الإجهاض: حق أم قرار؟
2022-07-03
سعد العجمي
سعد العجمي

حكمت المحكمة الأميركية الفيدرالية العليا قبل أيام بحكم ينقض حكماً لها عام 1973، بأن الإجهاض من عدمه هو حق دستوري من حقوق المرأة تقرره وقت تشاء. وجاء الحكم الجديد ليقرر أن الإجهاض ليس بحق دستوري للمرأة؛ ولذا فإن لكل ولاية من الولايات المتحدة الأميركية أن تقر قوانينها كيفما تشاء.

احتفل المناهضون لحق الإجهاض وأعلن المؤيدون لهذا الحق "الحداد" ومقاومة هذا الحكم ونسفه.

في مقرر "العرض والمجادلة" بجامعة الكويت، كنت أطرح قضايا جدلية وفكرية لينقسم الطلبة لفريقين، بحيث يتبنى كل فريق موقفاً من هذه القضية ليتناقشوا ويتجادلوا وليثروا مفرداتهم الإنجليزية التي كانت لغة المقرر. ومن بين مواضيع النقاش قضايا مثل الموت/القتل الرحيم، وعقوبة الإعدام من عدمها، والخيرية والقدرية، وجدلية مساواة المرأة بالرجل، والاندماج مقابل التعدد الثقافي داخل مجتمعات المهاجرين، والسن القانوني للزواج والإجهاض، وغيرها.

كان فريق المؤيدين لحق الإجهاض يرون أنه مسألة تعود للمرأة، فهو جسدها ولا أحد له الحق بأن يقرر لها أن تحمل جنيناً وتلتزم كأم بعد ولادته بتربيته، أما المناهضون لذلك فيرون أن الجنين يصبح مخلوقاً آدمياً وعلى المجتمع مسؤولية التدخل لحمايته بدلاً من قتله/إجهاضه. وهنا ينشأ خلاف آخر: كم عمر الجنين في الرحم كي يصبح مخلوقاً يجب على المجتمع التدخل لحمايته؟ فأشد المناهضين للإجهاض يرى أن لحظة تلقيح البويضة هو بداية تشكل المخلوق الآدمي، بينما يرى آخرون أن بداية تشكل الجنين كمخلوق تكون ببدء ضربات قلبه- أي في الأسبوع السادس من الحمل وهكذا.

لكن الإشكال الذي يقع فيه الفريقان هو التعامل مع حالات حمل نتيجة الاغتصاب أو زنا المحارم، أو حين يشكل الحمل خطراً على حياة الأم أو على حياة الجنين، حتى بعد مرور الأسابيع الستة الأولى. فمثلاً، ماذا لو اكتشف حمل زنا محارم بعد مرور الأسابيع الستة الأولى؟ هل يتدخل المجتمع لحماية الجنين؟ أم تقرر المرأة التخلص من جنين سيكون أخاً وابناً لها في الوقت نفسه؟ أو ابناً وابن أخ في آن واحد، بحيث تكون أمه وعمته في الوقت ذاته؟ وهل من الأخلاقيات الطبية- العلمية BIOETHICS إجهاض الجنين بعد أن تجاوز الحمل الشهرين؟ أذكر طالبة ساقت مثالاً حقيقياً لقصة طفلة من بيئة مدقعة بالفقر في الثالثة عشرة من عمرها، تعرضت للاغتصاب ولم تدر أنها حامل حتى بان الحمل بالشهر السادس.

كانت الفصول مشتركة من الذكور والإناث، وكان الجدل المناهض للإجهاض من منطلق المسؤولية المجتمعية والأخلاقية، بينما كان الرأي بحرية القرار للمرأة مبنياً في جله على أن المرأة- وليس الرجل- هي التي من ستحمل الجنين وتعاني ما تعانيه من آثار الحمل والوحم والولادة والرضاعة، إلخ، بينما تنتهي مهمة الرجل البدنية بعد التلقيح مباشرة من دون أية معاناة بدنية أثناء فترة الحمل والولادة، وعليه فإن المرأة وحدها من يقرر الإجهاض من عدمه.

كان المقرر تثقيفياً بالنسبة لي، فقد عرفت أشياء لا أعرفها كرجل -أو قل لا أفهمها كرجل- لكن الاستماع لقضية ما من وجهة نظر المرأة تعطي دوماً بعداً مختلفاً لفهم تلك المسألة.

يدرك المراقب السياسي أن نقض قانون الإجهاض -بغض النظر عن الموقف منه وتفاصيله- هو انتصار لليمين، وتعميق لهوة الانقسام في المجتمع الأميركي، الذي يشهد حالة غير مسبوقة من الانقسام ازدادت حدة بانتخاب الرئيس دونالد ترمب عام 2016. وبتخويل الولايات -كل على حدة- بتقنين قوانينها الخاصة بها حول الإجهاض ستكون انتخابات الكونغرس بنوفمبر المقبل أكثر ضراوة وشراسة، وسيحمى وطيسها بالانتخابات المحلية بكل ولاية حين تنتخب كونغرسها وحاكمها مستقبلاً.

ستبقى قضية الإجهاض جدلية سرمدية مثل كثير من القضايا التي تتداخل فيها العلوم الطبية بالدين وبالأخلاق والمسؤولية المجتمعية تجاه حماية المرأة وحماية الطفل وحقوق الإنسان.

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس – اندبندنت عربية -



مقالات أخرى للكاتب

  • تسريبات المالكي و"جرة إذن" الصدر
  • لو قامت الدولة الفلسطينية؟
  • تمثيل ورؤساء





  • شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي