المبتدأ في باريس فأين الخبر؟
2021-11-12 | منذ 2 شهر
أحمد الفيتوري
أحمد الفيتوري

ولدت وعشت في بنغازي، وهي بالمناسبة مدينة عاشت حرب أوروبا الكبرى الأولى والثانية، ثم في مارس (آذار) 2011، جاءت لإنقاذها قوات أوروبية، متمثلة في سرب طائرات حربية فرنسية. وقد كنت ساعتها في المدينة، التي ثارت ضد الديكتاتور، وطردته في أيام، ولاستردادها وجه لها خطاباً بدأه: حبيبتي بنغازي، وساعتها كانت أرتال قواته، المدججة بالسلاح الثقيل، وصلت إلى طرفها الغربي. خرجتُ صباح ذلك اليوم من بيتي إلى الشوارع، فبدا لي أن المدينة جبانة تنتظر جنازة، ولم يكن لها قوة ولا حيل، غير أن تُقتل على يد من خاطبها ليلة البارحة: حبيبتي بنغازي.

"السبت، 19 مارس 2011، ذكرت محطة بي بي سي أن طائرات فرنسية، تدمر دروعاً ودبابات لمعمر القذافي. وقد قالت الحكومة الفرنسية، إن 20 من طائراتها الحربية، بدأت بالفعل في فرض الحظر الجوي على ليبيا، وتم تدمير عدد من الدبابات والعربات المصفحة، التابعة لقوات القذافي. وفي وقت سابق، توقع السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة، بدء العمل العسكري ضد قوات العقيد القذافي، بعد ساعات من القمة الدولية، المقررة اليوم في باريس بشأن ليبيا. وأكد السفير جيرارد أراو، في تصريح لبي بي سي، أن القمة ستضم القوى الرئيسة، المشاركة في العمل العسكري المحتمل، وستكون فرصة مناسبة لتوجيه آخر إشارة، بعد الإنذار الذي وجه، أمس الجمعة، إلى العقيد القذافي. وتهدف القمة، التي ستعقد في قصر الإليزيه، إلى إشراك الدول العربية والأفريقية، مع دول الغرب التي تعد العمل العسكري".

هكذا تقريباً كان المبتدأ، ما دشن فرنسا في المشكل الليبي، وذلك تقريباً قبل حتى صدور قرار مجلس الأمن 1973 بساعات. أي أن المسألة الليبية، كانت منذ اللحظات الأولى شأناً فرنسياً. وهذا التوغل الفرنسي، لم يتوقف البتة بخاصة على المستوى السياسي، حيث عقدت باريس أكثر من مؤتمر حول ليبيا. لكن بالمختصر، لم يفد ليبيا ذلك الاهتمام، إن لم نقل زاد المسألة تعقيداً يعرفه كل مهتم، وحتى متابع للأخبار فحسب. مما جعل باريس، مبتدأ في المسألة من دون خبر، حتى اليوم 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، حيث تعقد باريس مؤتمراً دولياً، برئاسة ثلاثية لكل من فرنسا وإيطاليا وألمانيا. ومن الشخصيات التي أعلن عن حضورها المؤتمر، السيدة أنغيلا ميركل المستشارة الألمانية، التي تغادر منصبها في هذه الأيام، ثم السيدة كمالا هاريس نائبة الرئيس الأميركي، ليكون هذا المؤتمر أول مشاركة بارزة لها خارج القارة الأميركية.

اليوم ينعقد المؤتمر، وليبيا على باب الانتخابات في 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل. لكن الأهم أن المنطقة، التي كانت يوم المبتدأ 12 مارس 2011، في خضم الربيع العربي، هي اليوم في ظرف جد معقد، وقد استفحلت مشاكلها، في دول جوار ليبيا مثل تونس والسودان، هذا غير ما يعانيه العراق من نتائج انتخابات مسدودة حتى الساعة. وكذلك بقية المنطقة، مثل ما يحدث في القرن الأفريقي، في دولة مقر الاتحاد الأفريقي إثيوبيا.

يبين ما تقدم، أن المقاربات التي أعلن أنها ستكون على طاولة المؤتمر، وأهمها إخراج القوات التركية والروسية من ليبيا وإجراء الانتخابات، محفوفة حالياً بمخاطر مستجدة، هذا غير أن مقر انعقاد المؤتمر، ورئيسه الرئيس إيمانويل ماكرون، محملان بفشل متتابع. وهذا ما أكده ماكرون بإعلانه، أخيراً، خطأ التدخل الفرنسي في المبتدأ. فهل يعني هذا: أن ماكرون بعقده هذا المؤتمر قبيل الانتخابات الليبية، يريد فعلاً إصلاح ذلك الخطأ؟

كل المعطيات، ومنذ مبتدأ المشكل الليبي، تقول إن ليبيا "جملة السهل الممتنع"، وهذا ما بينته اللحظة الاستثنائية، حين أجمع العالم من خلال منظماته الدولية والإقليمية، على التدخل في المسألة الليبية، أي منذ 12 مارس 2011، وقرار مجلس الأمن 1973. لكن هذا أيضاً، جعل من مسألة السهل الممتنع هذه، الكشاف: أن العالم قادر على عقد المؤتمرات فاتخاذ القرارات، لكنه عاجز عن تنفيذها. وأن العالم يزداد انقساماً، حتى في أحلافه واتحاداته، مثلما حصل في الحلف الأطلسي، حيث تركيا أحد أعضائه، والاتحاد الأوروبي، حيث جعل التناطح الفرنسي الإيطالي من ليبيا مسألة الممتنع، وبالتالي في العصر السيبراني، مسألة مثلما ليبيا تقول نحن في عصر عاجز عن درء خطر الشرر، فما بالك بثقب الأوزون؟

لكن كما في غلاسكو: ما لا يدرك كله لا يجب تركه كله، وأن العالم الآن عطش لقطرة سلام، من هنا فإن مؤتمر باريس، بحاجة للنجاح ما في اليد، وأن المبتدأ بحاجة إلى الخبر لتكتمل الجملة. وعليه السلام في ليبيا بالإمكان، وهذا ما يعني الخروج من بوتقة الحرب، التي من السهل تعميمها، وأعتقد أن المطلوب من مؤتمر باريس، أن يكون الأخير، لأجل العالم، وليس من أجل ليبيا فحسب.

 

*كاتب ليبي

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس

اندبندنت عربية



مقالات أخرى للكاتب

  • نهايات لم تنتهِ وبدايات معلقة!
  • 2022... كل سنة وأنتم طيبون
  • حال البين بين!





  • كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي