«غرفة المسافرين»: بين الغموض واكتشاف الدهشة

2021-02-15 | منذ 4 شهر

عاطف محمد عبد المجيد*

لافتراضه أن الشوق إلى لقاء المختلف والمدهش الذي انطوى عليه حلمه، يتطابق مع أحلام ملايين البشر، يبرر عزت القمحاوي تأليفه لكتابه «غرفة المسافرين» الذي صدرت منه أكثر من طبعة عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة. في كتابه يتساءل القمحاوي عن معنى أن يعيش الإنسان، طوال حياته، في مكان واحد، مشيرا إلى أن مَن لا يُغيّر مكانه لن يعرف مهما طالت حياته إلا القليل الذي قد يدهشه، ولن تكون حياته مصدر دهشة لأحد، إلا إذا قام بانقلاب جنوني. هنا يؤكد الكاتب أنه لابد لكل نبي من هجرة، مثلما يرى أن البعيد منبع الحكمة وموطن الغرابة، ومَن يعجز عن السفر في المكان يرتحل في الزمان، كما في الحكايات الشعبية، وإلى المستقبل، كما في روايات الخيال العلمي.
القمحاوي، الذي يسافر في كتابه هذا في الكتب كما في الأماكن، رائيًا أن السفر، رغم أنه قد يكون فكرة مدمرة، نظرة إلى الجميل، كان حلم السفر يراوده صغيرًا، حتى قبل أن يتخلّق في داخله حلم الكتابة، يتساءل هنا كذلك ماذا يمكن أن يتبقى من «ألف ليلة وليلة» إذا حذفنا السفر من متنها؟ معتبرا، باطمئنان، كتاب ألف ليلة وليلة كتابا في السفر، مشيرا إلى أن شهرزاد أنقذت بسفرها في الحكايات رجلين من شهوة الدم، ذاكرا أن السرد قد انحاز في كتاب الليالي إلى الارتحال الدائم، وتيمنا بالليالي يظل السفر، هو روح السرد في كل زمان، يمده بالدهشة، ويمهد للانطلاقات الكبرى في الحكاية، ولهذا يحب الروائيون السفر، باستثناءات نادرة من بينها نجيب محفوظ. «غرفة المسافرين» الذي يرى مؤلفه أن الإقامة تختلف عن العيْش تمامًا، نعرف منه أن كاتبه، وهو طفل في قرية مصرية، كان يحلم بمكان بعيد، لم يحلم بمدينة، بل بريف آخر بعيد جدًّا، متسائلا هل كانت المدينة تتجاوز أحلامه؟ أم كان العالم بالنسبة له مجرد ريف متعدد الأشكال؟ القمحاوي الذي نقرأ هنا تأملاته حول القراءة والكتابة، يدافع هنا عن افتراضه أن «السفر ولع يوحد البشرية»، يفترض أيضا أن كل الأماكن تصلح موضوعًا لحلم السفر، حتى بلاد العالم الثالث التي يتحملها أهلها كعقوبة على ذنب لم يقترفوه، وكل الأماكن، حسب رؤيته، لديها القدرة على خلق مجانين يعشقونها، والعاشق، يرى القمحاوي، لا يعرف بالضرورة أسباب عشقه، فضوضاء القاهرة التي تنتهك أكثر لحظاته حميمية هي حلم لآخرين ملّوا هدوء ونظام مدنهم.

بحث عن الدهشة

ومن افتراضاته هنا أيضًا أن الولع بالسفر بدأ مبكرًا جدًّا، منذ أن عرف الإنسان ألم الوجود، والمسافر يحاول أن يتزود بما يقدر عليه من الحياة، أو بمعنى آخر، حسب قول المؤلف، أن السفر سعي للعيش الكثيف طالما أن وقتنا على الأرض محدود. وربما يكون السفر محاولة لتوسيع المكان طالما ليس بمقدرونا تمديد الزمان. هنا يرى القمحاوي توهمات السائح/ المسافر توفر له السعادة بدون أن تضر أحدا، ما دامت حبيسة في قلبه، أو فشت بين عدد محدود من معارفه، أما المشكلة فتنبع من توهمات السياح المشهورين من الأدباء والرحالة الذين أسسوا لسوء تفاهم بين البشر يتعذر حله، خاصة وبعض الروائيين والشعراء الكبار سافروا ومارسوا في ما كتبوه الانتقاء والتضخيم. القمحاوي الذي يرى، بغض الطرف عن الارتباطات السياسية للكاتب، أن قدرة الكاتب محدودة في الإحاطة المتوازنة بالمكان الذي يسافر إليه، وهناك الرغبة في التباهي التي تقود إلى المبالغة في وصف مُتَعِه وحجم الأخطار التي واجهها، يرى كذلك أن كثيرا من الكتاب يسافرون بذهنية المحارب، يريدون العودة بغرائب ترصّع نصوصهم، مثلما يعود الفارس بجراح ترصع جسده كدليل مادي على الجسارة.
هنا يكتب القمحاوي قائلًا إن آرثر رامبو سافر حتى استنفد الدهشة سريعًا ومات، ذاكرًا أن الفرق بينه وبين الرحالة الأوروبيين أنه بحث عن الدهشة ليعيشها لا ليصفها، ولم تصدر عنه إساءة لأي مختلف، ولم يبالغ في تقدير المدهش، لأن روحه كانت تتطلب أكثر من قدرة أي واقع على الإدهاش. في السفر يحتاج المسافر، يقول الكاتب، إلى ساقين قويتين تحملانه، وذراعين قويتين تجران حقيبته، ومعدة تستجيب لنزواته، غير أنه يحتاج إلى عينين أكثر من أي شيء، فالعين هي أول وأقوى مداخل الدهشة، ما جعل الكاتب يفكر في من فقدوا بصرهم وفي حظهم من السعادة في السفر. غرفة المسافرين يرى أن الكمال قد يكون الاسم الآخر للغموض، وأن الغموض سبب من أسباب عشقنا للسفر، وهو أيضا، ومصادفةً، أهم ركائز الأدب العظيم. هنا أيضًا وبعد أن يورد الكاتب نصيحة توماس مان التي تقول إنه علينا ألا ننظر إلى الأشياء إلى الحد الذي يجعلها محزنة، يوصينا هو بأن نحسد الشغوفين بالتقاط الصور أثناء رحلاتهم، فهم محظوظون تتلقى عين الكاميرا، نيابة عنهم، نظرة الجمال المرتدة المدمرة.

الهروب مستحيل

باعتباره روايتي «الموت في فينيسيا» و»الأمير الصغير» روايتي رحلة، يتساءل القمحاوي هل ثمة علاقة بين واحدة من أعظم أعمال الرواية الألمانية،
وبين رواية تبدو معجزة في الأدب العالمي كله؟ مشيرا إلى أننا هنا أمام كاتبين أحدهما يُناصب الجمال العداء ويتأمله بعمق يجعله محزنًا، والآخر يتوحد معه فلا يعود يخشاه. القمحاوي في غرفته للمسافرين يبث تأملاته الطويلة، يؤنسن الحقائب، جاعلًا منها حقائب حزينة وأخرى سعيدة، ويرى أن الفرار من الموت هو أحد أهداف السفر، قائلًا إن لملاك الموت في اللاوعي الإنساني صورة شرطي يلاحقنا، سيطرق الباب في أي لحظة، لذا نفكر كما فكر وزير سليمان: نسافر حتى لا يجدنا عندما يأتي! الكاتب الذي يؤكد أن السفر يخفف من ارتباطات الإنسان بماضيه وبتقاليده، وأن الهروب من الموت مستحيل، يرى أن الرحلة عرْض لطيف نقوم فيه بأدوار الموتى، ثم نخرج منه سالمين سعداء، مثلما يغادر الممثل المسرح عائدًا إلى بيته بعد أن رأيناه يسقط مقتولًا. القمحاوي يرى أن السفر اكتشاف لأنفسنا أكثر مما هو اكتشاف للمكان المختلف، حيث نصبح أكثر قدرة على التقدير الصحيح لمشاعرنا بعد الانتقال إلى عالم آخر.

في «غرفة المسافرين» الكتاب الذي يسافر في السفر عبر متن سردي سلس ورائق ومنساب، يرى الكاتب أن معرفة الذات لا تعني اكتشاف المسافر لروحه فقط، بل مقابلة جسده منفردا والإنصات لأوجاعه والتعرف على التغير الذي اعتراه، كما يرى أن المسافر، على النقيض من الراهب، ينصت إلى حواسه في عزلته وسط جموع الغرباء، فيكتشف الأشياء التي تسعدها، كما ينصت لأنين أعضائه الذي أهمله خلال ركضه في أيامه العادية، كما نجد هنا تأكيد أن السفر يخلصنا من العمق المؤسف الذي لا تستحقه الحياة، وأننا نلتقي بأجسادنا في السفر ونتعرف عليها بعد غيبة، وأننا لا نكون معصومين من الحزن، لكننا نكتمل. وفيه لا يُبقينا عزت القمحاوي رهن الإقامة الجبرية في مكان أضيق من سم الخياط، بل يمنح لكل منا جناحين يطير بهما ويسافر إلى حيث أراد، وفق اتساع مجرة خياله، مبينًا أن إمكانيات التواصل الحديثة، ساعدت المسافر القلِق في التغلب على الوحشة، لكنها قضت على عادات القراءة في أوقات الانتظار، والأسوأ أنها أضرت بعشاق السفر المخلصين المؤمنين بفضائل الخفة ويحبون الانخراط فيها منذ مغادرة عتبات بيوتهم. هنا يرافق الكاتب مسافريه ما إن يخرجوا من أبواب بيوتهم مقتفيًا آثارهم حتى وصولهم المطارات، فذهابهم إلى الطائرات، واصفًا شعورهم وهم معلقون بين السماء والأرض، متحدثًا عن صنيع شركات الطيران وما تقدمه على متن طائراتها، عارجا إلى وسائل السلامة والأمان وجمال المضيفات، قائلا إنه مهما سافرنا فلن نعبر السماء الواحدة مرتين، بدون أن ينسى سفر البحار والمحيطات على متن السفن.

فوائد السفر

الكاتب الذي يتساءل لماذا لا تُعقد محادثات السلام على متون الطائرات؟ يكتب هنا عن الدُّش السماوي الذي دفع فيه صديقه ثروة طائلة فقط ليجرب الاستحمام في السماء، وعن فرحة الراكبين لحظة تلامس عجلات الطائرة بالأرض، وعودتهم مرة أخرى غرباء عن بعضهم بعضًا، بعدما توثقت صداقتهم في ساعات الخوف، واصفًا روح المسافر الضعيفة المرتابة المترددة الخائفة، المستثارة بروح طفل في أرجوحة. في «غرفة المسافرين» الذي يقسمه القمحاوي إلى أربعة أقسام: في المعنى – عبر الحقيبة – مكتوب على جدار القلب – زفرة السائح الأخير، يسلط الضوء هنا على بعض المدن، مقارنًا بين المدن السعيدة والأخرى الحزينة، مخالفًا كثيرين في انبهارهم بمدينة فينيسيا، كما يقارن بين سفر الليل والنهار، محذرًا من سفر الليل، حيث أسوأ المخاطر تنتظر مسافري الليل وأخفها تنتظر حقائبهم.
ومن فوائد السفر، أو عذاباته، التي يضعها أمامنا هنا أن المسافر يكتشف أن حياة الآخرين ممكنة من دونه، كما ينصح المسافرين أن يتكلفوا اللطف في المدن الحزينة، وأن يتجنبوا أي شيء يحمل اسمه وعودًا لا يمكن الوفاء بها في تلك البلاد، أما ما يبدد خفة السفر ويطفئ بهجته فهي المدن التي تعاني نقصًا في الهواء، وتلك التي تتباهى بنفسها. القمحاوي الذي كان يحرص دائمًا في سفرياته على خفة حقيبته، يقول إن أحد تعريفات الحرية عنده هو امتلاك فرشاة ومعجون أسنان، ذاكرًا أن الراحة أثناء السفر ليست هي دافعه الوحيد إلى تحرّي الخفة، مشيرًا إلى أن الذين يتأنقون للآخرين يغفلون شيئين: الملابس المنزلية التي لا يراها الغرباء، وحقيبة السفر التي لا تظهر للآخرين، إلا في لحظات العبور السريعة.
وفي السياق نفسه يكتب قائلًا إن الحقيقة غير السارة أننا مهما سافرنا وحملنا أو رأينا حقائب سفر، فأكثر ما نتذكره هو الحقائب الحزينة، ذلك لأن الفرح ساذج وسطحي وهش، سرعان ما يتخلى عنا لأبسط الأسباب، بينما الحزن لئيم وعميق، وهو الأكثر على هذه الأرض للأسف. ولأن الأدب لا يخلو من القصص الحزينة، لذا يعتقد الكاتب أن قصص الحب والسفر السعيد وحقائبه لا تعني إلا أصحابها. القمحاوي الذي يكتب نثرًا هنا، لا تخلو عباراته من الشعرية، إيقاعًا وتصويرًا، استعارة ومجازًا، فهو يصف الحقائب والمدن بالحزينة، ويقول عن الملابس إنها تتقاعد، معترفًا أنه لا يحب إلا الكُتاب الشياطين.

أدب الشاطئ

في «غرفة المسافرين» لا يظهر عزت القمحاوي كواحد من الساردين الكبار الذين يجيدون الإمساك بقارئهم حتى النقطة الأخيرة فقط، بل يظهر كمثقف واسع الاطلاع والمعرفة، وبطريقة غير مباشرة، يجعلنا نسافر في عوالم السفر، مؤكدا أن الحياة بلا سفر هي حياة ينقصها الكثير، أو هي، تقريبًا، لا حياة. هنا ايضًا، ومن خلاله، نعرف أن الإنكليزية جين أوستن كانت أول من كتب أدبًا يتعرض للحياة على الشاطئ، مدشنة في مؤلفاتها الكتابة عن تلك اللحظات الاستثنائية في حياة الإنسان، لحظات العطلة في الزمان والمكان العابريْن، بكل ما تحمله هشاشة الظرف من سعادة وحزن، مشيرًا إلى أن الشاطئ كان قد غاب عن الأدب المصري حتى كتب إحسان عبد القدوس قصصه عن الصيف. هنا كذلك يعتقد القمحاوي أن هناك يومًا لقيامة السياحة، اليوم الذي ستنتقل بعده البشرية إلى حياة أخرى عديمة الدهشة، يومذاك سيُلقي السائح الأخير، الذي يقف على ربوة تطل على آخر قرية في العالم، بالكاميرا إلى عمق الوادي وينصرف. هنا أيضًا يقول الكاتب إننا نحلم بالمدن التي لم نعرفها، لكن هبت علينا منها نسائم حب، وحين نثرثر مع أصدقائنا نتكلم عن المدن التي نرغب في زيارتها، لا التي زرناها، ناصحًا قارئه ألا يخرج من بيته، إذا لم يكن متأكدًا من مهارته في العودة إلى الطفولة، وإلا فإنه لا يهدد سعادته الشخصية في الرحلة فقط، بل مستقبل صناعة السياحة التي توفر مئة مليون وظيفة في العالم وحوالي ثلاثة ترليون دولار.
القمحاوي الذي يقول إن السفر يبدو وكأنه الرد التلقائي على الموت وعلى الانكسار في الحب، يتساءل هل السفر لاستعادة الماضي؟ أم لإعادة حجب المستقبل؟ معلنًا أن من أهداف السفر الالتقاء بدهشة المختلف، غير أننا لا يمكن أن نتخلى فجأة عما ألفناه طوال حياتنا. هنا يرى القمحاوي أن الحياة مجرد حلم، والموت هو استيقاظ الحالم، والسفر والعودة هما مجاز الحياة والموت، قائلًا إن كل سفر هو حلم، وبعض الأحلام جميل، وبعضها كوابيس، أما فضيلة السفر الكبرى فهي أنه يصالحنا على أماكن عيْشنا الأصلية. كما أن «غرفة المسافرين» ليس كتابًا عن أضلاع مثلث السفر الثلاثة: المسافر ـ حقيبة السفر ـ مكان السفر، وإنما هو، إلى جانب ذلك، ينقل لقارئه، الذي عَلُق معه طوال صفحات كتابه، فلسفته وخبرته ومعرفته وما توصّل إليه من معلومات ومتعة ومشاهدات وتأملات من خلال سفره وترحاله. نهاية أستأذنه في أن أتصرف في مقولة أليساندرو باريكو التي يقولها على لسان راويه «إذا رقصتَ لا تموت، تشعر بأنك إله»، وأصيغها هكذا «إذا سافرت لا تستمتع فقط، بل تشعر بامتلاكك للعالم».


*كاتب مصري



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي