تحولات الكتابة الروائية في المغرب: محاولة في الفهم والتفسير

2021-01-27 | منذ 5 شهر

صدوق نور الدين

 

يمكن القول إن الدافع الرئيس خلف الإقدام على هذه المحاولة، ما باتت تعرفه وضعية الرواية في المغرب، من تحولات على المستويات كافة، إذ لفتت النظر النقدي الخارجي بعيدا عن تحققه داخليا. فإلى فترة كان الهاجس المستحضر يتمثل في غياب التراكم الذي يقود لتأسيس الرؤية النقدية الشاملة، ذلك أن ما عبّر عنه من آراء ودراسات، ركّز أصلا على المتوافر من كم روائي منشور ومتداول لأسماء تواصل الكتابة في جنس الرواية، فارضة حضورها من جهة، ومن جهة أخرى مرتهنة للحظوة التي حازتها منذ السبعينيات، ولئن كان البعض غيبه الموت (عبد المجيد بن جلون، عبد الكريم غلاب، محمد زفزاف، محمد شكري، محمد الإحسايني، أحمد البكري السباعي..) والبعض توقف عن الإبداع (كمثال بهوش ياسين).

تحولات في الصيغة

على أن التراكم المتحقق منذ ثلاث سنوات أبرز جيلا جديدا من كتّاب الرواية الذين أكدوا جدارة مكانتهم في الخارج قبل الداخل وبمطلق الموضوعية، خاصة وأن البعض ظفر بجوائز عربية مما اقتضى ويقتضي الاعتراف بهذه التجارب التي ستغير وضعية الكتابة الروائية في المغرب، مثلما ستفرض تحولات في الصيغة وطريقة تناول المادة والتعبير عنها. أما على مستوى آخر من القول، فالأسماء الجديدة ستشكل امتدادا بجنس الرواية في المغرب، إذ عوض الإبقاء على ما يمثل حالة الثبات، فهذه الأسماء الروائية جسدت التغيير وخلقت أفقا مغايرا تنويعيا للتلقي النقدي. ويحق استجلاء هذه التحولات تأسيسا من النقاط التالية:
1 ـ المجايلة: إن المتأمل لتواريخ ميلاد هؤلاء الروائيين، يلاحظ مدى التقارب المحيل إلى جيل جديد، كما سلف، يمتلك الاهتمامات والنزوعات ذاتها، وبالتالي يواكب التحولات الاجتماعية وإعاقات الانتقال الديمقراطي في/ ومن أجل إرساء حياة مدنية تحترم الفرد وتقدر مكانة المرأة، وترفع من شأن التربية والثقافة. وأورد نماذج من هذه التواريخ: إسماعيل غزالي (1977) لحسن باكور (1977) محمد سعيد أحجيوج (1982) طارق بكاري (1988) عبد المجيد سباطة (1989) ويوسف كرماح (1989) فهذا الجيل في جانب منه ثمانيني، وفي شق آخر تسعيني.
2 ـ الكفاءة: وتبرز انطلاقا من كون هذه الأسماء التي لم تكن معروفة في الأصل، أبانت عن كفاءتها منذ البداية في الكتابة السردية، إذ لم يحدث أن خاض بعضها تمرين الكتابة القصصية بما هي خطوة انتقال للممارسة الإبداعية في جنس الرواية، إذا ما استثنينا من المبدعين إسماعيل غزالي، محمد سعيد أحجيوج ويوسف كرماح، الذي راكم نصوصا قصصيا كثيرة وتصدر روايته الأولى قريبا. فهؤلاء رسخوا الكفاءة السردية، من منطلق الإنجاز القصصي ليتم لاحقا الرهان على جنس الرواية. هذه الموازاة ثابتة على مستوى الممارسة السردية في المغرب، مثلما حال الأسماء التي حافظت على الكتابة في جنس القصة القصيرة منذ مدة (إدريس الخوري، أحمد بوزفور، محمد المصباحي، عبد النبي دشين ولطيفة باقا).
3 ـ فرض الحضور: أكدت الأسماء الروائية الجديدة حضورها من خارج المغرب حيث نشرت تجاربها الروائية الأولى في دور عربية معروفة، وعواصم ثقافية ـ دار الآداب/بيروت ـ دار العين /مصر، دار الساقي/بيروت، المركز الثقافي العربي/بيروت، ومن خلال دور عربية أخرى، نوفاليس/ الكويت، ضفاف/بيروت، ولاحقا دار المتوسط/إيطاليا. وأشير بالتحديد للقاص والروائي إسماعيل غزالي، الذي أصدر روايتيه الأخيرتين «ثلاثة أيام في كازبلانكا» و«قطط مدينة الأرخبيل» بالاشتراك مع دار الأمان/الرباط. وهذا في الجوهر يدفع لإثارة سؤال نشر الرواية المغربية في المغرب، ذلك أن كفاءات مغربية مبدعة لم تعد تثق في دور النشر المغربية، وتؤثر الخارج على الداخل، علما بأن أغلب هذه الدور مدعومة ماديا، بل إنها لا تقدم ولا تجرؤ على النشر في غياب الدعم. وبذلك فثقافة الأدب والإبداع في المغرب هي ثقافة الأسماء المهاجرة، وهي صورة قديمة إذ يكفي ذكر التجربة الروائية للراحل محمد زفزاف الذي نشر نواة إبداعاته في القصة والرواية في سوريا، العراق وبيروت.

وعي الكتابة الروائية

4 ـ الثقافة الروائية: وتتضح انطلاقا من الآثار المنجزة من طرف هذه الأسماء. كمثال: «كافكا في طنجة» و«أحجية عمران المالح» (محمد سعيد أحجيوج) «خلف جدار العشق» «ساعة الصفر» و«الملف 42»(عبد المجيد سباطة) «نوميديا» « مرايا الجنرال» و«القاتل الأشقر» (طارق بكاري) «موسوم صيد الزنجور» « ثلاثة أيام في كازبلانكا» و«قطط مدينة الأرخبيل» (إسماعيل غزالي) و«الحي الخطير» (محمد بن ميلود). هذه النماذج تأسيسا من صيغ الإنجاز إلى المادة المشتغل عليها، تدل على وعي بالكتابة الروائية جد متقدم، إلى شساعة الإحاطة بالمتن الروائي العالمي، إذا ما أضفنا كون معظمهم من خريجي الجامعة المغربية وكليات الآداب. واللافت أن المعنى المنتج في رواياتهم يحيل إلى تكوين الشخصية مثلما تكون وتخلق النص الروائي.
5 ـ الحصاد: ويتجسد في الظفر بالجوائز الأدبية على مستوى الداخل والخارج، سواء بتقديم الأعمال الروائية جاهزة أو كمخطوطات. من ثم يحق الحديث مثلا عن جائزة «كتارا» وترشيحات «البوكر» العربية وجائزة «الطيب صالح» إلى «جائزة المغرب» في الإبداع. فهذا الظفر، في الجوهر، اعتراف بالكفاءة والاقتدار على الإنجاز والممارسة، وبالتالي الامتداد.

إيقاعات الإضافة والتجديد

6 ـ إيقاع التراكم: وتدل عليه الآثار الروائية المنجزة، خاصة أن أي روائي من هؤلاء الرواد حقا وحقيقة، لم يكتف بإصدار الرواية الواحدة والوحيدة حتى يقال ويتداول بأنه اكتفى فقط بتدوين جزء من سيرته الذاتية، ولم يعد يمتلك مادة تتيح إمكان تحويلها إلى تخييل روائي، وإنما يستوقفنا كم التراكم المتحقق الذي تصعب متابعته من طرف ناقد واحد، فيما المطلوب أن تناط المسؤولية الأدبية والنقدية بجماعة تجسد حلقة نقدية تتابع، وترصد وتقارن بين هذه التجارب برمتها، بغاية الوقوف على إيقاعات الإضافة والتجديد، وهي الإيقاعات التي تغني محفل جنس الرواية في المغرب.
إن ما أقدمت على تثبيته من عناصر أعدها امتدادا للتجربة الروائية في المغرب، ليس القصد منه الحط من مكانة من يعتبرون، وبحق، جيل التأسيس والتأصيل، وإنما تجسيد الموقع الذي غدت تحتله تجارب روائية رسخت الكفاءة والاقتدار، ما أهّلها لأن تضيف للمتن الروائي إضافات دالة عميقة تستحق موضوعية التلقي الفاعل والمنتج.

كاتب مغربي



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي