في سماء لبنان (الطلعات الجوية بحد ذاتها خرق لسيادة لبنان). وحسب التقارير، انخفضت النشاطات 70 – 90 في المئة في السنة الماضية مقارنة مع السنوات السابقة.

شرح اوريون بصورة متناقضة، أن تقليص الطلعات الجوية الإسرائيلية قد يسرع الاشتعال. بعد أن فاجأت قوة “حزب الله” إسرائيل في الحرب الأخيرة، ركز الجيش الإسرائيلي ر جهوداً استخبارية ضخمة في متابعة النشاطات العسكرية لـ”حزب الله”. ولكن الصورة الاستخبارية يجب أن تكون محدثة، ومن أجل ذلك يجب أن تكون جهود جمع المعلومات متواصلة ومستمرة. قدرة “حزب الله” على تآكل تفوق إسرائيل الجوي في لبنان ستجبر الجيش على البحث عن بدائل لأساليب جمع المعلومات القائمة. ومع ذلك، كتب اوريون، ستواجه إسرائيل معضلة: هل ستسلم بمس تدريجي بجودة المعلومات الاستخبارية، أم أنها ستواصل مهمات التصوير مع المخاطرة بتلقي ضربة من منظومات الدفاع الجوي لـ”حزب الله”.

في سوريا، مست إسرائيل بالمنظومات الإيرانية المضادة للطائرات بصورة منهجية، ومن بينها التي وضعها حرس الثورة هناك للمساعدة في الدفاع الجوي عن المنشآت العسكرية لنظام الأسد. أما في لبنان، فيقل عمل إسرائيل. وقرار مهاجمة البطاريات هناك قد تكون له تداعيات واسعة. اوريون لخص الأمر: “الطرفان يسيران على حبل دقيق بين الردع والتصعيد منذ فترة طويلة. ولكن لأن “حزب الله” يزيد نشاطاته ضد ما تعتبره إسرائيل الأداة العسكرية والاستخبارية الرئيسية لها، فقد أصبح مبلغ المقامرة أكبر”.

كبرياء خطيرة

ما وصفه اوريون يثير تساؤلاً آخر، قلل في تناوله في المقال: ما الذي يعلمنا إياه الواقع الجديد بشأن استراتيجية “المعركة بين حربين” الإسرائيلية؟ في السنوات الأخيرة، تحولت المعركة بين حربين تقريباً إلى رؤية شاملة، على الأقل بالنسبة للجيش الإسرائيلي. وصلت الأمور إلى الذروة في الأشهر الأخيرة عندما عرضت حاجة لمواصلة الهجمات في سوريا وعدم التورط مع القوات الروسية المنتشرة هناك، كذريعة لإسرائيل من أجل عدم اتخاذ موقف أخلاقي مطلوب في إدانة جرائم الحرب التي ترتكبها روسيا منذ غزو أوكرانيا.

لكن مثلما حصلت إسرائيل على نجاح جزئي فقط في منع “مشروع الدقة” الذي يطمح إليه “حزب الله”، يبدو أنها تجد صعوبة أيضاً في إحباط تهريب بطاريات الدفاع الجوي. هذا يثير سؤالاً آخر: هل جميع الإنجازات التي تنسبها إسرائيل لفضل المعركة بين حربين تنبع من الهجمات، أم أن جزءاً منها مرتبط باعتبارات إيرانية أو روسية؟ ألم يأت الانشغال اليومي بالمعركة بين حربين (عشرات الهجمات في السنة ومئات الساعات التي تقضيها الشخصيات الرفيعة في نقاشات سابقة وفي غرفة العمليات الرئيسية أثناء الهجوم) على حساب الاستعداد للحرب؟

ثمة موضوع آخر يتعلق بخروقات “حزب الله” على الأرض؛ في نهاية حزيران نشرت “هآرتس” بأن “حزب الله” أقام خلال شهرين تقريباً ليس أقل من 16 موقع مراقبة على الحدود مع إسرائيل، بغطاء من “أخضر بدون حدود”، وهي منظمة للدفاع عن البيئة. هذه المنظمة تضع حقائق على الأرض وتتحدى إسرائيل وتجمع معلومات تكتيكية دون أن تنجح “اليونفيل” في القيام بمهمتها ومنعها من العمل جنوب نهر الليطاني.

تشير تقارير دورية للأمم المتحدة إلى التوجه الواسع الذي ينعكس في هذا السلوك. أعضاء قوة اليونفيل يوثقون ارتفاعاً واضحاً لخروقات “حزب الله” إلى جانب عدائية متزايدة ضد دوريات الأمم المتحدة. في طلعات طائرات مروحية، التي هي نادرة نسبياً، في سماء جنوب لبنان، وثقت الأمم المتحدة نشاطات محمومة لـ”حزب الله” في مناطق تدريب على السلاح الخفيف. جرت التدريبات على امتداد القطاع كله، وعلى مدى فترة زمنية طويلة نسبياً. وفي إحدى المرات شارك فيها 25 ناشطاً، وإضافة إلى ذلك سجل ارتفاع واضح في الهجمات العنيفة والتطاول على جنود قوة اليونفيل: قطع طريقهم، ضرب، رشق حجارة وتهديد.

بالنسبة لاوريون، فإنه رغم الأمل بإيجاد حل سريع لأزمة الغاز في البحر المتوسط، إلا أنه تظهر هنا صورة مقلقة أكثر مما كان. “مقاتلو حزب الله يتصرفون وكأنه لا أحد قادر على وقفهم”، قال للصحيفة. “يبثون ثقة بالنفس مبالغاً فيها، ولا يعتقدون أنهم سيدفعون ثمن ذلك. هذه كبرياء خطيرة، لا يتذكر مثلها طوال السنوات الأخيرة”.

 

بقلم: عاموس هرئيل

هآرتس 4/8/2022



مقالات أخرى للكاتب

  • لماذا فضل زعماء الجريمة الإسرائيليون تركيا لتكون فرعاً لإدارة نشاطاتهم؟
  • هل تدرك إسرائيل أن الضفة في طريقها نحو الاشتعال؟
  • حكومة لبيد أمام سؤال حماس "هل تنتظرون منا لجم المقاومة في غزة"؟





  • شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي