نساء في غرفة فرجينيا وولف: "قراءة المتن عبر الهامش"

2021-03-20 | منذ 2 شهر

فدوى العبود*

لعلها مفارقة أن أهم النصوص الأدبية نتاج نفوس ممزقة، وأعظم الفلسفات صدرت عن عقول مضطربة. وكما ينبثق الشك عن اليقين، يمكن للفراغ أن يشكل المعنى. وإذا كانت مهمة النقد «أيقاظ علامة في النص» فهو مُطالب أيضا بالبحث في دلالة العلامة ومسوغات اختيارها.

في كتابها «نساء في غرفة فرجينيا وولف» تختار الأكاديمية وأستاذة النقد الأدبي في الكويت سعاد العنزي؛ تحليل الجنون والانتحار، وأثرهما في حياة مفكرتين كبيرتين هما الكاتبة الإنكليزية فرجينيا وولف والكاتبة العربية مي زيادة. ثم تكشف عبر المقارنة بين ظروفيهما وحياة كل منهما عن تناقضات الحداثة، وبنية الثقافة الذكورية. ودورها في حياتهما الإبداعية والشخصية.

يتألف الكتاب من ثلاثة أبواب، تعرض على القارئ أهم المحطات في حياة كل من فرجينيا وولف ومي زيادة، وهي تتراوح بين مد وجزر، نمو وذبول، قوة وضعف؛ ويبدأ أول فصوله من لحظة انكسار الموجة.

لقد كانت مي زيادة وعبر صالونها الثقافي منارة الشرق، ثم تخلى عنها الجميع وصمتوا إزاء محنتها؛ وبموازاة ذلك كابدت فرجينيا وولف نوبات الاكتئاب القاسية؛ مع فارق أنها تلقت الدعم ممن حولها، لكنها لم تستوعب الموت الذي نجم عن الحرب، وقسوة الرجال، صحيح أن الحرب لم تكن سببا مباشرا، إلا أن أثرها بدا واضحا في كتاباتها وانهيارها اللاحق. وعبر تحليل أعمال الكاتبتين والسيرة الذاتية لكل منهما.

تحاول استشفاف روح العصر الذي عايشتاه – فالنكبات والمسرات الخاصة لإنسان هي السيرة الذاتية لعصره – وبتوظيف نظرية (Trauma Theory)، يمكن الوقوف على الأسباب العميقة التي جعلت كلا من فرجينيا وولف ومي زيادة تنتهيان بطريقة مؤلمة.

كما بينت الناقدة العنزي -أن كلا منهما جمعت بين قوة العقل (المتمثلة ببراعة التحليل والنقد والكشف عن التناقضات الذكورية، والنظرة المجحفة للمرأة. ظهر ذلك عند وولف واضحا في كتابها «غرفة تخص المرء وحده» و»ثلاثة جنيهات» و»القارئ العادي».

وفي أعمال مي زيادة من خلال ثلاثيتها ـ عائشة تيمور، وباحثة البادية، ووردة اليازجي، إضافة لمقالاتها النقدية) وبين الهشاشة الداخلية والصراعات النفسية، التي أدت لمعاناتهما وعلاقة كل منهما بالأسرة والمجتمع الثقافي.

وتحت عنوان «الكترا في منتصف الطريق» تحلل الناقدة علاقة الكاتبة الإنكليزية بالأب، فلم يكن الأب نموذجا يمكنها الإعجاب به؛ ولا يمكنها كراهيته؛ كان «ذا طبيعة مزدوجة، مانحا ومانعا في آن معا، ولم يكن عاملا مساعدا في الكتابة. على العكس من ذلك، كان يقف أمامها كمعضلة».

وقد ترك الموت (موت أفراد عائلتها بدءا من موت الأم والأخت والأخ ثم الأب والاغتصاب الذي تعرضت له) أثره في تركيبة شخصيتها. في السياق ذاته كان للموت في حياة مي (موت الأخ ثم والدتها ووالدها وصديقها جبران خليل جبران) أثر فاجع في نفسها.

وبينما تبدو صدمات فرجينيا وجودية، فإن صدمات مي وفي جزء منها سببها الوسط الثقافي ورومانسيتها الظاهرة «لقد كتبت مي عن نساءٍ قُتلن وعُوقبن وحُرمن من حقهن في الحياة، ولم تتصور، في ذلك الوقت، أنها قد تكون واحدة منهن».

وترى العنزي أنه يمكننا، من خلال قصة حياتها وموتها، فهم بنية العقل الذكوري وثقافة المجتمع؛ الذي زج بمفكرة من طراز مي في المصح، ورفض إثبات أهليتها، وحاول وصمها بالجنون، وفيما حظيت وولف بحب زوجها وأقاربها، ودعمهم لم تنل مي زيادة إلا التجاهل.

لقد آمنت كل من وولف ومي زيادة بقيم التحرر والحداثة فهل آمن بهما الآخرون؟ فالرجال الذين حضروا في صالون مي، هم ذاتهم من تخاذلوا في قول كلمة من أجلها. وبينت الكاتبة – كيف أن اقتياد مي زيادة، وهي في كامل قواها العقلية، وذروة إنتاجها الأدبي، إلى المستشفى، لإعلان جنونها علامة على إخفاق الحداثة العربية.

وعلى النقيض تماما حظيت وولف بالمساندة من زوجها وأصدقائها، الذين دعموها ووقفوا إلى جانبها. «إنها بالفعل مفارقة تكشف أزمة عالمين؛ عالم متطور ومتقدم يحترم نساءه، وعالم آخر يقتاد نساءه إلى قاع البؤس، ومتاهات الجنون، ومهالك القسوة والظلم». وبذا يتجاوز الكتاب السؤال عن الهوية الممزقة واضطرابات الصدمة، لكل منهما إلى سؤال عن البنية الثقافية لذهنيتين (العربية والغربية) عبر معاملة كل منهما للمرأة المبدعة والمفكرة.

وترى الكاتبة أن هموم هاتين المبدعتين لم تقتصر على قضايا المرأة، بل تجاوزتها إلى الإنسان عموما، كالحرب والهوية وتمثل ذلك لدى وولف في رواية «السيدة دالاوي» أورلاندو. وفي صالون مي زيادة، التنويري.

 

كانت محنة فرجينيا وولف عائلية، وربما في بعض جوانبها وراثية، أما محنة مي زيادة فتتعلق بثقافة كاملة. وكل منهما أدركت أنها امرأة، وأن الكفاح سيكون مضاعفا كي تثبت إنسانيتها. لقد أرادت كل من فرجينيا ومي لكلماتهما أن تكون المثال فأصبحتا مثالا على عصرهما.

تكتب العنزي «حقيقة، من يقرأ كتب مي زيادة، فسيجد صورة الهوية الإنسانية الكونية موجودة بقوةٍ في أعمالها. وهي كونية، وليست عالمية، لأن الهوية الكونية كمفهوم، ظهر في مرحلة متأخرة، لكن مي زيادة وعت مبكرا أهميته في تلك الفترة المبكرة، وقدمت هذه الرؤية الكونية في حديثها عن الثقافة الشرقية، بوصفها جزءا مهما من الإرث الإنساني».

وهي تسأل: كيف يمكن لمفكرتين إنسانيتين من طراز رفيع، أن تنتهيا بالجنون أو الانتحار، وإن دلّ ذلك على ماذا يدل؟ لقد أثْرت وولف بكتبها النقدية والإبداعية، الحركة النسوية اللاحقة عبر أسئلتها الجريئة، وتحليلها العقلي، فهي، وحسب العنزي، «لم تكن ناقدة الاتجاه الواحد، بل ناقدة للاتجاهين، المرأة والرجل، على حد سواء، واستطاعت تغيير بنية السرد الذي أخذ الانتباه للتفاصيل، ويرد للواقع اعتباره الذي تلخصه عبارة وولف في معرض تعريفها للواقع.

بأنه «شيء غريب الأطوار، يمكن أن يوجد في درب مترب، وأحيانا في قصاصة من جريدة متروكة في الشارع، وأحيانا في نرجسة برية في ضوء الشمس، والروائي يفوق غيره من الناس في اقتناص فرصة العيش بين هذا الواقع المتنوع… إن عليه أن يجمعه ويوصله للآخرين».

وفي فكر وولف امتزج الأدب بالفلسفة فقد بدا «أن لدى وولف رؤية فلسفية عميقة، وهي ملتزمةٌ بهذه الرؤية، سواء في نشاطها الفكري، أو في حراكها في المجتمع، عبر ابتداع شكل سردي جديد يسمى بتيار الوعي؛ الذي أحدثا تنوعا في تقديم الشخصيات. وفي تفكيك الثقافة السائدة والمجتمع والحرب والسخرية من غرور الرجال في عصرها، ومن القيم الفيكتورية، ومن الحرب التي دمرت البشرية، وهزت القيم الإنسانية.

ويشير الكتاب إلى التناقض بين صورة النساء في اللغة وبين وضعيتهن في الحياة. وتحت عنوان «منارات في القصيدة معدمات في الحياة» نجد أن كل «هذه السمات، التي تحظى فيها المرأة بهذا التمثيل الأدبي، لا يعدو أن يكون مجرد صورةٍ خياليةٍ مُفترضة، لا تتطابق وواقع المرأة في المجتمع الحقيقي». لقد أحدثت وولف ما يسمى الموجة الجديدة أو السرد الجديد.

وفككت الثقافية الذكورية، أما الكاتبة العربية مي زيادة، فتميزت بتعددية لغوية وكتبت في المسرح والنقد، وسجلت ملاحظاتها النقدية المهمة على أعمال رواد عصرها، مثل: جبران، ميخائيل نعيمة، وردة اليازجي. ونحت في لحظةٍ زمنيةٍ مبكرة في الوطن العربي نحو الكتابة النقدية النسوية، فغدت بذلك أول ناقدةٍ نسوية في الوطن العربي». تتابع العنزي: «ولأن ثمة إمكان لقول أشياء جديدة ترويها المرأةُ بعد أن تتمكن من لغتها وتثق بموقعها الأصيل في الثقافة الإنسانية، على المرأة أن تستعيد حكاياتها بصوتها، وبلغتها وتحرر كل الذكريات المسروقة والمُستلبة والضائعة».

«نساء في غرفة فرجينيا وولف» قراءة المتن عبر الهامش، ومساءلة الخطاب الثقافي عبر نقاطه الأشد هامشية. وهو استنطاق للغياب الذي يعتبر علامة أيضا فلماذا يتم تجاهل صوت مؤثر كصوت مي زيادة؟

كانت محنة فرجينيا وولف عائلية، وربما في بعض جوانبها وراثية، أما محنة مي زيادة فتتعلق بثقافة كاملة. وكل منهما أدركت أنها امرأة، وأن الكفاح سيكون مضاعفا كي تثبت إنسانيتها. لقد أرادت كل من فرجينيا ومي لكلماتهما أن تكون المثال فأصبحتا مثالا على عصرهما.

«نساء في غرفة فرجينيا وولف» دعوة مفتوحة لكل امرأة.. وبحث في قلب الجنون والانتحار والهشاشة والضعف عن مكمن «قوة النساء، فمن خلال الضعف ووعي الضعف يمكننا هزيمته، وهي دعوة لنعرف كيف نلقي بمرساتنا.

وكيف لا نتعلم من الحكاية ونحن من يرويها ويحيكها بخيوط من قهر؟ فنحن سليلات شهرزاد تكتب الناقدة سعاد العنزي، وتتابع معاتبة الأنثى التي من المفترض أن تنتصر للحياة: «كيف تكسرت كل رؤاها العميقة أمام مرآة الواقع؟ لماذا لم تنقذ نفسها من هذه الدوامة؟ لماذا لم تُخرج نفسها من هذا البحر متلاطم الأمواج؟».

سيأتيها جواب فوكو عبر طبقات الماضي «إن القارب سيصبح فريسة لجنون البحر الكبير، إذا لم يعرف كيف يلقي بالمرساة الصلبة».

 

  • كاتبة سورية


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي