"تان تان": وسيط ثقافي مع العالم العربي

2021-03-17 | منذ 4 أسبوع

"تان تان": وسيط ثقافي مع العالم العربي

لطالما تعرَضت شخصية تان تان الكرتونية التي ابتكرها الفنان البلجيكي هيرجيه إلى انتقادات تتعلّق بتجسيده النظرة الأوروبية الاستعمارية تجاه العرب، بما تضمره من استعلاء وتفوق على شعوب يعتبرها الغرب "غير متحضرة" بالنسبة إليه، وتكريس لعقدة تفوق الرجل الأبيض.

جانب من هذه الخلاصة، يتضمّنه كتاب "العالم العربي في ألبومات تان تان" للباحث والمستعرب الفرنسي لوي بلين، والذي صدرت ترجمته العربية حديثاً عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، والتي أنجزها الباحث اللبناني سعود المولى.

يتألف الكتاب من 12 فصلًا. في الفصل الأول الذي ورد بعنوان "هيرجيه وتان تان والعالم"، نجد ثلاثة عناوين فرعية، هي: "هيرجيه والسياسة"، و"الاستكشاف الداخلي للذات"، و"التوليفة الوجودية". وبحسب المؤلِّف، كان هيرجيه يقول إنه هو تان تان نفسه، في حين كانت حياته تؤكد عكس هذا القول؛ فهو لم يغادر أوروبا الغربية قبل بلوغه عمرًا متقدمًا، "ويبدو تان تان وكأنه الابن الذي لطالما حلم به ولم يستطع أن يحصل عليه، لا بل الشخص الذي أراد أن يكونه. خلقه هيرجيه وهو أبوه.

أمّا في الفصل الثاني "تان تان وسجائر الفرعون"، ففيه يقول المؤلف إن هذا الألبوم ظهر في عام 1934، فكان أولى مغامرات تان تان الحرة. كان هيرجيه يومئذٍ شابًّا مأخوذًا بسحر الشرق، "ولكن أي شرق كان ذاك الساحر؟ أين يبدأ شرق هيرجيه؟ والسؤال ليس غير ذي أهمية: من حيث إنه مفهوم، يشكل الشرق المتخيل نقيض الغرب ولا حدود واضحة له. فهو قد يشمل كل ما تبقى من العالم، أي كل ما لا يعتبره الغرب خاصته أو امتدادًا مباشرًا له".

كان الفنان البلجيكي هيرجيه مسحوراً بـ"شرق متخيل" يشكّل نقيض الغرب ولا حدود واضحة له

ثمّ يأتي الفصل الثالث "التلاحق والتقاطع بين ألبومي تان تان في أرض الذهب الأسود، وتان تان والمخالب الذهبية"، حيث يقول المؤلف إن نشر ألبوم "تان تان في أرض الذهب الأسود" بدأ في أيلول/ سبتمبر 1939. وتأتي مغامرة تان تان الثانية في الشرق الأوسط عند هيرجيه مع الاحتلال الألماني الثاني لبلده.

بحسب المؤلف، في الفصل الرابع "تان تان في أرض الذهب الأسود"، لا يتخذ هيرجيه في الطبعات الأولى من الألبوم، أي موقف تجاه العرب ويهود منظمة الأرغون. فهو يصف الوضع من دون أخذ موقف. ولا يمكن اعتبار هيرجيه معاديًا للصهيونية، ولا معاديًا لليهود، "وهذا فريد بالنظر إلى التعليم المعادي للسامية الذي تلقاه مثل كل الكاثوليك المحافظين التقليديين في زمنه".

ويقول المؤلف في الفصل الخامس، "تان تان وقروش البحر الأحمر"، بأننا "أمام ألبوم كفاحي، لا بل هو شفاف وخالٍ من أي دوافع خفية، على العكس من باقي مغامرات تان تان في العالم العربي. والعنوان في حد ذاته هو بيان سياسي ضد تجارة الرقيق يحوّل الضرورة الأخلاقية إلى خط سياسي".

وبيّن الفصل السادس، "تان تان وفن الأبجدية - بحث عن الذات": "يجمع هذا الألبوم الأخير غير المنتهي لهيرجيه بين شغفيه الفن والمغامرة، ويقدم لنا مفتاح فهم أعماله. إنه ألبوم وصية أخيرة، يسرد قصة فنان تجريدي من المرجح أنه جامايكي، اسمه رامو ناش (أي "الفجل الأسود" باللهجة الفلمنكية).

في الفصل السابع، "العرب في مغامرات تان تان"، يقول المؤلف إن تان تان يلتقي في مغامراته بكثير من الأجانب، "لكننا نتعرف إلى عدد محدد منهم فقط ويصبحون من أصحاب الأدوار الرئيسية عند البطل لينالوا بذلك مرتبة الشخصية في الشريط المصور.

يذكر المؤلف في الفصل الثامن، "تان تان العرب"، أنّ تان تان لم يذهب إلى أي بلد من البلدان "التي ساهمت مساهمة مهمة في ثقافتنا مثل اليونان أو إسبانيا أو اليابان"، لكنه من ناحية أخرى يقول إنه ذهب أربع مرات إلى العالم العربي: "منها مرة إلى المغرب وثلاث مرات إلى الشرق الأوسط: مصر وفلسطين لفترة وجيزة، والمملكة العربية السعودية لثلاث مرات"، مُضيفًا أنّ هيرجيه لا يذكر في أعماله أي بلد عربي بطريقة ظاهرة باستثناء المغرب، "وهو ينظر إلى المغرب نظرته إلى المستعمرة الفرنسية التي كان عليها في ذلك الوقت، وليس باعتباره جزءًا من العالم العربي الذي لم يكن ليتصور على الأرجح وجوده، أو يدرك على الأقل أهميته الثقافية.

أمّا في الفصل التاسع "تان تان واللغة العربية"، فيذكر المؤلف أن هيرجيه كان منبهرًا بشرق أدخل فيه الشرق الأوسط؛ ومن ثمّ يبدو من المفارقة البديهية أنْ لا يهتم مطلقًا بثقافته، ويطرح الفصل العاشر، "العرب وتان تان" سؤالًا هو: "ما الذي كان سيصدم قراء تان تان العرب؟".

ويرى المؤلف في الفصل الحادي عشر، "هل كان هيرجيه عنصريًا؟"، أنّ العنصرية الكامنة في ألبومات تان تان إذا كانت تبدو اليوم مروعة، فإنها تمسي لا قيمة لها مقارنة بالتجاوزات التي اتهم بها ملك بلجيكا في مستعمرته الأفريقية في القرن التاسع عشر، وبالدعوات العنصرية إلى القتل التي شاعت في أوروبا في ذلك الوقت، خصوصًا في أوساط اليمين حيث كان يتحرك هيرجيه، والتي نعرف نتائجها الكارثية.

في الفصل الثاني عشر، "من الشرق ينبعث النور"، يجد المؤلف المفارقة التي تحيط بعلاقة هيرجيه بالعالم العربي في "أننا أمام كاتب لا يجذبه العالم العربي، لكنه يجعل منه المسرح الرئيسي لمغامرات بطله، فكأنه قدر مرسوم له.

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي