ومضةُ الشِّعر في موكب النثر الطويل

2021-02-12 | منذ 4 شهر

وادي قاديشا في لبنان، لويس فرانسوا كاساس (1756-1827)حكمت درباس*

 

تكوين

ما رأيتها
لكن الرّائينَ قالوا:
كان أن ارتَطَمَتْ شُهُبُ الغيْب
بالأرض
فتناثرت في السّفحِ الصّخور
كان أن أصابَ الصّخورَ بَرقٌ
فارتَصَفَت حجارةَ تدشين
كان أن حَلَّقَ نَسرٌ فوق الحجارة
فارتَفَعت في الأُفقِ أسوارًا.
وأنتَ، لم تكن أنتَ بعد أيها الإنسان!
أشرقَ مِن الأسوار نورٌ
خَرجَت مِن النورِ الدروبُ
طَوَّقتِ الدّروبَ المساكنُ
وكَثُر القوم، مارسوا العشق
عُلِّيَت بيوت آلهةٍ كثيرةْ
هُدِّمَت بيوت آلهةٍ كثيرةْ
ثم عَبَرَت ظبيةُ النبعِ القديمِ
تركضُ في شوارعها:
"أنا ابنةُ سيرةٍ لم تكتمل
قرنايَ مَرْقَدُ الشّمسِ
ومِسْكي عِطرُ الفاتحين
أنا ابنةُ دورةٍ لن تنتهي
عيناي مِرآةُ مآلِكُم
وجلدي غطاءُ أرائكِ الأباطرةْ
انظروا إليَّ انظروا
أنا الطفلةُ التي ذَبحها آباؤها".
فدنا منها الآوي إلى كهفِ عُزلَتِهِ
اقتربَ المنسيُّ في سحيق الكلام:
"آه يا صغيرتي، أقبِلي ولا تفزعي
سأمسَحُ الآلامَ عن جسدكِ الغضّ
أُزيلُ الشوكَ من جِلدِكِ الناعم
أمسّدُ، بما أوتيتُ من رهفٍ، ظهركِ المكلوم.
إليَّ يا ظبيةَ النبعِ اقتربي
هاكِ عُشبًا ليس يبلى
أنا صِنوك في مِحْنة البشريِّ
قرينك في موعد الفَرَح المخبّأ".
قال ذلك قبل أنْ سَدّدَ القنّاصُ
رماهما سيِّدُ القَوْسِ القديم.
وأنتَ، ألم تكن أنت شاهدًا
أيها الإنسان؟

 

◼◼◼


في حضرة النُسَّاك

كان ذلك قبْلَ زمانِنا الفاني:
قِيلَ إنَّ إلهةً صَبَأتْ عن قومِها
في المجْمَعِ العُلْويّ
قِيلَ إنها عَشِقَتْ في السِّرِ إنسيًّا
فاضَ عن جسمِها العِشقُ
صار العِشقُ ماءً
صار الماءُ نهرًا
سالَ النهرُ في الوادي
سُمِّيَ النهرُ "قاديشا".
فانظري يا ذاتَ العينين البُنيّتين
والجينز الممزّقِ عند الفخذِ
انظري كيف صُيِّرَ فخذُها جُرفًا
كيف ابتنى النُّسّاكُ في الجُرف مَحْبَسَهم.

*

لغتانِ في مَحْبَس الرُّهبانِ، هنا
على ارتفاع 1400 مترٍ من اللا يقين
قريبًا من غاباتِ أرْزِ الربّ
بعيدًا عن صحراءِ بَلوى الربّ
لغةٌ في المخطوطات قديمةٌ
وأُخرى في اللسانْ
آراميةٌ ضاعَ زمانها
عربيةٌ تُضيُّع الآن الزمانْ
الثانية قبرُ الأولى
فاللغاتُ قبورُ اللغات
تُدفن مثلما يُدفَن الناسُ في هذي البلاد.
أهبط الوادي مثل ذئبٍ فرَّ مِن رَهَق الحضارة
يتساقطُ الضوء على شَتات المخيّلة
يدور شريطُ الذكريات
مثل بَكَرة السينما القديمة
والجُرفُ شاشةُ العرض:
هي ذي الحربُ التي لم أشهدها
حربُ ثلاثين عامًا
ثلاثين تيهًا وطحنًا
ثلاثينَ ألفَ يتيمٍ ضيّعوا الآباءَ
في النثرِ وفي التاريخ.
لكن رويدًا، حَدّقْ مَلِيًّا
ألا يشفي هذا الخَضارُ غَبَشًا أصابَ العين؟
ألا يرتق ثُقبًا حَلَّ في الذاكرة؟
أخرجُ من الوادي مثل وليدٍ
مُسَّ بصاعقةِ الغيب تَطهَّر
فسلامًا عليك إلهةً صَبَأت عن قومها
في المجمع العلويّ
سلامًا عليك إنسِيّةً عادت
إلى نبعها الأزليّ
وتذكّري يا ذات العينين البُنيّتين
والجينز المُمزَّقِ عند الفخذِ
تذكّري قرويةً قُربَ محطَّةِ الباص ابتسمت لنا
وَضعَتْ حفنةَ كرزٍ في يدي
"فلتأكلا من كرومِ الله".


◼◼◼


مات قيصر

"مخيمٌ جهة اليمينِ ولاجئون
خرائبٌ جهة الشمالِ وزائرون
فلتَتركا حُزني معي ولتدخلاها آمِنَيْن"
قالت دليلنا في الباص.
بعلبك!
نطوفُ ذاكرةَ المكانِ طوافَ البدو
أرجاءَ الصحاري.
نأخذُ صورةً في المسرحِ المهجور
هل نحن فيه ممثلان؟
لو لم يهتفِ الجمهور "لا"، أعني الركام
لظَنَنتُ أنّا وحدنا.
حِرباءُ تُطِلُّ برأسِها مِن بين أكوامِ الحجارةِ
حجارةٍ رَصَّها بالمجدِ مُنتَصرٌ
فوق حجارةٍ رَصّهُا بالخوفِ مُنكَسرٌ
تخطِفُ رزقها الحِرباءُ وتختفي.
في بعلبكَ ينفَرِطُ الزمان
مُرّ الأيام وحُلْوها تحتَ لساني.
نُطيل في الحجر التأمّلَ
- خَمّني ماذا يقولُ النقشُ
- لستُ قارئةً
- لا بأس، تسليةً، جَرّبيهِ من اليمينِ إلى اليسار
- حسنًا يقول "ثعلبانٌ أنت"
- ومن اليسار إلى اليمين؟
- حتمًا يقول "أنت ثعلبان".

*

السابعة.
تغربُ الشمسُ في مدينة الشمس
يقول حُرّاس المكان: تأخّرتما
لكن بضعَ دقائقَ ربما تكفي لزيارة المعبد.
ففعلنا
باخوس!
مِن أينَ سالَ الخمرُ يا إله الخمر؟
مِن عناقيد الزخارف في الجدارِ
أم مِن كروم الفتاة التي اصطادتني بالكاميرا؟
أنا الوثنيُّ في زمن الهُداةِ
أنا الأفّاكُ في زمن الثِقاتِ
أنا المغمورُ في زمن الطُغاةِ
وَمضةُ الشِّعر أنا في موكب النثر الطويل.
تبتعد الفتاة عني بضع خطواتٍ وألفَيْ عامٍ
يعبر بيننا جيشٌ من النبلاء والأسرى:
"عاشَ قَيصر".
نعود نخطف قُبلتين فتزفر حولنا الأطلالُ
تهمسُ: "ماتَ قيصر".


* شاعر وباحث من فلسطين



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي