ما بعد الجائحة
2022-07-01
أحمد الفيتوري
أحمد الفيتوري

إذا كان من الحكمة إدراك أن المنجمين يكذبون ولو صدقوا، فمن الحكمة أيضاً اعتبار التوقعات نوعاً من "ضرب الودع"، فأن تخص التوقعات الإنسان، أي أن "يكون الإنسان في آن واحد ذاتاً وموضوعاً لنفسه"، ففي هذه الحال المتشابكة، لا يمكن التأكد من المنطلقات، فما بالك بالنتائج؟ ومن هنا، فإن من الخطأ الاعتقاد بأن علم الإحصاء مثلاً سيتكفل بالمهمة، وتبيّن استطلاعات الرأي هذا الخطأ الفادح، إذ تتحول في كثير من الأحيان إلى "ضرب ودع" ومهزلة فادحة. كما حصل مثلاً في الانتخابات الأميركية عند ترشح ترمب ضد السيدة كلينتون، فعندها انقلب السحر على الساحر، وفاز بكرسي الرئاسة من لم يرشح أحد فوزه.

في السياسة والاقتصاد، كثيراً ما تتباين المعطيات، ويحصد من لم يزرع، بحيث نزرع القمح لكننا نحصد بيض الجان! وبعد الجائحة، كانت التوقعات تشير إلى انتشار البطالة، بالذات في المجتمعات الصناعية والثرية، بيد أن الأخبار تتناقل نقصاً في العمالة.

في الكويت مثلاً، ذكرت محطة تلفزيونية في تقرير إخباري، أن النقص في العمالة وصل إلى 30 في المئة، وتخللت التقرير آراء لبعض المواطنين، ذكروا أن بعض الخدمات تعاني أكثر، مثل المقاهي والمطاعم وورش الصيانة وما في حكمها. أما ألمانيا، فأخبارها السيئة في ازدياد، فالنقص في العمالة طال المطارات، كما حصل مع بريطانيا، التي واجهت صعوبة حادة في توزيع الوقود للنقص الحاد في سائقي الشاحنات، حتى اضطرت إلى الاستعانة بالجيش.

في أميركا، حديث عن ملايين العمال والفنيين والموظفين الذين تركوا وظائفهم، في حين يظل التضخم مركز الأخبار، فالارتفاع الحاد في الأسعار تجاوز أرقاماً مرصودة من قبل، وفي الوقود دم أميركا. والسؤال هو كيف يمكن أن يحدث تناقض كهذا: شيطان الغلاء تقابله ملائكة الراحة وترك العمل؟ بعض من الأميركيين ممن وُجه إليهم السؤال، أرجع المسألة إلى كورونا، فالجائحة إنذار أو نبي اليقظة. أسرة أميركية تتكون من زوج وزوجة وطفلين، الزوجان وجدا نفسيهما بعد الجائحة أسيرَي إله الاستهلاك، فقررا الكفر بذلك الإله، واتفقا أن يعمل واحد منهما، هو صاحب المرتب الأكبر. ومثل هذه الأسرة كثير، ممن تخلوا عن وظائفهم بطيب خاطر.

هل يمكن القول إننا أمام ظاهرة مستحدثة تطرح للنقاش مفاهيم سابقة عن المجتمع الاستهلاكي، أم أن ما يحدث مجرد موضة من تجليات هذا المجتمع؟ ولتكتمل الصورة فإن جائحة كورونا، وقد أحدثت اضطراباً غير معهود في المجتمعات الإنسانية، أعقبتها جائحة الحرب الأوروبية، التي تهدد البشرية بالجوع في الآن ذاته، وبرعب الإخلال بتوازن الرعب في أية لحظة.

لقد خلخلت الجائحة الحياة البشرية، وإضافة إلى ذلك، ضربت بعرض الحائط المقاربات والتوقعات لما بعدها، وإذا ما أضيفت جائحة بوتين، فإن القدرة على الاستقراء والاستبطان، في هذه الحال، مصابة بالرشح. وكل معقبات كورونا، الكاشفة الفاضحة، عن عجز الدول الكبرى قبل الصغرى، وعن لا عقلانية العقل البشري عند الجوائح، تضافرت مع ساحة الحرب في أوكرانيا، ثم تمظهر هذا التضافر في تضارب الأخبار، وتكشف عن أن ما عند جهينة مزيد من الشكوك، وليس الخبر اليقين.

الخبر: قلعة خيالية، قصر إلماو في بافاريا جنوب ألمانيا، يحتضن "قمة السبع"، القصر يُعرف بأنه مكان الاختباء، وتكاليف عقد القمة بحسب "DW"، 180 مليون يورو، وأوكرانيا ومخاطر التضخم تتصدران أعمال القمة، أما ما تنقل الصور، فمناظر خلابة زاهية، وقد سخر زعماء مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى، الأحد، من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ولدى جلوس الزعماء الذين يرتدون ملابس رسمية على مقاعدهم في أول اجتماع لقمة المجموعة، سأل رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إن كان عليهم خلع السترات وما تحتها أيضاً. ونقلت "رويترز" عن جونسون قوله، "يجب أن نظهر أننا أشد بأساً من بوتين"، في إشارة إلى صور الرئيس الروسي عاري الصدر، ما دفع بعض الزعماء إلى الضحك.

الخبر الآخر: لقي 46 مهاجراً مصرعهم بسبب اختناقهم بمقطورة شاحنة في ولاية تكساس الأميركية، في ظل ارتفاع درجات الحرارة. وفي الخبر الآخر: قال المغرب إن 18 مهاجراً لقوا حتفهم عندما اقتحم ما يصل إلى ألفي شخص السياج الحدودي بين المغرب ومدينة مليلية الإسبانية، في محاولة لعبور الحدود إلى الجيب الإسباني بشمال أفريقيا، يوم الجمعة 24 يونيو (حزيران)، بعد مناوشات عنيفة استمرت ساعتين، بين مهاجرين وقوات حرس الحدود، أدت أيضاً إلى إصابة العشرات.

الدول السبع التي تعاني التضخم وبوتين، تعاني أيضاً نقص العمالة. لكنها لا تعاني البتة في اعتبار المهاجرين غير شرعيين. وتقوم بالمساهمة المباشرة أو غير المباشرة في قتلهم. في البحر المتوسط أو القنال الإنجليزي أو بين اليونان وتركيا. وطبعاً عند حدود الولايات المتحدة. ويضاف هذا إلى جرائم الحرب التي يقوم بها بوتين، باعتباره جريمة أيضاً ضد البشر، لكنها من الجرائم المسكوت عنها.

لقد كنت أتابع هذه الأخبار، التي تنبئ بأن البشرية في خطر، لكن في الساعة ذاتها، ومن خلال "قمة السبع"، يبدو الأقوياء، وكأنهم يشاهدون مسرحية كوميدية مسلّية ليس إلا.

 

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن موقع الأمة برس-اندبندنت عربية



مقالات أخرى للكاتب

  • أنت لمن؟
  • الخطر شرقاوي وليس إسلاميا
  • ليبيا الروسية!





  • شخصية العام

    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي