تاريخ اللامساواة.. من العصر الحجري إلى القرن الحادي والعشرين

متابعات الامة برس:
2021-03-18 | منذ 4 أسبوع

أثارت وفاة الأميركي جورج فلويد على يد ضباط شرطة في مدينة مينيابوليس الأميركية احتجاجات وردود فعل عالمية واسعة، في زمن جائحة أدت إلى فقدان ملايين الوظائف وآلاف الأرواح، وسلطت الضوء على قرون من التمييز العنصري وعدم المساواة الاقتصادية.

في كتابه القيّم "تاريخ اللامساواة: من العصر الحجري إلى القرن الحادي والعشرين" الذي يرصد فيه طبيعة العلاقات البشرية منذ العصر الحجري، حاول المؤرخ النمساوي والتر شيدل -وهو أستاذ في جامعة ستانفورد- توضيح الأسباب العميقة للتفاوت الاجتماعي، معتبرا أن الأوبئة السابقة أعادت توزيع الدخل بين الأغنياء والفقراء، وكانت فعّالة في التقليل من التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، لكن النتيجة المتوقعة من جائحة كورونا قد تكون مختلفة للغاية.

إقطاعيات أوروبا

يقول شيدل إن الطاعون الدبلي الذي مزّق أوروبا والشرق الأوسط عام 1347م واستمر لعقود طويلة، أدى إلى إنهاء النظم الإقطاعية واندلاع انتفاضات جماهيرية، لكن مع تكلفة مدمرة قُدرت بفقدان ثلث السكان حياتهم.

قتل الطاعون العديد من الناس لدرجة أن العمال أصبحوا فئة نادرة للغاية، وانهار الطلب على الأرض، وقد مكّن ذلك العمال الباقين من تحصيل أجور أعلى، بينما كان ملاك الأراضي والإقطاعيين يحصلون على دخل وأرباح أقل.

وهكذا أصبح الأغنياء أقل ثراء والفقراء أقل فقرا. كما قوضت تجربة الطاعون الثقة في السلطات الإدارية والدينية في أوروبا، وشجعت الناس على التشكيك بنظام السلطة الحاكمة والتفكير في البدائل.

ويفصّل شيدل ما حدث في أوروبا خلال العصور الوسطى فيقول إن النبلاء وأصحاب الأراضي وجدوا صعوبة في الحفاظ على أنماط حياتهم الباهظة التكلفة، وفشلوا في إنفاذ القوانين التي تجبر العمال على الاستمرار في العمل بأجور منخفضة، وقامت انتفاضات الفلاحين لتنتهي بتسوية أجبرت الأثرياء على المساومة في بريطانيا، لكن في أوروبا الشرقية حافظت الطبقة العليا على موقف موحد ضد الفلاحين الذين أُجبِروا على الخضوع بلا مساومة.

ويقول إن ذلك يدل على أن الطاعون في حد ذاته لم يكن كافيا لإحداث التغيير والتوازن، فقد لعبت هياكل السلطة السياسية والمحلية دورا حاسما في تشكيل النتائج.

تراكم الثروة

في تقرير نشرته صحيفة "لونوفيل أوبسرفاتور" (L’Obs) الفرنسية، تقول الكاتبة فيرونيك رادييه إن رأس مال المليارديرات الـ 60 الذين يمتلكون نصف ثروة الكوكب ارتفع في 2020 رغم تداعيات جائحة كورونا، وهو ما ينطبق على جميع العائلات ذات الدخل المرتفع، فيما عصفت الأزمة الصحية بموارد الفئات الفقيرة.

ومع تجدد الأسئلة عن أسباب التفاوت الاجتماعي في المجتمعات البشرية وفشل الأنظمة الحديثة في حلّ هذه المعضلة، تسلّط الكاتبة الضوء على رؤية والتر شيدل.

وفي كتابه يؤكد شيدل أن كل الحضارات عبر تاريخ البشرية شهدت بمرور الوقت زيادة في فجوة التفاوت الاجتماعي بين الطبقات، محاولا تحديد الآليات التي كرّست اللامساواة في تاريخ المجتمعات البشرية.

وقد قام شيدل -المتخصص في حضارات أوروبا القديمة- بدراسة المجتمعات البشرية الضاربة في القدم مستخدما آليات يرتكز عليها الباحثون في العلوم الاقتصادية والاجتماعية الحديثة، وتقنيات يستخدمها بعض علماء الطب الشرعي في دراسة هياكل ما قبل التاريخ.

ويقول عالم الاجتماع لويس شوفيل في مقدمة كتاب شيدل "بسبب عدم وجود إحصائيات أو استطلاعات رأي في ذلك الوقت، تتبّع شيدل تاريخ اللامساواة بالرجوع إلى البقايا المتناثرة وقطع السيراميك والسجلات العقارية ومساحة المنازل ومعدلات الحياة".

وحسب الكاتبة، يقدم كتاب شيدل صورة شاملة وموسوعية عن حياة المجتمعات البشرية في حقب تاريخية قديمة.

التفاوت من العصر الحجري إلى القرن الـ 21

يعتقد شيدل أن عملية التطور قلّصت من الفوارق البيولوجية لدى أسلاف البشر، ومع ظهور الأسلحة أصبحت الأفضلية للمهارة على حساب القوة، وعرفت البشرية فترة طويلة من المساواة النسبية.

ويقول شيدل إنه بعد ذلك شكّل أسلافنا مجموعات بدوية صغيرة، رفضت أي شكل من أشكال الهيمنة والسلوك الاستبدادي وعملت على تقاسم فوائض الموارد بشكل عادل.

ويضيف شيدل أن بعض العائلات كوّنت ثروات في تلك الحقبة التاريخية، وهو ما توضحه القبور التي يزيد عمرها على 30 ألف عام والتي عُثر عليها في روسيا، إلا أن تلك الثروات كانت نماذج متفرقة وسريعة الاضمحلال.

لكن في العصر الحجري الحديث – أي حوالي 10 آلاف سنة قبل الميلاد- تشكّلت تسلسلات هرمية جديدة مع ظهور أنماط الحياة المستقرة والزراعة، ومن ثم ظهرت النخب الأولى في التاريخ وفقا للمؤرخ النمساوي.

وفي عهد الإمبراطورية الرومانية، تجاوزت ثروة أغنى العائلات 1.5 مليون ضعف متوسط ​​الدخل السنوي للفرد.

ويضيف شيدل أن الأزمات والحروب والثورات عملت باستمرار على تقليص الفجوات الاجتماعية، لكن دون أن تتمكّن من القضاء نهائيا على التفاوت؛ ففي الثورة الفرنسية على سبيل المثال لم يخسر النبلاء إلا 10% من أراضيهم، وهو ما حدث أيضا خلال تمرد تايبينغ ضد إمبراطورية تشينغ في الصين منتصف القرن الـ 19.

ويرى شيدل أن الأنظمة الديمقراطية الحديثة لم تقدم بدورها أي حلول جذرية لمشكلة التفاوت والطبقية، وهو ما أدى إلى فشل ثورات أميركا اللاتينية في أوائل القرن الحالي.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي