مُلاعِبَة الدُمى في رواية «حرير الغزالة» لجوخة الحارثي

2021-02-09 | منذ 4 شهر

محمد زروق

 

أنْ تقرأ سردا للروائية جوخة الحارثي فذاك يعني أنك تغوصُ في أنفُس بشرية، وأنك تُبحر في عوالم التخييل التي لا تنبت عن واقع محلي ونفسي كوني، وأنك تُحْكِمُ عقلك لإدراك جمعِ سردِ التنجيم، وتكدّ الخاطر الذي يُسعِد الروح لوأْم تفاصيل السرد في وتَدٍ جامعٍ، أنك تعيش متعة السرد العميق الصادر عن ذاتٍ كاتبة لا تُقصِر أمر الكتابة السردية على الموهبة والهوى، وإنما تضيف إليهما الكفاية والقدرة والمعرفة والحياكة.
اخترنا أن نعرض قراءةً لرواية «حرير الغزالة» وهي الرواية الجديدة للكاتبة العمانية الفائزة بجائزة المان بوكر العالمية، مركزين على موضوع أظهر قُدرة الكاتبة على التفتيت والتجميع، على توزيع الشخصيات مع ابتكار خط يجمعها، وعبرنا عن ذلك ـ تصويرا- بملاعِبة الدمى، بيانا لقدرة الذات الحاكية على تصريف شخصياتها وتنويعها ومنْحها حرية الرؤية والتكلم، فالشخصيات في الرواية لها وجودٌ وتحققٌ، وكل منها له حكاية ومجال سردي يُؤسسه. الرواية أشبه بقطع الصورة المقطعة أوصالها التي تحتاج من القارئ تركيب عناصرها، لتتشكل الصورة تامة الهيئة والشكل والدلالة، قِطَع الرواية شخصياتها، كل منها حاملٌ حكاية، تُتقن الكاتبة إفرادها ووصْلها بخيط جامع، يشد تفارقها ويجمع تباينها، هي روايةُ الأجزاء المكتملة، تجمع شخصيات لا تبدو متنافرة، وإنما هي داخلة في تناغم وتناسق ووَحدة.

«علبة الديدان»

الذات المؤلفة في هذه الرواية شبيهة بمُلاعب الدمى، يجعل لها أصواتا ورؤى، ولكنها تبقى ماسكة بخيوط السرد لا ينفرط منها عَقد، وهو ما عبر عنه آلان راباتال بِـ«علبة الديدان» التي إن حرر صاحبها الديدان من سجنها، فإنه يبقى متحكما في توجيهها حتى لا تنصرف عنه، دلالة على أن الكاتب يُطلق شخصيات الرواية تجول بإرادتها وتُحدد مصائرها، ولكنها تبقى دوما خاضعةً لباعثها، إذ يُطلقها من علبتها فإن أرادت مسارا اعترضها فغير مسارها.
رواية «حرير الغزالة» هي روايةٌ دالة على بحثٍ واجتهادٍ في الخروج من جبة الفوز بجائزة عالمية في الرواية، يُمكن أن تُعطل الإنتاج، إلى حيز الإبداع تجريبا واختبارا. فكل كاتب يفوز بأهم جائزة روائية عالمية يخشى أن يُعكر صفو هذا الفوز، غير أن جوخة الحارثي، واصلت البحث والتجريب وأخرجت «حرير الغزالة» صورةً دالةً على الاقتدار والموهبة. وهنالك ثلاث نقاط أساسية يُمكن أن نثيرها في الرواية، بدون أن نكشف خفاياها أو نُفسد متعة الرحيل معها، تتمثل الأولى في بيان قدرة الكاتبة على انتقاء الشخصيات وبعْثها وتوليدها، وتخص الثانية قدرة الكاتبة على تخطيب بعض الشخصيات ومنحها فرصة الوجود، وقبر شخصيات أخرى، وتهم الثالثة قدرة الكاتب على توليد السرد، بتوليد الشخصيات، وهي أمورٌ نُظهرها لاحقا.
عالم السرد الروائي في ظني يتأسس على منزلة الراوي من أحداثه وشخصياته وطرق روايتها، وماهية المنظور الذي اتخذه، وقد اختارت الذات الراوية في رواية «حرير الغزالة» شبكة من الشخصيات تتفارق وجودا وتتناغم سردا، هي شخصيات يتولد بعضها من بعض، تدخل شخصيات وتخرج أخرى، غير أن الرواية في ظني منشدة إلى شخصيتين وَتَدَيْن هما «حرير» و «غزالة» وهما الشخصيتان اللتان شدتا فضاء الشخصيات، ومن عجيب السرد أن هنالك شخصيات فاعلة بغيابها مثل «آسية» الشخصية المُستعادة، المؤسسة للرواية التي تختار الذات الراوية إخراجها من الحكاية، ثم استعادتها في آخر الحكاية، ولكنها تظل فاعلة من خلال استرجاعات غزالة. ألهذا الحد يُمكن أن تصنع الشخصيات بامتلائها وحكايتها وطرقَ تحديد مصائرها عالما روائيا مميزا؟

تُصنَع الرواية من تفاصيل الشخصيات، هي تفاصيل يمتلك قُدرة روايتها السارد الحكاء، العارف بأنه مُختلفٌ عن شخصياته، وأن لها وجودا وكونا ولغةً تختلف عن كون الراوي وعن لغته. الشخصيات عالم له وجودٌ مستقل في أصل الوضع ولكنه خاضعٌ في تحديد مساره إلى إرادة الراوي، الراوي الذي يَقتل ويحيي، يُخفي ويُبدي، يُظهر ويُضمِر، يُنطق ويُصمت.
«غزالة» كانت شخصيةً وتدا شدت إليها عالما من الشخصيات وفضاء من الحكايات التي تخرج عنها أحيانا وتُوصل بها أحيانا أخرى، «فتحية» الأم المكلومة، «سعدة» الأم المأمولة، «العمة مليحة» التي فتحت ممكنا سرديا أثرى الرواية، «آسية» شكلت عونا مهما في الرواية على المراوحة بين الحضور والغياب، «آسية» وحكايتها، وارتباطها بسعدة الأم وبالأب الذي آثر الهروب إلى الغياب بعد فقدانه أحبته، آسية شخصية مركزية في حضورها وفي غيابها، تصنع عالما من الغموض وتؤثر الذات الراوية إخفاءها، « غادرت آسية مع أبيها «شعرات باط» ولم تعد بعد ذلك أبدا. قالت الجارات إنها ذهبت إلى أخوالها في الوافي، وقال آخرون إنها أرجعَتْ أباها إلى بيته القديم في أبوظبي وفتحا دكانا هناك. لم يسمع أحد عنها خبرا، ولم تعد إلى مندوس أمها في البيت المقفل، وإنما سُمِعَ صوتها بعد سنوات تردده الإذاعات والتلفزيونات» ولكن أهم الصلات التي صنعت قسما من الرواية، هو ثلاثي الحب المقدس المؤسس لبيان صورة شخصية «غزالة» الباحثة دوما عن حب تتحقق فيه، سواء أكان حقيقةً أم افتراضا، «العازف» «مغني الملكة» «الفيل».

«حرير» هي الشق الثاني من توازن العنوان، وتوازن الوتد الجاذب الجالب للشخصيات الحاملة لحكايات فرعية مؤسسة للحكاية الأصلية، «حرير» الشخصية الراوية، وحرير»الشخصية المروية، تؤسس فضاءها الخاص حكاياتها وحكايات حاضرها وماضيها وحكايات شخصيات علقت بها من قريب أو من بعيد، هي كيانٌ مختلف في وجوده وتكوينه عن «غزالة» غير أنها تلتقيها، وتعيش معها حياة تلتقي فيها الحكايات وتتناسل، تُوصل «حرير» «بـ»شروق» الطالبة الداعية» بـ«سلايم» «أعظم نمامة عرفها السكن الداخلي» التي «جردتها قصص الناس من قصتها الشخصية» بأمها بأبيها بأخيها، ولكن صلتها الأعمق بغزالة، تتواجد معها، تدخل عالمها، تصيرها أحيانا، ترى رؤيتها، تتوحد بها، وتُداخِلُ عالمها، تعيشه، وتأخذ منه الماضي والحاضر.
للشخصيات وجودٌ، ومن أدرانا أنها ليست «كائنات تمتلك أحشاء» هي صُور لأفعال وأقوالٍ وأعمالٍ، هي صورٌ للذوات البشرية المتفارقة المتشابهة، هي صور للمجتمع بكل جوامعه ونقائضه، بمكتومه ومعلومه، ودور الكاتب الحق أن يصنع عالمه التخييلي وقد آمن بحرية شخصياته. أعتقد أن جوخة الحارثي في «حرير الغزالة» قد نجحت في أمرين مهمين، الأول أنها صنعت شخصياتٍ ـ على غربتها- قريبة منا، نشعر حركتها ووجودها وآلامها قبل أفراحها، والثاني قدرتها العجيبة على منح الشخصيات امتلاءها، فلا تستبد بها، ولا تُغلب لغتها ورؤيتَها، وإنما الشخصية ـ بإرادة الذات الكاتبة – هي المُعبرة عن نفسها.
تستعمل الذات الراوية بفطنة سردية عيونا وأصواتا فهي أحيانا تروي بنفسها، ولكنها تُسخر رؤية الشخصية فحكاية «العازف» يُجرى فيها منظور زوجته «غزالة» التي تُبئره في كيانه وعِيانه، وحكاية تاريخ «العازف» تُعمَل فيها رؤية «العازف» الذي يُطلق لسانه لوصف عالمه، فالذات الراوية لا تستبد بالحكاية وإنما تُنطق شخصياتها في حكايةِ قوْلٍ، وإن لم تُطلق قولها تَسْتعمل منظورها، وتُسلم في أحايين كثيرة عُهدة السرد لفظا ومنظورا إلى «حرير» التي رشحتها الكاتبة لتروي شطرا من الرواية.
أخيرا، لماذا تُوصَل «غزالة» بالماء راحةً وارتياحا، بدايةً (الفلج) ونهايةً (البحر) هل للماء دلالات في الرواية، وهو القاتل المُحيي؟ لماذا تعيش «غزالة حالة حب تبحث عنه حياتَها ولم تجده؟ لمَ هذه الحيرة في التحقق وهي مُحبةُ الثلاثة، وليدةُ الأمين، مرغوبةُ الصداقة؟ لماذا تركن «حرير» إلى الفرس تبثه همومها، وتبسط حكاياها أمامه، وتشعر بالطمأنينة معه؟ في روايةٍ سخرت الحيوان بشكل لافت، القطة، الفرس، البقرة؟ «حرير» التي رشحتها الذات الراوية لتكون راويةً ومرآةً لـ«غزالة».

التنويع والتغيير

أخيرا، هي روايةٌ يمْثُل ثراؤها في قدرة كاتبتها على التنويع والتغيير وتجنيب القارئ هدهدة السرد، تنتقل من لغة يومية إلى لغة سردية إلى لغة شعرية، تنتقل من منظور الراوي إلى منظور الشخصية، تنفي وجود شخصية بطلة هي ملتهمة السرد، وتجعل من الشخصيات الثواني حكايات يتلذذها القارئ مثل حكاية العمة مليحة أو حكاية شروق وغيرهما. رواية جديدة جالبة جاذبة جديرة بقراءةٍ تتسلح بالنفسي والاجتماعي والسردي، فيها ظاهرٌ وباطنٌ، فيها كُعيباتٌ وجب جمعها وتنظيمها بعقل واعٍ وحس عارف، حتى نُدرك معنى للإنسان في وجوده الذاتي والمجتمعي، ذاك أن الرواية تُوهم بالمحلية أسماءَ أماكن، ومرجعيات حدثية، وطُرقَ معاش، بيد أن عمقها كوني.
من تفاصيل الحياة، من مآسي الإنسان وأفراحه، من عمق وجود الفرد في صلته بالجمع، مما يُكابده الفرد في فردانيته وفي جماعته، تتأتى رواية «حرير الغزالة» ويُقامُ أوْدها خطابا متماسكا يأخذ بعضه برقاب بعض، وتكون الذوات الأعوان حاملة الهموم، تعيش الموت والفشل وحيرة الوجود، وتقاوم الحياة بالحب حينا وبالموت أحيانا، بالتحقق أحيانا وبالاستسلام أحيانا، بالعقل حينا يسيرا وبالجنون أحيانا وفيرة..

*جامعة السلطان قابوس



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي