حياكة القدر في رواية "الريش" لسليم بركات

2021-03-17 | منذ 3 شهر

غمكين مراد*

الحياة، المصير، القدر، بَعدَها تأريخُ العُمرِ فيها حين مرّ، أو رُبما قد عاش، مُضيِّاً مع الزمنِ المُظلِّلِ لأنفاس اللحظةِ في الحياة، مُتأملاً مع وبالدهشةِ الراسيةِ على أوجه المصير، قانعاً مع وبالنُكران لحياكةِ القدر المغروز على جبهة ما، قد كان وما صار، وما قد يكون، يتأرجح العُمر وتتأرجح الأيامُ على حبل سيرك الحياةِ، مُثبتاً بطرفي حبلٍ للمصير والقدر، كريشةٍ هائمة على صفحة الهواء تغتالُ وجهتها وجهاتها، جُباةُ الهواء من ريحٍ وعراء.

الريشةُ بما تحملُ في مكنونها من تحليقٍ وطيرانٍ من وإلى؟ والريشةُ بما تعنيه من الخفةِ والتذبذُب والانكماش بلهبٍ بسيط وهسهسةٍ، مع صوتٍ للألم يخصُّ من أصبحت روحه روح ريش، و»الريش» كعنوانٍ لرواية هو عنوانٌ مُستفزٌ، بتناقضاتِ المواصفات المكونة للريش، وسليم بركات كاتبُ الرواية يجعلُ من الريشِ ظِلاً تكونُ تحت فيئه الحياةُ في موت، والموتُ في حياة: «سأموت، أعني إنني سأُقررُ هذا الموت انتقاماً من مفاجأة الموت».

يخترقُ سليم بركات بالريش الحواجز والحدود فيُآخي بالريش الأمكنة، ويُعيدُ بالريشِ صياغة الحياة، كما الريشةُ في تدوين الكتابة، وكمّا حياة حَرضت على الرحيلِ والبقاء على حدٍّ سواء، في وإلى أمكنةٍ هي تختارُ مصيرَ ساكنيها وتُحرِّضُ على الطيران من قيدٍ إلى حريّةٍ، ومن لا منطقٍ قاسٍ إلى آخر مرن: «ذَكرَني العراءُ الممتدُ إلى الجهةِ الجنوبية بعراءٍ لم أنسَهُ بعد، خامرني إن شعاعات الشمس التي تدخلُ غرفة النوم، من خلال شجيرات الليمون هي ذاتها التي كانت توقظُني صباحاً في وقتٍ ما، من سنين بعيدة لا تشبه سنين هذا المكان».

كما الآلهةُ عند الإغريق حين يُخيِّطون القدر ويشذبونه ويقصونه، وانطلاقاً من: «وكأنّما يُخيِّطُ القدر للموتِ قميصُه المُمزق» يأخذُ سليم بركات من «دينو» الحالم بجنون اليقظةِ في مُصادفاتٍ للمصائر، فهي تختارهُ، إما مُلهِماً أو رقيباً أو شريكاً بوعيٍّ أو بدونه، يَسردُ الحلم واقعاً ويمسكُ بالواقعِ حلماً، تتداخلُ فيه وعليه أوجه الأمور، فيسرُدُ أولاً ما هو واقعٌ في حلمٍ كتخاطُرٍ روحي عن توأمه، أو بما هو نفسهُ «مم آزاد» العائد إلى الحياة في مكانٍ خلفهُ، الهروبُ إليه أُمنيةٌ أو سيرةٌ أو جزءٌ من الرحيل إلى هناك، صوتٌ دائماً ما يئزُ في المُناداةِ لمن هو منفيٌّ في منبته، ولا يجدُ نفسه إلا في الرحيل إلى منفى الأمنية، كما يترددُ على لسان «مم آزاد»: « لكنني لم أقترب منه كثيراً كأخ، إذ كنتُ كلما حدقتُ فيه أو كلمتُهُ كلاماً عارضاً، أجدُ فيه نفسي ذاتها».

 يستمدُ سليم بركات من القواسم المشتركةِ علمياً بين التوأم الواحد، بحيث يُزاوجُ بين حياة «مم آزاد» في مكانٍ في قبرص وحياة «دينو» رُبما الحقيقي في مكانٍ في الجزيرةِ الكردية شمال سوريا، تبدو حياة الشبح «مم آزاد» حلماً يُراود «دينو» أو ربما الأدق خلقُ حلمٍ لحياةِ النصف الآخر منهُ: «كان «مم» مع أربعةِ رجال يطرقون بوابات البيوت، سائلين عن شخصٍ ما، وأنا كنتُ أمشي على ساقيِّ وقدميِّ ، دائماً كنتُ أمشي على قدميّ وساقيّ في أحلامي مع «مم» يا أبي». «مم آزاد» مُنساب مع انتظارهِ في لقاء «الرجل الكبير» عن طريق «الرجال الأربعة» مُنتظراً في عراء الحديقةِ حول منزله، مُداعباً ريشةً أجفلت، انتحارهُ المُزعم هو عليه مُستنشطًةً ذاكرته بحياةٍ كانت سابقة، لافِحةً الدهشةَ على مُحيِّاه لئلا ينتحر.

الريشةُ الحاجزُ الرائي لنسيان، أو تأجيل انتحار «مم آزاد» حين يسرُدُ بتموجاتِ ريشته ـ رغم أنه مدفون- « كان كُلُّ شيء مبتوراً تلك الليلة، فالنشيج الذي ينطلقُ فجأةً يُخمدُ فجأةً، والعويلُ الذي يتشظى فجأةً ينغلقُ فجأةً، والجالسُ لا يلبثُ واقفاً، والواقفُ يتنهدُ جالساً، إلا جُثةُ «مم آزاد» الممدودةِ على فراشٍ وثيرٍ قرب البئر…» يسرُّدُ كراءٍ، كخالقٍ، ككاتبٍ، حيواتٍ أخرى، تتشابكُ فيها مصائر رافقتهُ إلى حيثُ المكان المُنادى إليه، هي ليست إلا أخيِّلةُ الوجوه الراحلِ هو عنهم، كوجه «ذات الحذاء العسكري» الجارةُ في الواقع، واللُغز في مرافقته وتطفُلُ الفكرة في تزويجه لـ»دينو» في مكان الخلق، هذا ما يُسرَّد وما يتراءى لـ»مم» هو السرُّ في استدراكها واستدراجها إلى حلبةٍ هي الوحيدةُ التي سوَّرَّت مُشاحنات المُراهناتِ فيها.

 

الريشةُ الرماديةُ كدهشةِ حدث في الرواية وكأداةِ كتابة، يأخُذها بركات مزيج إطارٍ من ولصُنع حجر الحياة، وهي الريشةُ التي أكل عليها الدهرُ حبرها وشرب، فمواثيقُها المدوِّنةُ بها تتهادى خفيفةً في تاريخِ شعبٍ يتلألأ على لسانِ رجلٍ يحوِّلُ الموت والهزيمة إلى حياةٍ ونصر.

أدلاءُ «مم آزاد» في انتظاره، وانتظار «الرجل الكبير» هم «الرجال الأربعة» مُجسدِّيِنَ الشتات للوطن الذكوري المُجزأ في صمت والباحثِ في صخب، هو وبأوجه الرجال يدورون على متاهات أبواب الانفراج أو الخروجِ إلى وجه الحياةِ الحقيقية، هُم رُسلٌ مجروحةٌ يختارون من المنافي طاولة نردٍ، يُدشِنونَ فيها ألمهم: «الأكراد لا يخسرون لأنهم يمتلكون ألمهم».

سليم بركات يُلغي الحدود بين الأمكنةِ حقيقةً وحلماً، فخديعةُ «مم آزاد» في المنفى الحُلمي البعيد، يقفُ فيها العراءُ المُنتظر قبراً بعد أن كان كُلّ الحياة، والطائران المُهاجرانِ كظلّينِ من حيث رحل «مم» وحيث وصل، وشجيرتا الليمون اللتان كانتا قبلاً شُجيرتي كينا، هكذا يتراءَى المنفى الحلمي، حقيقةً، كمكانٍ مُنمقٍ بتلابيب الحنين المهدور دمُه في أزقةِ حُلم «دينو»: «لطالما عنَّ لي أن أستوقفهم قليلاً لأستوضح فيهم هذا العبث الدائري، الذي يجعلنا شركاء، لكنني آثرتُ الصمتَ وأنا أراهم في همٍّ ظاهرٍ، فالشوارعُ تتناسخُ بيوتُها، وأسوارُها، وشجرُها، كأنها في مرآة، والوقتُ هو ذاتُه بدون حاجةٍ للنَّظر إلى ساعاتنا، لأن الظلال لا تُرسم، وهي باقيةٌ على كثافةٍ واحدة وامتدادٍ واحد».

كخيميائيٍّ لصُنعِ حجر حياةٍ متمازجةٍ من حقيقةٍ وخيال، من البساطة إلى الحياةِ الشبحِ، يمزجُ سليم بركات حيوات الأشياء والأشخاص والأمكنةِ، لخلقِ متاهاتٍ دائرةٍ حول نفسها وعائدةٍ إلى نفسها، غارقة في ما تكون ولا تكون نفسها، واقفة أمام غدٍ مهيئ للخُذلان، وأمسٍّ تأرَّخ بالخُذلان، وحاضرٍ مُتشبثٍ بِظلالٍ من خُذلان.

باسم وبدون حقيقة وجود، حسبُهُ في الروايةِ يدبُّ كطيف، يجعل سليم بركات من ما يسميه بـ»الرجل الكبير» وكأنَّهُ الغيبُ في انتظاره ورؤاه، وكأنَّه الوصولُ الأخير والحاضرُ الغائب في كل حضورٍ وغياب، يختار من يراهُ باختراقه هو له فقط بالانتظار، والباقيُّ الآخر يراهُ كأمل انتظار.

الريشةُ الرماديةُ كدهشةِ حدث في الرواية وكأداةِ كتابة، يأخُذها بركات مزيج إطارٍ من ولصُنع حجر الحياة، وهي الريشةُ التي أكل عليها الدهرُ حبرها وشرب، فمواثيقُها المدوِّنةُ بها تتهادى خفيفةً في تاريخِ شعبٍ يتلألأ على لسانِ رجلٍ يحوِّلُ الموت والهزيمة إلى حياةٍ ونصر، فأسماء «كالشيخ سعيد» و»سمكو» و»البارازاني» مذكورة ومدونة بها، هي أسماء لا تموت وإن تحولوا إلى رماد، ما دامت الألسُن تتغزل بدمائهم المنكوبةِ في وعلى جبال كردستان، وهي حالُ «حمدي آزاد» والدُ التوأمين، الشبح «مم» والتائه «دينو» والحالم كماضٍ برحيل «مم آزاد» إلى كردستان قبل دفنه في مقبرة الهلالية غربي مدينة القامشلي، ذاك المزيجُ من البساطة والعفويةِ في الحياة لعائلة «حمدي آزاد» يستخدمه سليم بركات في حجر الحياة بأبسط روتين لليوم وأصدق سردٍ لذلك اليوم حين «دينو» العائد إلى ساحة الدار مع نحل أمه ومع شقيقاته ومع شجيرات الكينا وقُماش والدِه، وصبِّ كاسات الشاي لزائري الليل في أُنسهم لأبيه وأصدقائه، مع مذياعٍ جديد ينشرُ أخبار الشتات الكردي في زوايا الساحة وجدران البيت، وعلى أسرَّةٍ مُهيئةٍ لحَضن النجوم الساقطة مع الهواء من السماء.

وكإضفاءٍ لكُلِ ما هو غير عادي، يُلَوِّحُ المزيجُ الفانتازي «مم آزاد» الغائب، الذي لن يعود إلا مُتدثراً بجراحِ فِخاخٍ للحيوانات، ميتاً غرقاً في نهرٍ لا يتجاوزُ عمقه المتر، كتجسيدٍ لأوجه حُلم «دينو» ثم «مم» الميت عائداً كابن أوى يُنادي «دينو» الحي، يتلاحقان، يسيران، فينتفضُ «دينو، و»مم» مُبرراً عودتُه اللامعقولة، ليُقنع أباه بأن يرحل إلى كردستان ليتزوج «ذات الحذاء العسكري» إلا أن «حمدي» يصرِّفُه بأنها أخته رغم أنها ليست إلا معرفةٌ بداهةٌ عند «كسبو» زوج «حمدي» التي تُدرِّكُ هذه الحقيقة وكذلك «هيفين» أخت التوأمين مُدرِّكة، وحده «دينو» يُلملِّم الغموض اللامنطق، مُحدِّقاً في «ذات الحذاء العسكري» التي بدورها تُلقي عليه بنُسخٍ من كتاب «مم» عن الألحان قبل رحيلها المزعوم إلى موسكو ومن ثم إلى كردستان، يُحدِّقُ فيها «دينو» بنظره ويقول « إنها تشبهنا» ويرحلُ لا بريش جناحيه وإنما مهووساً بصوتٍ يُناديه من بعيد.

هكذا يبدو سليم بركات وكأنه هو «دينو» وهو القامشلي وقبرص، هو المكانُ والمكانُ هو، إنه الألم الذي يُبقيه واقفاً، إنه النزيف المدرار لحشدٍ من الآهات يرتجلها الرحيل، المنفى، الحنين، الطموح، في وإلى وطنٍ يحضنُه ميتاً لا حيّاً، إنَّه ظلُّ الريشةِ في تدوينها على جزيئات الهواء تهذرُ به، التاريخ، الحلم، الواقع، المأمول، المُنتظر من الله، في حُمى اللوعةِ العاصفةِ للقلم حين يَسكَّر.

 

  • كاتب سوري


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي