«طوق الياسمين» لواسيني الأعرج :البحث عن الهوية المنسية

2021-03-30 | منذ 1 شهر

رشيد سكري*


من سمات أدب واسيني الأعرج الصور التعبيرية ذات النبع الصافي؛ غايتها أن تقربنا أكثر فأكثر من نبض واقع فج يستعصي استضماره. فعلى المستوى اللغوي لا يتنازل واسيني، في كثير من انتاجه، عن معطفه الصوفي الشبيه بمعطف غوغول. الذي خبره جراء تجربته في الحياة واللغة والكتابة؛ فهذه الروافد الثلاثة، تأخذه خببا نحو ممارسة طقوس العشق والحنين والموت.
في روايته «طوق الياسمين» محجة حقيقية نحو الصبابة والصب في اختراقهما الأزلي للأديان السماوية. ومن خلال الشوق نعبر نحو الكمال والتسامح، الذي يضمن استمرارية الوجود البشري. غير أننا عندما نطل بكل هذا الزخم والحمولة العقائدية على الإبداع، تكون رواية «طوق الياسمين» سباقة إلى إطلاق رصاصة الرحمة على فكرة الصراع بين الحب والأديان.

تلك القبور المنسية

وقفت «سلفيا»عاشقة الجمال والحب، تنتظر عيد عشاب، أن يبوح لها بكل أسرار العشق والحب. فكما ألفنا واسيني لا يستقيم عود حكيه، إلا بالعزف على وتر التصوير؛ الشبيه بلوحات فان كوخ البائسة. وفي هذا يجعل من الأدب أدبا حقيقيا ذا بعد تخييلي واسع الضفاف والأركان. يقول في «طوق الياسمين»: «هي هي لم تتغير كثيرا… واقفة على القبور المنسية، مختبئة في المانطو الداكن الفضفاض، وعلى رأسها قبعتها السوداء، وشاش خفيف كان يغطي وجهها بالكامل، مثلما تعودت أن تفعل كل جمعة منذ قرابة العشرين سنة». هذا الحاجز المتأصل في الذات، بسبب غربة الأديان، لم يثن عيد عشاب من البوح بأسرار الحب، ووصف المكان الشاهد على اللقاءات المتكررة، وفي ذلك إصرار على هذا الاختيار الصعب، أو الموت في أحضان المحبوب. ففي القصتين عشق وقفز على المسـَلم والبديهي المألوف، كأن يرفض السارد الارتباط الأبدي بعقد الزواج الذي سيربطه بمريم، وهي التي منحته من الصبر ما يملأ الكون نورا وألوانا. فكان اختيارها ليس فعلا؛ وإنما ردة فعل غالبا ما تكون بطعم الهزيمة والنكوص. فاستمرت العلاقة رغم زواج مريم؛ مسك الخسارة.

ساروجا الحي الدمشقي الشقي القديم؛ مهبط الوحي مهبط الأرزاء، كانت تنزل فيه الوصايا العشر، ولا شيء استطاع أن يقف أمام الطوفان الغادر… «إياك ثم إياك أن تسلميه جسدك قبل أن يشتريه منك بعقد الزواج». لم تكن وصايا الأخت «خيرة» سوى طعنات في وجه الثقافة السائدة، التي تنخر كالسوس، المجتمعات العربية، إنها علاقة غير متكافئة بين فاعل ومفعول به. الآخر، هكذا كما قال جان بول سارتر، الجحيم؛ كوابيسُ أحلام متناثرة على حافة طريق الموت. عيد عشاب، في طوق الياسمين، لا تستقبله سيلفيا، كما تستقبل مريم السارد؛ فالابتسامة لا تفارق محياها طمعا في القادم الناشئ. تتركين الابتسامة، أيتها المغرورة، تتزحلق على وجهك كالموجة البحرية الهاربة، في هذه العبارات يسكن العشق والنور؛ لكن الموت يخطف العناصر، ويحد من الوهم. إنه لحظة الحقيقة، التي يواجهها المرء دون خوف أو وجل أو تردد؛ هذا ناموس من نواميس سيد المتصوفة وقيصرها العملاق كالطود العظيم؛ محيي الدين بن عربي.

فالموت موتان؛ موت ابن عربي وموت عيد عشاب، إذا ما كان للعبور معنى يرتجيه نحو المعبر الآخر. يقول واسيني «لا يتذكر أحدا إلا جده، شيخ حي الزاوية وابن عربي ومأساة الحلاج وسيلفيا وبؤس الأديان» هذه عناصر الكون يخلق منها أحلاما وكوابيس، مارة عبر ما تفعله الفلسفة الوجودية بالمتفلسفين الجدد، والأسئلة الحارقة التي تتناسل في عباءة دونكيشوت ديلامنشا. إنها الخسارة التي ركبتها مريم، ستتعلم من المطحنة، ما تعلمه حنا مينه من مدرسة الحياة، وهو في جوف الشارع يعب برد ديسمبر/كانون الأول المطير. وأكيد أن مريم ستسدل، على ركح أسودَ، ستارها الأخير.

دين الحب

كان رُوَاء «طوق الياسمين» يطل عبر الأشـُنة والغياض؛ مساحات شاسعة من الصبابة والكلام. فمن أجل أن يحس القارئ بثقل المحكي، وعبوره الآمن نحو الحقيقة المنسدلة على رقعة الفناء، استعان واسيني بالفن السابع منتصف الستينيات من القرن الماضي. فما كان فيلم «الصحراء الحمراء» لبطلته الممثلة الإيطالية مونيكا فيتي، إلا صورة لما يعيشه عيد عشاب وسيلفيا من اضطرابات الحياة الشخصية، وصدامها مع واقع حرون وقاس. من هذه الحدوس جميعها، صور ساقها واسيني الأعرج، عبارة عن تشبيهات واستعارات نحيا بها في حياتنا اليومية، غير بعيدة عن المألوف والاعتيادي، قريبة من أجسادنا، خصوصا عندما نهتف بأعلى صوتنا في وجه هذا الظلم، في وجه هذا الفساد. في حي الإطفائية مناضل غريب المظهر، يقول واسيني «تتدلى منه لحية حمراء كثة، وشاربان طويلان مثل فلاح لبناني» في اللون كشف للهوية، أهي إسلامية أم غير ذلك؟ الهوية هي الهوية الله معك. نتدلى عبر مسارات منحدرة في الحكي، نحو هذا العمق الأزلي، بيد أننا نحس بالغبن والشماتة، بلاد العرب أوطاني، نشيد رددنا تفاصيله قديما ومنذ الصغر.
رواية «طوق الياسمين» لم تكن للصبابة والحب فقط؛ وإنما تحفر فينا أخاديد ابن عربي والحلاج. وبها تنكشف الذات أمام ذاتها، والصورة أمام صورتها، والهوية المنسية أمام هويتها. إننا، بذلك، أمام التحول في العزلة والغربة، وما ينتج عنهما من ظلم وحسرة وفراق وموت.

*كاتب مغربي



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي