قُبلَة غير مرغوب فيها
2021-05-17 | منذ 1 شهر
 بروين حبيب
بروين حبيب

لا أذكر أني صدمت حين قرأت قصّة الثلجة البيضاء (أو بياض الثلج) والأقزام السبعة، وهي قصة قرأتُ طبعاتٍ كثيرة منها، كلها تنتهي نهاية سعيدة، حين يظهر الأمير في ختام المشهد القصصي، ويفتح التابوت الزجاجي، ويقبل بياض الثلج فتستيقظ من «نومها المميت» الذي حدث، جرّاء قضمها لتفاحة مسحورة قُدِّمت لها من طرف المشعوذة الشريرة.

لم تصدمني القبلة، التي صدمت كاتبتين أمريكيتين ندّدتا في عموديهما في جريدة «سان فرانسيسكو كرونيكل» بها، لأنّها بشكل ما فُرِضت على بياض الثلج، وتمت ضد رغبتها، مع أنني ابنة مجتمع محافظ.

هكذا أثارت كلٌّ من كاتي دود وجولي تريمين جدلا في الفاتح من الشهر الحالي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إثر افتتاح معلم جديد في «ديزني لاند بارك» بعد أربعمئة يوم من الإغلاق، مُركِّزتين على فكرة القبلة، التي اختلسها الأمير، دون أي تبادل للمشاعر نفسها مع الحسناء النائمة.

القصة الخرافية التي كتبها الأخوان غريم، ضمن مجموعة من القصص التراثية التي كانت تروى في ألمانيا، تم تعديلها كما أغلب قصص الأخوين غريم، لتناسب كل حقبة زمنية، وتتماشى مع الأفكار التربوية الجديدة، لكن كون القصة جزءاً من المخيال الشعبي، ظلّت بنودها الأساسية دون تغيير، واعتبرت النهاية سعيدة ومفرحة ومقبولة لكل الحقبات، لكن هل فعلا هي كذلك في زمن حركة «مي تو»؟ والثورة النسائية على التحرش بكل أنواعه؟

لنتذكر معا، أنّ ثمة نقاط تشابه بين هذه القصة وقصص أخرى، مثل تكرار الرقم سبعة، ونوم الأميرات، الذي يحتاج دوما لأمير مغامر ليستيقظن، والشوكة التي قد تكون ملعونة، ونقاط الدم الثلاث، والساحرات الشريرات، والجنيات الطيبات، وغيرها من العناصر المتكررة في مسارات الأحداث عند الأخوين غريم، ثم الشيء الثابت في الغالب هو، هذا الأمير المنقذ للأميرة المظلومة، وربّما هو أكثر ما أزعج الكاتبتين الأمريكيتين، والناشطين على السوشيال ميديا.

على الرُّغم من أنّ بعضهم أثار نقطة أخرى. أليس الأجدر أن نغضب لأن بياض الثلج تم تسميمها وتركها ميتة من طرف السّاحرة؟ لماذا لم يُقلق هذا الأمر ناشطين ومدافعين عن حقوق الإنسان وحق الطفل ومناهضة العنف بكل أشكاله؟

وفقا للكاتبتين فإنّ ديزني التي حوّلت القصة إلى فيلم في ثلاثينيات القرن الماضي، القصة التي لعبت دورا مهما في التّرويج لأفكار سيئة للأطفال، حان الوقت لتغيّر من أفكارها، خاصة أنها عملت على تحوير أحداث كثيرة في قصص أنتجتها سينمائيا حتى لا تصدم مشاهديها من الصغار والكبار.

فكرة تجسيد القبلة غير المرغوب فيها وصفتها الكاتبتان بـ»المتخلِّفة» حول ما يُسمح للرّجل بفعله للمرأة، وتقترحان نهاية مغايرة تكون أكثر تحضُّرا. فئة شاسعة من مستخدمي تويتر استنكرت استخدام ثقافة الإلغاء هذه، والمساس بتراث يشهد على المحتوى الأدبي في الماضي.

في ما قدّم البعض نهايات ساخرة للقصة على نسق أن يرمي الأمير سطل ماء بارد على الحسناء النائمة، أو يطلق زمورا قويا من بوقه، في ما تساءل البعض هل كانت الكاتبتان ستعترضان لو قام الأمير بإنعاش بياض الثلج بالطريقة الفموية التقليدية؟

هذه ليست أول مرة يُثَار فيها موضوع كهذا، فمنذ سنوات بدأت تُقَدّم اقترحات لكتب مناهضة للتحيُّز الجنسي، بدءا برفض تخصيص اللون الوردي للقصص الموجهة للإناث، والأزرق للذكور، وتعويض فكرة الأميرة المسجونة أو المظلومة، بفكرة أخرى لا تمجّد من قوة الذكور وضعف الإناث، فالأمير أيضا بإمكانه ان يعيش في ورطة، ويمكن للأميرة أن تنقذه. يُشيد البعض بقصّة «الجميلة والوحش» لأنّها عكست الآية، ووضعت الأنثى في موضع المُنقِذ.

إن فكرة أن الأمير هو المنقذ الوحيد للحسناء الفاتنة الواقعة في مصيبة، تغرس في رؤوس الفتيات أنهن عاجزات لتخليص أنفسهن من الورطات التي قد تواجههن في الحياة، خاصة أن أغلب هذه القصص المفعمة بهذا المحتوى، تُحضّرهن لعمر النضج، أي أنها بشكل غير مباشر تهيِّئهنّ لمستقبلهن بخطّة حياة اتكالية محضة على الرجل، وهنا تكمن خطورة القبلة غير المرغوب فيها، كونها تتكئ على تقدمة جسدية من المرأة للرجل، مقابل الحصول على خلاصها.

إن كان هذا هو التفسير الذي يقدمه مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي بكل أصنافهم، فإن أحد أقدم وأشهر المؤلفين، الذين كتبوا في هذا الموضوع، المحلل النفسي برونو بيتلهيم (1903 – 1990) قال، إن الاعتقاد بأن الحكايات الخيالية قصص سخيفة غير هادفة اعتقاد خاطئ.

في كتابه «التحليل النفسي لقصص الجنيات الموجهة للأطفال» وجد أن لتلك «الحكايات قيمة علاجية للأطفال، كون محتوياتها ورسائلها الخفية توجه الطفل لاكتشاف المعنى العميق للحياة، وإثارة فضوله».

فالقارئ الصغير لديه رؤية مغايرة تماما عن رؤية القارئ الكبير، ووفق المؤلف الذي نشر كتابه عام 1979، فإن «الكتاب موجّه للبالغين لفهم أهمية الحكاية الخرافية للأطفال» من خلال عرض العديد من الحكايات الشعبية مثل «بياض الثلج» و»الأقزام السبعة» و»سندريلا» و»الجميلة والوحش» وغيرها، مع تركيز بشكل خاص على الموضوعات الرئيسية مثل عقدة أوديب، والتنافس بين الأشقاء، وأهمية الحب في الحياة، ويوضح كيف تستجيب هذه الحكايات لمخاوف الأطفال حسب تصوّرهم غير الناضج للأمور.

بمجرّد بدء سرد الحكاية على الطفل بمقولة «كان يا ما كان» ينتقل إدراك الطفل إلى عالم خيالي تحكمه المتعة، وبمجرد انتهائها يعود للواقع الذي تحكمه القيود اليومية المرتبطة بالتنشئة الاجتماعية، التي وفقا لبرونو بيتلهيم لا تسمح بإصدارات أخرى.

في إحدى فقرات كتابه يقول: «كل حكاية خرافية هي مرآة سحرية تعكس جوانب معينة من كوْننا الداخلي، ولخطواتنا المطلوبة لمرورنا من مرحلة عدم النّضج إلى مرحلة النّضج». وهْمُ البالغين يبدأ من هنا، حين يعتقدون أن ليس هناك خيط فاصل بين الواقع والخيال، على الرغم من أنّهم كانوا أطفالا ذات يوم، وعلى الرغم من رؤيتهم لأحلام بالأبيض والأسود تفوق قصص الخيال خيالا، وهذا يعني أن كل سرد مرتبط بمخيلة عميقة تختبئ في أعماقهم.

يطالب الأطفال بقصص يوميا، والمحظوظون منهم فقط يحظون بقصص من محيطهم العائلي، سواء بقراءة الكتب أو سرد ما توفّر لهم من ميراث شعبي شفوي. يُفتَتَن الأطفال بقصص العائلة الغريبة التي يروونها عن أشخاص يعرفونهم، ويطلبونها باستمرار، وإن لم يجدوا من يشبع رغبتهم هذه يبتكرون قصصهم الخاصة فقط حاولوا الإصغاء إليهم وستكتشفون ذلك. الهوس بالحكايات مرتبط بقلق أو مشكلة داخلية، غالبا ما تكون خوفا أو رهابا، وهي تريحه، وتقدّم له الإجابات والنهايات المطمئنة، فلا مصيبة أو مشكلة تدوم للأبد.

سنة 2017 قامت محامية بريطانية بالمطالبة بتغيير نهاية قصة «الأميرة النائمة « وشطب القبلة التي أيقظتتها، بعد أن أصابها الهلع حين وجدت ابنها ذا الست سنوات يطلع عليها، لكنّها لم تثر زوبعة إعلامية كما فعلت الأمريكيتان.

لكن إن عدنا للعقل ولم نتكئ حتى على التحليل النفسي للحكاية الخيالية، بكل ما تحويه من أحداث غريبة، فإن لكل شخص رؤية مختلفة لما يقرأ. تولّد معاني جديدة للحكاية نفسها اعتمادا على عمر القارئ، وتجربته، وخلفيته الثقافية والاجتماعية، سواء للبالغين أو للأطفال. تفسير الحكاية مرتبط باحتياجات القارئ اللحظية.

اللافت في هذا الموضوع بالذات، أنّ الأطفال في زمننا الحاضر يسخرون من قصص خرافية كهذه، وهي قصص وَقَعْنا تحت فتنتها ذات يوم، حين كنّا في أعمارهم. نعم، قد تكون ممتعة لهم، لكنّهم مقتنعون تماما أنها مجرّد خيال، كونها تُروى مع كم هائل من القصص المبتكرة وفق معطيات العصر الجديدة.

إن مشكلة القبلة غير المرغوب فيها في قصة «بياض الثلج» تبدو لنا تافهة أمام فتاوى تُجيز زواج القاصرات في بعض بلداننا، يحارب الناشطون منذ عقود لتغييرها دون جدوى، والقائمة طويلة في ما يخص الاعتداءات المسموحة ضد الطفل والمرأة بدءا بالنصوص الشرعية والقانونية، إلى القصص الشعبي والنصوص الروائية والدراما والسينما وهلُمّ جرّا…

 

  • شاعرة وإعلامية من البحرين

*هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن الأمة برس



مقالات أخرى للكاتب

  • لا أطيق الانتظار
  • مقبرة الذكريات السيئة
  • بالأبيض والأسود إلى أن نؤمن بالحب

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي