سور اليونان وحصان طروادة!
2020-10-23 | منذ 1 شهر
أحمد الفيتوري
أحمد الفيتوري

تحت حصار كورونا، نتابع الأخبار التي تحاصر البشر المحاصرين، والغريب أن الأخبار كالزمان، تأتي كنسج على المنوال، فالخبر هو الموت لا الحياة. ولذا تحول فيسبوك إلى "منصة عزرائيل"، حيث أمسى منصةً لأخبار الموتى ولتلقي العزاء، بعد أن بات مبدأ "لا عزاء مباشر" محموداً. وبعد تتوالد الأخبار وتتالى، حول العودة الميمونة إلى العصور الوسطى، ببناء الأسوار وتحول البلدان إلى قلاع ودول محصنة.

آخر خبر في هذا الخصوص، أن اليونان شرعت في تشييد إنجازها التاريخي، فأثينا لن تنطلي عليها الحيلة التركية، بأن تدفع لها بـ"حصان طروادة المهاجرين"، لذا بدأت في إنشاء جدار على حدودها مع الأتراك. ذلك تيمناً بالجدار الإسرائيلي حول "الغيتو اليهودي"، ومن سار على ذات الصراط، من المجر حتى أميركا، سور ترمب مع المكسيك... وهلم جرا.

وغدت الدول الكبرى وتوابعها تنشئ حصون عهد الإقطاع، وفي نفس الساعة رأسمالية تلك الدول، تروج لأيديولوجية العولمة، التي مما تعنيه، فتح الأبواب وتحطيم الحدود، بخاصة بعد النجاح في هدم سور برلين في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1989، مع "نهاية التاريخ!"، كما عند المفكر الأميركي "فوكو ياما".

من هذا جعلت "تركيا أردوغان"، من "الهجرة اللا شرعية"، درعاً لحروبها لاستعادة مكانتها. وكانت كما زمن "الرجل المريض"، اليونان بوابةً لهذه "الحرب– الاستعادة". اليونان التي عانت من آثار العولمة، حتى شفا حفرة من الإفلاس والانهيار. كان ذلك يحدث والخصم التركي يستعيد الأنفاس بدعم أميركي! إذاً هذه الخصومة التاريخية تستعاد، في شرق المتوسط، ما اتضح أنه كنز مرصود. وما زاد الطين بلة، هو أن اليونان غدت بوابة أوروبا في هذه الحرب، في زمن باتت العزلة فيه، وسيلةً مستعادة من العصور الوسطى، حيث تستلهم الأبواب القديمة وتستدعى كواجهة وخندق أمامي، وغير الإغلاق يتم هدم الجسور وحفر الخنادق.                   

إذاً هذه الأسوار تعد بمثابة عزلة، في مواجهة تيار الانفتاح الذي تستدعيه العولمة، وإن جاء بشكل نزوح وهجرة، مسببها الرئيس ودافعها العولمة نفسها، سواء بما نشأ في الطبيعة من عمل لا طبيعي، أسهم في تكوين ثقب الأوزون وآثاره على الأرض، أو ما حصل من حروب صغيرة، كانت حروباً بالوكالة، كما الحرب البديلة للحرب الباردة. هذه الحروب التي اختزلت حيناً بالحرب ضد الإرهاب الدولي، وحيناً آخر لمواجهة الهجرة اللا شرعية، ما يعد اصطلاحاً للحرب بين الشمال والجنوب.

وخلال هذه الأيام، التي جاء فيها خبر يسعى حول سور اليونان، بالمصادفة البحتة بث "تلفزيون لبنان"، حلقةً قديمة، أي بالأبيض والأسود من عام 1971، من برنامج للمذيعة الشهيرة خلال عقد السبعينيات، ليلى رستم. وكانت الحلقة حواراً مع المفكر اللبناني "شارل مالك" الذي يوصف بالانعزالية، لكن المفكر المستنير كان يرى أن العرب ولبنان موصومان بالعزلة، ويرى أن العزلة شائنة ومسبب رئيس في موت الحضارات، ورأى أن المشكلة الرئيسة للبنان هي العزلة التي يعيشها، ودعا إلى الانفتاح. وبين زمن هذه الدعوة وزمن العولمة عقود، تحققت فيها دعوة شارل مالك إلى الانفتاح عالمياً، وذلك من خلال ما اصطلح على تسميته بالعولمة.

لكن هذه العولمة التي نشأت محطمةً للحدود، أمست تنشئ الأسوار. ما جوهرها الانفتاح ظهر أنها مدعاة للعزلة. وباتت العزلة على نمط "الغيتو اليهودي"، خير حصن في زمن العولمة. وكأن العالم مسرح عبث، التناقض يحف به بقيادة الرأسمالية الأميركية، التي تقود مركب العولمة، وسط بحار وحدود مفتوحة. في عالم كهذا يفتقد إلى الحد الأدنى من التعقل والمعقولية، تنشأ الأسوار، وقد تحولت الأرض، في عصر السيبرانية، إلى غرفة واحدة.

وفي تعليق للمفكر الفرنسي "ريجيس دوبريه"، على هذه العولمة المسورة، قال إنها تستدعي إقامة الجدران المكهربة، والمراقبة عن طريق الفيديو ضد تهديدات، منها التدفق البشري من الجنوب إلى الشمال، حيث تفرض عليه قيوداً صارمة، ولكنها تمنح السلع التي تنتجها، حريةً مطلقة في المرور إلى الجنوب. ويعلق على ذلك أيضاً، بأن البشر حين لا يعرفون من يكونون، يصبحون على خلاف مع الجميع، ومع أنفسهم قبل كل شيء، ويتسم سلوكهم بعدم المعقولية، إذ يخطون إلى الأمام خطوتين وإلى الخلف خطوة. وجاء ذلك في سياق محاضرة ألقاها في البيت الفرنسي- الياباني في طوكيو عام 2010، وصدرت في كتيب من 79 صفحة متوسطة القطع، بعنوان "في مديح الحدود"، كهدية مع مجلة الدوحة، وبترجمة الكاتبة السورية ديمة الشكر.

فهل حقاً حسب ريجيس، نحن في عصر لا يعرف البشر فيه من يكونون؟

 

*المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع



مقالات أخرى للكاتب

  • كوب ليبيا الناقص!
  • انتخابات كورونا
  • الكتابة في زمن كورونا!

  • التعليقات

    لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

    إضافة تعليق





    كاريكاتير

    إستطلاعات الرأي