رواية "عفن أحمر" للأردنية تبارك الياسين: الحب في مواجهة الموت

2021-03-19 | منذ 3 شهر

 يرى في مشهد الدمار اليومي والقنص والبراميل المتفجرة

أحمد الغماز*

لكونها فنانة تشكيلية وقاصة، لم تستطع الأردنية تبارك الحسن الابتعاد عن اللوحة في رسمها الدقيق لمشاهد روايتها «عفن أحمر، التي تمزج الأحمر والأزرق، لونا الحياة والموت على تفاصيل الرواية، وظلاً أسود ربما طغى على كل تلك الألوان. يبدأ هذا من الإهداء المقتضب، الذي جاء على غير عادة الروائيين عندما يختارون عنوانا شاعرياً أو جاذباً، فكان.. (إلى البلاد التي حملنا لها خنجراً، إلى الأرواح التي أزهرت ياسميناً). كذلك اختارت الكاتبة اسماً لشخصيتها المركزية (سماح)، حيث لا تختفي دلالته، رغم كل ذلك الأسى، الذي جاء على لسانها، لربما أن يكون فعل التسامح مقابلاً لذلك الدم الذي أريق في الشوارع وأقبية السجون.

المومس الفاضلة

منذ أول سطر، وأول الحكاية تذهب تبارك إلى نسج معمارها الروائي على مسرحية سارتر المشهورة «المومس الفاضلة» لتقوم سماح بدور تلك المومس التي تخفق في أدائه، كما يعبر عن ذلك (برهان) الشخصية التي سنأتي عليها لاحقاً. ولا بد هنا من الاقتراب قليلاً من دلالة المسرحية، فقد قال سارتر عنها، إنها ضد العنصرية بكل أشكالها، ونحن نعرف أن ما يجري الآن من عنف وإرهاب ودماء ينتج من العنصرية وعدم قبول الآخر.

وما ستقوله سماح لاحقاً مبني على ذلك المشهد المسرحي أو اختيار موضوع المسرحية.

برهان وحتمية الموت

الشخصية الموازية لشخصية سماح، هو برهان، الفنان الحالم الذي يرى في مشهد الدمار اليومي والقنص والبراميل المتفجرة، كأنها مسرحية تراجيدية أبطالها أولئك الذين سرقوا حلمه وحلم الشعب بالعنف والقتل والسجن. فالحياة لعبة عبث ولا طائل منها، أمام كل ذلك الأسى الذي حرمه حق التعبير وحق الحياة، هو كمثقف وفنان يجد أن أهم سلاح يمكن أن يمتلكه للدفاع عن نفسه وعن العالم هو الفن.

في المعتقل كانوا يواجهونه بأسئلة وهو تحت التعذيب عن علاقته أو وصفه بموليير، الذي يريد التغيير ويريد الحرية. وعلى الرغم من الانسجام بينه وبين سماح في قصة حب لم تنتهِ على خير، فقد كانت ترى فيه فارسها (ملامح وجهه كالصقر وقلبي يخشى عليكِ منه)، هكذا قالت إحدى الشخصيات الثانوية لسماح عندما رأته. ومع ذلك كانت العلاقة بينهما مهتزة ظاهرياً وعميقة من الداخل، فهو في غضبه كان يصف سماح بالمومس، وهي تصفه بأنه شخص متعدد العلاقات.

تعدد الأصوات

انحازت الروائية تقريباً إلى نمط الرواية الجديدة، التي تعتمد على تعدد الأصوات.. فـ(إبراهيم)، الشاب الذي سافر إلى العراق ـ للجهاد ـ والذي درس التمريض، يأتي الحكي على لسانه راسماً لوحة مشهدية لحجم العنف والقتل والدمار والتفجير الذي أحدثه الإرهابيون في العراق، من خلال حالة اللاوعي التي دخل فيها إبراهيم، فقد أصبح يتخيل أشياء لم تحدث. وهنا تريد الكاتبة أن تقدم للقارئ نموذجاً محطماً جراء ذلك الفكر العفن، وهو أحمر بالضرورة دلالة على نزيف الدم الذي أحدثه.

المكان الاجتماعي

لم تذكر تبارك الياسين المكان صراحة منذ بداية الرواية، لأنها تماهت بالحدث المعروف تقريباً للقارئ.. (البراميل المتفجرة، القناص على سطح العمارة المقابلة، الحواجز على الطرقات). فاكتفت وأوصلت للقارئ أين تدور تفاصيل الحكاية، وذهبت إلى التلميح في منتصف الرواية إلى أن بيت شخصيتها المركزية سماح، كان المجاهدون ضد الاحتلال الفرنسي يختبؤون فيه، ثم ذكرت لاحقاً مدينة حمص لكن بشيء من الاستحياء، وبذلك نجحت إلى حد كبير في الابتعاد عن المباشرة واستخدام المكان الاجتماعي، الذي يصف حميمية وعلاقة الشخصية به، دون رسمه هندسياً كأن تقول (سوريا، دمشق، درعا، إلخ…). هي بذلك تريد للقارئ أن يبتعد قدر الإمكان عن التكرار أو التاريخ ، لأنها أولاً وأخيراً ليست مؤرخة وانما روائية تحاول إضاءة المناطق المعتمة.

في شخصيات الرواية القليلة، الثانوية والرئيسية، هناك قاسم مشترك، العفن الأحمر.. الموت والحرب بمعناهما الحقيقي لا المجازي، وقد عبّرت الياسين عن ذلك بأسلوب روائي متقن، من خلال رسم الشخصيات داخلياً وخارجياً، فاستخدمت المونولوج لتعبر الشخصية عن ذاتها، دون تدخل من الروائية، بل تركت شخصياتها تتحرك دون إملاء أو وعظ أو إرشاد، وقد قالوا حكاياتهم الصغيرة دون رتوش أو تجمل، وقد ظلت الكاتبة بعيدة عن رأيها في ما يحصل من قتل يومي، ولم تنزح لجهة دون أخرى، وهنا دخل القارئ في العملية الإبداعية بوصفه شريكاً لا متلقياً فحسب.

 

  • روائي وناقد أردني


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي