القبائل والدول في العالم الإسلامي: قراءات أنثروبولوجية جديدة

2021-01-23 | منذ 1 شهر

محمد تركي الربيعو


مع اندلاع الانتفاضات العربية، وما عرفته بلدان هذه الانتفاضات من تحولات وتغيرات، وأيضا من حروب وميليشيات، وجد الباحث العربي نفسه أمام حيرة حيال سؤال بعض التشكيلات الإثنية والقبلية، التي تلعب دورا من جديد في الفضاء العام.
كان المشهد يُظهِر مجموعة من القبائل وهي تلعب دوراً سياسياً، وآخر عسكرياً، وثالثا طرفا إلى جانب الجهاديين، وهذا ما جعله يحكم أحيانا بأنّ القبيلة مكون عابر للتاريخ، وأنّ القبيلة تمثل القدر الذي لا يمكن الخلاص منه، وأنّ الانقسام والتدهور الذي عرفته هذه البلدان أتاحت الدور من جديد لهذه التكتلات البدائية، وفق تعبير البعض لتلعب مرة أخرى دورا في إعادة تشكل المنطقة. لكن في مقابل هذا التوجه والقراءة المتشائمة، وتضخيم حجم تلك الأهمية والمبالغة في أثر العشيرة في الدول القطرية. كان لعدد من الباحثين الأنثربولوجيين وأساتذة السياسة، رأي آخر بهذه العودة، فهذا الرجوع بالنسبة لهم لا يشكل مصدر قلق كبير، فالقبيلة لا تعدّ مرادفا للدولة، كما أنّ أبناء القبائل وأعيانها ليسوا الأشخاص ذاتهم الذين عرفتهم المنطقة قبل مئة سنة وأقل.
ولعل من أهم المشاركات التي قدمت قراءات في هذا المنحى، هي التي نعثر عليها في كتاب «العشيرة والدولة في بلاد المسلمين «، المركز العربي للأبحاث، الذي أشرف على تحريره الأنثروبولوجي العراقي هشام داوود. الجديد في هذا الكتاب، أنّه ضم قراءات في دور هذا المكون داخل عدد من الدول مثل إيران وباكستان وأفغانستان، التي لا يتوفر عنها أي شيء في المكتبة العربية تقريبا، كما أن غالبية المشاركات ترى أنّ هناك تضخيما في قراءة دور القبائل، وأنّ هناك قراءة سكونية للتاريخ، لا تولي أهمية تذكر للأحداث، والأهم من هذه النتيجة، أنّ المؤلفين يجمعون من خلال دراساتهم، أنّ القبيلة، وخلافا للسرديات البطولية لا تهدف إلى أن تكون بديلا عن الدولة، وأنّ شيوخ العشائر أدركوا منذ زمن أنّ علاقتهم هي مع الدولة وليس العكس.
وفي دراسة بعنوان «القبائل الإسلامية في شمال افريقيا والشرق الأوسط» يبين الأنثروبولوجي الأمريكي ديل أيكلمان أنّ مجموع الفرضيات حول الحداثة والتحديث التي سيطرت على الفكر الاجتماعي السياسي في النصف الثاني من القرن العشرين، كانت تفترض أنّ أبناء القبائل من ضمن رواسب الماضي. ومع بدايات تسعينيات القرن العشرين، تبنى صانعو قرار عديدون في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وبقوة، الرؤية التطورية للقرن التاسع عشر عن المجتمع، منطلقين من مبدأ أنّ العشائر لا توجد إلا على هامش الدول، أو أنها بقايا تشكيلات سابقة للدول، ولذلك يذكر أيكلمان أنّ التكنوقراطيين المغاربة كثيرا ما كانوا يعاتبونه على استخدامه عبارات قديمة الطراز مثل، المناطق القبلية للإشارة إلى المناطق، لكنهم في الوقت ذاته كانوا يعتمدون التقسيم القبلي للدوائر الانتخابية، وهي خرائط يعود تاريخها إلى زمن الوصاية الفرنسية 1912/1956.
وفي سياق تحليله لدور القبيلة، يؤكد أيكلمان، أنّ النسب لا يحدد بالضرورة الحدود بين التكتلات والتحالفات السياسية، وأنّ القبيلة تشكيل من الهويات لمجموعات مختلفة في أزمنة مختلفة أكثر من كونها أساسا لعمل مشترك مستدام.
وفي دراسته لواقع العشائر في الأردن، يبين أيكلمان أنّ شيوخ العشائر مدركون تماماً أنّ أدوارهم السياسية الوطنية ترتبط بتحالفهم الوثيق مع قاعدتهم المحلية، وبالقدرة على اصطفاف تلك القاعدة مع الدولة.

القبيلة والدولة في إيران خلال مئة سنة

وفي سياق قراءته «للسياسات القبلية في إيران خلال المئة سنة الأخيرة» يبين الأنثروبولوجي الفرنسي جان بيير ديغار، أنّ هناك عددا من الظروف دفعت خلال الفترة الممتدة بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر لوجود تشكيلات قبلية كبيرة (بالإيرانية أيل عشاير) واتحادات قد تجمع نصف مليون شخص، كما هي الحال في قبائل البختياري أو القاشقاي، في المقابل كانت الدولة الإيرانية تشعر في أغلب الأحيان أنّ القبائل تمثل تهديدا ينبغي صدّه أو القضاء عليه، وقد سجّل عهد رضا شاه بهلوي 1914 ـ 1925 أول قطيعة كبرى مع ما كان يعتبر بالوضع التقليدي لقبائل البدو الرحل في إيران، حيث اتخذ ثلاثة إجراءات قاسية ضدهم بذريعة الأمن الوطني والتحديث: التوطين الحضري القسري، مع تمركز الجيش على خطوط سير الترحال وإعدام الزعماء الرئيسيين (الخانات) والحرب على تقاليدهم بمنع ارتداء الأزياء التقليدية وإطلاق اللحية.
ومع اشتعال الحرب العالمية الثانية وعزل الحلفاء الشاه، تمكنت القبائل من الحصول على حريتها مؤقتا، ولكن بعد عقدين عاد محمد رضا بهلوي بسياسة نحو القبائل لم تختلف بتاتا عن سياسة والده، إلا بالطريقة المستخدمة، وبدلا من الأساليب السابقة، عمل على تطبيق برنامج توطين حضري «غير مباشر» أقل عنفا ومردوده أكثر فاعلية، من خلال التصدي لظاهرة الرعي التي تمثل محور النشاط الاقتصادي والتنظيم الاجتماعي، بل حتى نظام القيم والتصورات لقبائل البدو الرحل، مع ذلك فقد باءت هذه السياسة بالفشل، بسبب استمرار ظاهرة الترحال. مع قدوم الجمهورية الإسلامية، ترافق الانهيار المفاجئ للحصن البهلوي مع عمليات تهريب كثيرة، فالقبائل التي كانت منزوعة السلاح بشكل شبه تام منذ عام 1967، عثرت على كميات كبيرة من البنادق، التي لم تستخدمها لأهداف ثورية، أو مضادة للثورة، عدا بضعة استثناءات (القاشقاي، الأكراد، البلوش) لكنها استخدمت فقط للتباهي ولممارسة الصيد، أو لتصفية بعض الحسابات. ولم تضيع السلطات الثورية من جانبها فرصة، عن قناعة أو عن حذر لمدح القبائل، وذهب الخميني إلى درجة وصفهم بـ«كنوز الثورة».

لكن شهر العسل لم يدم طويلا، فبعد عشرين عاما من الجمهورية، كان بدو إيران الرحل قد وطِّنوا بشكل كامل، كما قامت إيران بتشكيل مؤسسات جديدة على مستوى القاعدة مثل، المجالس القبلية وأتاحت الفرصة لشباب وبدو رحل بسيطين، ممن كانوا مستبعدين ومهمشين من لعب أدوار أكبر فيها، وهذا ما كان يعني فسح المجال لهم للانتقام من الزعماء.


أفغانستان… أسطرة دور القبيلة

وربما من الفصول المهمة في الكتاب، البحث الذي قدمه جيل دورونسورو أستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس، الذي يرى أنّ عددا كبيرا من الخبراء الاستراتيجيين غالبا ما كانوا يرون أنّ القبيلة هي مفتاح فهم أفغانستان، بينما يعتقد هو أنّ هذه القراءة تبقى غير دقيقة، وهي وليدة الأيديولوجيا الاستعمارية، ولاحقا القومية الأفغانية. وفي سياق تقديم قراءة أخرى لدور القبائل الأفغانية، يبين الباحث أنّ القبائل حافظت في الواقع على علاقات معقدة مع الدولة، وهي غالبا علاقات تعاون أكثر من كونها علاقات مجابهة، ومما يلاحظ أنها لم تبدأ أساسا التمرد ضد الحكومة الشيوعية في عام 1979. فأول من بدأ الثورة بشكل حقيقي هم السكان المهمشون اجتماعيا، أو جغرافيا (الهزازة، النورستانيون) إضافة إلى بعض الجماعات من المدينة، ولم يكن الدخول في الحرب الأهلية اعتبارا من عام 1979 يدل على «عودة القبلية» بل إنه شجع على بروز نخب جديدة استمدت شرعيتها من الإسلام، أو من القومية العرقية.
ولذلك يرى الباحث أن القبائل لم تمثل في تاريخ أفغانستان المعاصر بجيل سياسي، إذ تبين أنها عاجزة عن فرض نظام اجتماعي، فقد غابت الدولة عن الأرياف (ثم عن المدن بين عامي 1992 و1996) النتيجة الأهم التي يبينها، أنّ القبائل لم تكن لاعبة عسكرية مهمة، لأنّ طرق الحرب لم تكن قبلية، كما أنّ المؤسسة القبلية ظهرت في فترة تحول متسرعة مع ظهور قادة أكثر استقلالا إزاء مجتمعاتهم، وتأثير متزايد لرجال الدين الملالي، من هنا فالقبائل هي في جميع الأحوال من نتاج الدولة، بمعنى أنّ مكانها في النظام السياسي وتنظيمها الداخلي هما نتيجة التفاعل مع مؤسسات الدولة التي تشملها وتقيدها، حتى تلك القبائل التي استطاعت الحصول على استقلال ذاتي على الحدود الأفغانية الباكستانية، لم يكن ناجما عن فرض ذلك بالقوة، بل تولد عن اعتبارات استراتيجية، تتمثّل في إمكانية استخدامها ضد الإمبراطورية البريطانية ومن ثم باكستان، ولذلك نجد أنّ الإبقاء على مؤسسات قبلية على الحدود تمثل تقنية حكومية نجدها منذ أيام الامبراطورية العثمانية.
ومع بروز طالبان وقدرتها على إعادة السلم المدني إلى مناطق الجنوب، ومن ثم الشرق، أصبحت القبائل مهمشة لأنّ النظام الجديد بنى شرعيته على استبعاد المجموعات العسكرية المستقلة، قبلية كانت أم غير قبلية، فقد شكلت مجموعات محاربة مختلطة، وبعد الحرب الأمريكية عادت أقلية من الأعيان القدامي (الكرزاي في قندهار) لكن ممارستهم للسلطة، المبنية غالبا على القمع، كانت بعيدة كل البعد عن ممارسات الأعيان قبل الحرب، ولذلك بقي دورها محدودا وفي فصل بعنوان «اليمن المعاصر: مجتمع قبلي؟» يشكك الأنثروبولوجي الفرنسي لوران بونفوا بالكليشيهات الكثيرة التي تقول إنّ اليمن هو بلد القبائل وبلدة الستين مليون قطعة سلاح.
ويلاحظ أنّ النظام القبلي اليمني يبدو أقل تأثراً بعلاقات الدم منه إلى الانتماء إلى إقليم جغرافي محدد. وفي سياق قراءته لأسباب عودة الأيديولوجية القبلية إلى اليمن في العقود الأخيرة، يبين بونفوا أن زعماء الانفصال في الجنوب غالبا ما كانوا ينتمون إلى عائلات هاشمية، كما أنه إزاء تمرد الشمال والمعارك مع الحوثي، أعطت السلطة للكيان العشائري دورا في الدفاع عن الهوية اليمنية، من خلال الحديث وإبراز النسب العدناني القحطاني في المقام الأول، ضمن مسعى عميق لإقصاء إرث الهاشميين، الذي برز في كل من اليمن الشمالي الجمهوري واليمن الجنوبي الاشتراكي واليمن الموحد بعد تسعينيات القرن الماضي.
وفي أحد الفصول أيضا نعثر على معالجة غنية لفكرة القبيلة وعودة دورها في ليبيا، إذ يبين علي بن سعد (جامعة باريس 8) أنّ تاريخ السلطوية الليبية، قد بني أولا على تحديث المدينة والنخب الحضرية، مع إرادة تهميشها بسبب ما لديها من قدرة معارضة واحتجاج، ولذلك كانت العقبة الأولى التي واجهها القذافي في ترسيخ سلطته الشخصية تكمن في نظامه نفسه، ممثلة بالنخب الحضرية (ضباط وبورجوازية وطنية، وطبقات وسطى من المدن) التي كانت تتجمع حول ضباط من أصول حضرية، ولذلك بدأ القذافي بتعزيز الإطار القبلي، عن طريق إعادة اختراعه وتنشيطه بعائدات ريعية، لينهض بدور المرجع في التعامل الحصري مع السكان من أجل تهميش أي أداة مؤسسية، ولاسيما أي كيان مدني قد يتمكن ويكتسب استقلالية، ولذلك فقد كان الرهاب من المدينة هو الذي شكل سياسة القذافي في خطوطها الكبرى كما في تفصيلاتها، وقد وصل به الأمر إلى إحداث انقلاب كامل في الفضاء المكاني لإعادة مركزته في الصحراء، والتوصل بهذا إلى تهميش المد، والنخب الحضرية العاصية، باسم هوية بدوية.
في الكتاب أيضا فصول عن القبائل ودورها السياسي في الصومال، وأيضا عن علاقة القبائل بالملالي على الحدود الباكستانية الأفغانية، وفصل آخر عن علاقة القبائل العراقية، بدولة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق 2003 ولاحقا دورها في أرض الخلافة. كما نعثر على خلاصات نظرية غنية عن القبيلة والإثنية والدول لكل من سعود المولى، وموريس غودولييه، ساهمت في إغناء محتواه ليكون بذلك من أغنى الكتب التي أصدرت في الأعوام الأخيرة عن القبيلة ودورها الواقعي اليوم في العالم الإسلامي.

*كاتب سوري



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي