الكرسي المسحور
2020-11-28 | منذ 2 شهر
غادة السمان
غادة السمان

ثمة كرسي حلت عليه «لعنة السحر»، إذ إن كل من يجلس عليه عدة أعوام يعجز عن النهوض عنه إلى كرسي آخر عادي.

وأعني بالكرسي المسحور كرسي الرئاسة الذي لا يخضع لسحره الجميع.. أما بعضهم فيصير مدعاة للسخرية لإصراره على البقاء جالساً عليه.

وآخر مثال على ذلك رئيس الجمهورية السابق للولايات المتحدة الأمريكية U.S.A السيد ترامب، المصر على البقاء جالساً على كرسي الرئاسة حتى بعد هزيمته في الانتخابات، وبالتالي إرغامه على ترك الكرسي للرئيس الجديد جو بايدن.

وأنا هنا لا أقارن بين بايدن وعاشق إسرائيل ترامب، الذي نقل سفارة U.S.A إلى القدس على الرغم من أنف الشعب الفلسطيني المناضل للحصول على حقوقه. كما قدم ترامب خدمات أخرى لنتنياهو (الحبيب) وكلها على حساب الشعب الفلسطيني البطل الذي لا يستسلم، وكان ترامب (مستقوياً) بالكرسي المسحور الذي يجلس عليه كرئيس U.S.A.

جو بايدن يتعهد بحل الدولتين؟

لا أعرف شيئاً عن أفعال الرئيس الجديد بايدن غير أنه تعهد بحل الدولتين في فلسطين (والكلام شيء والتنفيذ شيء آخر) ولكنني أعرف أنه حان الوقت لاعتراف ترامب بأنه هزم في الانتخابات وأن عليه أن ينهض عن كرسي الرئاسة ليجلس عليه بايدن.

ترامب يجد الذرائع كلها ليظل جالساً على الكرسي المسحور، ويتذرع بالتزوير ضده وبذرائع مشابهة، مهدداً بالمحاكم الدستورية في U.S.A.

ترامب ما زال ملتصقاً بالكرسي ويحب إكمال مشروعه في «صفقة القرن» أو «التطبيع»، بل هو جالس في الكرسي المسحور ولا يستطيع النهوض عنه على الرغم من الكثيرين الذين ينصحونه بذلك ويذكرونه بأن ولايته ولت وعليه الاعتراف بالحقيقة.

وشهد شاهد من أهله

ها هو مدير مكتب جريدة «الغارديان» البريطانية في واشنطن ديفيد سميث، يصف ترامب بعد خطابه الأخير المحرض على العنف لصالحه بأنه «رجل متسلط وخائف»، وأضاف تعليق «الغارديان»: ترامب يشعر بالسلطة وهي تتلاشى بدون أي رحمة.

أما كتاب ماري ترامب عن عمها فلم يجامله، وعنوانه يشي بمحتواه، وهو: لديه كل شيء، ولا يكفيه أي شيء!

ولكن ترامب صار ضحية لسحر الكرسي الذي لا يكاد بعض الرؤساء يجلسون عليه حتى يعجزون عن النهوض عنه، والأمثلة العربية لا تعوزنا.

 الاحتفال بالفوز قبل الانتخابات!

ذات يوم تلقيت من إحدى السفارات العربية في باريس دعوة للاحتفال بفوز رئيس جمهوريتها في الانتخابات بولاية ثانية، الطريف (أو المحزن) أن تلك (الانتخابات لم تكن قد حدثت بعد!).

وأنه تم اختيار الرئيس بنفسه أسماء لمنافسيه بالاتفاق معهم (!) حرصاً على المظاهر القانونية الدستورية!

إنها لعنة «الكرسي المسحور» الذي يجعل الحاكم يتوهم أن الناس أغبياء وكل شيء يهون شرط أن يظل ملتصقاً بالكرسي.

سحر الكرسي وجمهورية (ملكية)

في عالمنا العربي وجد البعض حلاً لسحر الكرسي، وذلك بتوريثه لابنه، فهذا الكرسي لن ينهض عنه إلا إذا جلس عليه ابنه مثلاً وظل يحمل اسمه بمعنى ما.

والطريف أن الحاكم عاشق الكرسي يكون قد وصل إليه بانقلاب على ملك ما، وها هو من جديد يعيد «العهد الملكي» بتوريثه «لولي العهد» الجمهوري ابنه. فالكرسي المسحور لا يستطيع إلا أن يدفع البعض إلى حكم ملكي جديد ولكن بقناع جمهوري بعد انتخابات هزلية.

ولعل الملكية في تلك الحالة أفضل وأكثر صدقاً علنياً، إذ يحتل الكرسي ابن الحاكم دونما مهزلة الانتخابات المزورة سلفاً.

من هو الجني الذي سحر الكرسي؟

اسمه ببساطة عشق الذات، واعتبار الكرسي ملكية شخصية. ولكن ترى ما هو المعجون اللاصق السحري الذي يجعل من يجلس عليه لا ينهض عنه كما هي حال السيد ترامب مع رئاسة أقوى دولة في العالم U.S.A؟

السيد ترامب وتحليل السلاح

لم يحاول السيد ترامب خلال فترة ولايته تحريم السلاح الشخصي ووقف ذلك على رجال الشرطة والجيش (وهو ما نحلم به في لبنان بعدما تعبنا من ديكتاتورية سلاح الميليشيات المختلفة) ولكنه، أي ترامب، انحاز إلى عشاق حمل السلاح الشخصي، وها هو طفل في الثالثة من عمره يموت برصاص مسدس كان يلهو به في عيد ميلاده.

حدث ذلك مؤخراً في تكساس الأمريكية، ولم يفعل ترامب شيئاً لتحريم الأسلحة الشخصية لدى ثلث البالغين في أمريكا (أي الملايين).

وذلك لا يدهشنا من الرئيس الذي ترك إسرائيل تتسبب في موت مئات الفلسطينيين في السجون، وتهدم بيوتهم، وتحرق زيتونهم، وتبخل عليهم بالعلاج من الأوبئة في الزنازين.

وباختصار، لا نعرف ما الذي سيصيبنا نحن العرب من الرئيس بايدن، لكننا نعرف المصائب التي ألحقها بنا الرئيس المتمسك بالكرسي المسحور «ترامب».

باي باي ترامب!

حتى لحظة كتابة هذه السطور لا ندري هل سينجح ترامب في إثبات ادعائه أن الانتخابات الأمريكية الأخيرة مزورة، وهل سيطيعونه (وهو الملتصق بالكرسي السحري) في إعادة عد الأصوات التي صوتت في الانتخابات، أم سيضطر لقول «باي باي» للبيت الأبيض وللكرسي السحري في غرفة الرئاسة البيضاوية؟

وعما قريب سنعرف هل سيظل الرئيس بايدن في الكرسي إياه بعدما تلقى اعتراف الكثير من الأقطار الدولية الكبيرة به، كفرنسا وإنكلترا وكندا وسواها كثير، أم أن رجل الأعمال ترامب سينجح في قلب الكرسي المسحور على رأس بايدن ليعود إلى الجلوس عليه؟

 

*المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع



مقالات أخرى للكاتب

  • باي باي 2020: لن نفتقدك!
  • متى كان "بابا نويل" أسود البشرة؟
  • يا همنغواي: لم تعد باريس عيدا متنقلا!

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي