رواية من زمن الاحتقان

«رجال الدار البيضاء... مرس السلطان» للكاتب المغربي أحمد المديني

2021-02-04 | منذ 4 شهر

مراكش - عبد الكبير الميناوي - صدرت للروائي والقاص المغربي أحمد المديني، قبل أيام، رواية جديدة بعنوان «رجال الدار البيضاء... مرس السلطان»، عن «المركز الثقافي للكتاب»، في قرابة 600 صفحة، وطبعة فخمة.
والمديني واحد من الكتاب المغاربة الذين جعلوا من الدار البيضاء محركاً وموضوعاً لكتاباتهم. فهذه المدينة، التي ينحدر منها، مدينته، رأسه ووجدانه، وهو يسردها روائياً بانتظام منذ عام 1975 حتى الآن، بداية من روايته «مدينة براقش» (1998) التي كتبها عن مرابع الفتوة والشباب وحراك جيل العصيان والتمرد، ثم انصرف عنها لحين إلى تخييل الزمن الطلابي الجامعي بفاس، في مرحلة الستينات من القرن الماضي برواية «رجال ظهر المهراز» (2007)، من غير أن تفارقه أوجاع وأهواء مدينته الأصلية التي عاد إليها، اليوم، بقوة وفي حقبة دقيقة وحافلة هي عقد السبعينات من القرن الماضي، قلب التاريخ المغربي الحديث.
في عمل المديني الجديد، نكون مع الدار البيضاء «كما لم تكتب بعد، في زمن الاحتقان وحيوية جيل مترع بالآمال»؛ وذلك «بحثاً عن مصير جماعي وملاذ فردي، في آن، من بؤرة مركزية، ساحة (مرس السلطان) الشهيرة فيها، وبوصلة زمنها الحار، بدءاً من السبعينات، حين انطلقت منها الشرارات المختزنة بالرعود، وامتداداً حتى عهود الرماد». واقع جمر تقبض عليه في هذه الرواية الواقعية، كأنك تعيشه، وآخر خيالي «تحلق فوقه وقدماك مغروستان في الأرض»، كما جاء على الغلاف الأخير.

أي معضلة يحبكها السارد من بؤرة مركزية، ساحة «مرس السلطان»، في قلب المدينة العصرية، حيث يتقاطع الماضي والحاضر في ذاكرة حية وبعنفوان؟ هنا «يمر بعين (البطل) شريط أزمنة قلبها زمن السبعينات، انطلقت منه الشرارة بأفعال وأحلام ناس لهم أسماء وشهداء، وآخرين عابرين في الزمن الصعب»، هو «واقع كأنه يعيش لحظته ويومه، يراه بأم العين ويختلط بناسه جلداً وصوتاً ورائحة بقوة بين السرد والتصوير والإيحاء. ثم يمسك الكاتب بزمام المنظور الواقعي الذي يغلف المكان والفضاء ووقتهما المضاعف، والسيكولوجي، في قماط خيالي يمنحه شكلاً استعارياً تحلق بجناحيه وقدماك مغروستان دائماً في أرض نص مدينة تضِجّ بالأحداث والسِّير الحقيقية لأفراد وهيئات وهامشيين، مدينة تراها، تقرأها نصاً رهانه أن يقنعك بأن الرواية هي الحياة وأكثر».
تأتي «رجال الدار البيضاء» في صيغة واقع وخيال يتحاوران داخل معمار متماسك وخط سردي متموّج بين المعيش ونشاط الذاكرة، كتابة بصرية واستبطانية، توثيقية وتخييلية، تمثل جماع مشروع طويل لروائي مغربي مجدد.
نقرأ على لسان السارد «ستعبر أرتال السيارات في هذه الساعة ثم يأخذ السير يخف تدريجياً، والموظفون والسابلة يعودون إلى بيوتهم. هيا، كل واحد يمشي لداره، كالنمل يدخل مساكنه، يفسحون لليل كي يأخذ حقه، ولأصحابه أن ينالوا حظهم. في كل المدن، في الدار البيضاء خصوصاً، عيشان وعالمان، في قلبهما شعبان، واحد للنهار، وصخبه وكسبه وحوادثه وزمجراته، والثاني، هو الفسيح، الهادئ، الساحر، بيت الأسرار، وملتقى الرفقة والأحباب، لهم فيه مجلس السرور ومخادع الحبور، ويفضي إلى الخفي والأنين والصامت والمجهول، حين ييأس الخلق من أنفسهم وكل شيء، يزورهم الحلم، ويؤجل عالم النهار، نهار الدار البيضاء في قلبه (مرس السلطان) إذ يهجم بالحقيقة الفاضحة».
بهذه الرواية الجديدة وسابقاتها يرسخ المديني اسمه ضمن مجموعة من المبدعين الذين ألهمتهم هذه المدينة، التي لم تحضر فقط في كتابات الشعراء والروائيين، بل حضرت أيضاً في أعمال السينمائيين بداية من فيلم «كازابلانكا» (1942) لمخرجه الأميركي مايكل مورتيز، وصولاً إلى «الدار البيضاء باي نايت» (2003) و«الدار البيضاء داي لايت» (2005) للمغربي مصطفى الدرقاوي، و«فوق الدار البيضاء... الملائكة لا تحلّق» (2005) للمغربي محمد العسلي، و«كازانيغرا» (2008) للمغربي نور الدين الخماري. أفلام حاولت أن ترصد التحولات وتقبض على المنفلت في مدينة لا تنام. مدينة ظلت تستعصي على الوصف، بقدر ما لخّصت لطموحات وتحولات البلد بشكل لخصه الشاعر المغربي الراحل أحمد المجاطي في قصيدته «الدار البيضاء»، بقوله «وجهكِ لافتةٌ في الشوارع / وصوتُكِ كان الإشارة / .. / بيوتكِ ترحلُ من ذكرياتي / أمُدّ سواد عيوني جسراً / وأنتِ على الضفة الألف / مبحرةٌ في السعالِ / وفي عثراتِ الرجال».
ويبقى المديني من أبرز الأسماء التي طبعت المشهد الثقافي المغربي في العقود الأخيرة، لقيمة وغزارة وتنوع كتاباته، بينها «وردة للزمن المغربي» و«زمن بين الولادة والحلم» و«الجنازة» و«حكاية وهم» و«مدينة براقش» و«العجب العجاب» و«طريق السحاب» و«الهباء المنثور» و«المخدوعون» و«طعم الكرز» و«طرز الغرزة» و«نصيبي من باريس» و«خرائط تمشي في رأسي» وغيرها، كما صدرت له الأعمال الكاملة عن وزارة الثقافة بالمغرب سنة 2015. وقد فاز بعدد من الجوائز، بينها جائزة المغرب للكتاب في صنف النقد والدراسات الأدبية في 2003. وفي صنف السرديات في 2009. في حين اختيرت روايته «ممر الصفصاف» ضمن القائمة القصيرة لجائزة «بوكر» في 2015؛ علاوة على فوزه بـ«جائزة محمد زفزاف للرواية العربية» في 2018، وهي الجائزة التي تسلمها «مؤسسة منتدى أصيلة» بالمغرب.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي