تلك الحجرة الصغيرة الفارغة!

2021-01-20 | منذ 5 شهر

حسن داوود


الكلمات الستّ التي تفتتح بها ميرين آغور ميابي روايتها هي: «فقدتُ عيني اليسرى في عمر الثالثة عشرة». وليكون هذا التصريح حادّا ومجفلا، انتظرتْ الفصل الثاني، أو العنوان الثاني من مقطوعاتها القصيرة، لتفتتحه بالتالي «عيني اليسرى من زجاج». ثم تابعت في ما يلي من سطور كلامها عن شخصين تشّبثا بذاكرتها، ابتداء من عمر الثالثة عشرة ذاك، أحدهما بستانيّ المنتزه والآخر أحد أعمامها، والاثنان كانت لهما عين زجاجية. البستاني أطفأت عينه شظية عابرة، أما عمّها فحصل له ذلك نتيجة شيطنة أطفال: «أنظر في ثقب هذا الحائط (قال له أحد رفاقه) هناك درهم في الداخل لم أستطع إخراجه. جرّب أنت. فكبس عمّي عينه على الجدار» وانفجرت المفرقعة.
الشخصان الأوّلان كانا جاهزين لتبدأ الكاتبة بهما علمَها المؤلم بفقدان العين، والاستعانة بدلا منها بعين زجاجية. وقد رجعت في ذلك إلى التاريخ الأول الذي صارت هي الآن واحدة من أنساله: «أول عين اصطناعية تعود إلى 4800 سنة، عُثر عليها في مقبرة مدينة كِمادا بالقرب من حدود باكستان». وما يدعو إلى التماهي مع تلك البداية السحيقة كون العين الاصطناعية الأولى وجدت في جمجمة تعود لفتاة شابة. ومع التماهي تنطلق مخيلة الكاتبة. بدت لها العين البدائية تلك، المصنوعة من القطران والدهون الحيوانية، مسبّبة لصاحبتها الكثير من المشاق، مشبهة ذلك بحبة حمص في حذاء شخص تضايقه وتوجعه، «فكيف إذا كانت حبة الحمص تلك، أو حصوة صغيرة بحجمها، في قحفة العين؟». ولنضف إلى ذلك الأرشيف كل ما يتصل به من معارف وتفاصيل، وذلك يمكن تعداده من عناوين المقطوعات الصغيرة، كما هو مذكور أعلاه، التي قد تقلّ بعض فصولها عن الصفحة الواحدة. من هذه العناوين نقرأ: «تقنية الاستئصال» «التأثيرات الجلدية: الصدفة والشبكة» «فارغتان وهّاجتان» «أسباب فقدان البصر» «استعارات العين الزجاجية» تاريخ موجز لعلم العيون».. ولنضف إلى ذلك فصولا تتعلّق بمن كانوا فاقدي إحدى عينيهم في الأساطير والآداب، وعند مشاهير العالم، وكل هؤلاء مذكورون بأسمائهم.

لكننا، رغم التركيز الأرشيفي على هؤلاء جميعا، لن نستطيع، نحن قارئي الكتاب، أن نكون حياديين وعلميين. فالكاتبة لم تتركنا نبتعد عن الصدمات المتصلة بمعاناتها الشخصية وقسوة هذه المعاناة. ففي أحد العناوين المذكورة أعلاه عن التأثيرات الجلدية لن نظل مجرد مصغين إلى تعداد هذه التأثيرات، بل سننزلق إلى اعتراف، افتراضي هذه المرة، لكنه مؤلم ومحرج ومعذّب في وقت واحد معا: «إنه لأمر عنيف حقيقة أن ترى عينك تتدحرج في الأماكن العامة، وتختفي أو تنزلق من مكانها بسبب الحك».

  الرواية يمكن أن توصف بإنسكلوبيديا وصفية وشخصية عن وعي الكائن المصاب بفقد إحدى عينيه، سواء كان منفردا بنفسه أمام مرآته، أو من دون مرآته، أو متحركا في محيط اجتماعي متفاوت الامتلاء أو الاتساع.

ما يستطيع فعله الشخص الذي تعرض لموقف مشابه هو، بلغة المخاطَب، أن « تغطّي عينك بيدك وتهرب بحثا عن مكان سرّي لإرجاعها إلى مكانها».
الرواية يمكن أن توصف بإنسكلوبيديا وصفية وشخصية عن وعي الكائن المصاب بفقد إحدى عينيه، سواء كان منفردا بنفسه أمام مرآته، أو من دون مرآته، أو متحركا في محيط اجتماعي متفاوت الامتلاء أو الاتساع. كل ذلك تذكره ميرين ميابي عن نفسها، من دون أن تحلّ اسما آخر بدل اسمها. ذلك من أجل أن تُبقي قارئها إزاء شهادة حية لم يترك للتخيّل الروائي أن يداخلها. كما أنها أبقت أسماء الأمكنة، والتواريخ كما هي من دون تغيير. أما عشيقها الذي يرد ذكره، متذكَّرا في الغالب، فاكتُفي من اسمه بحرفه الأول «م».
والرواية تتسع عن تلك البؤرة (بؤرة العين الفارغة أو المصحّحة بعين بديلة زائفة) لتشمل حياة كاملة للروائية، أو بعضا من حياتها، طالما أن كتابيها الشعريين لن يبتعدا هما أيضا عن تأملاتها فيما خصّ وجودها وحياتها، نقرأ، بدرجة الألم ذاتها التي لعينها المفقودة، عن جوانب أخرى في الحياة. من بين هذه الجوانب العشق والتذكّر والأمومة والتحولات الجسمانية والنفسية، التي يتركها العمر على من يتقدمون فيه. ونقرأ كذلك عن ممارستها الجنس منتبهة في أثناء ذلك إلى تفاصيل ما تبدو عليه العينان المختلفتان، حيث أنهما لا تتحركان مثل توأمتين انسجاما مع التبدّلات المصاحبة لمشاعر الجماع.
في واحد من تلك الفصول الصغيرة ذكرت الكاتبة أن إنجازها لروايتها هذه أتى بمثابة تحدّ أو ردّ لتحدّ وجهه لها ناشر كتبها: «فكري في الأمر… قد تلهمك عينك الزجاجية شيئا ما». وإذ نفى أن يكون ما قصد إليه هو الجانب المجازي المتولد من فقدان العين، زاد على نصحه بأن قال لها « افعلي ذلك كما لو كنت تستخدمين شيفرة حلاقة».

ميرين آغور ميابي شاعرة وكاتبة من إقليم الباسك. روايتها المتألّفة من نصوص حرة غير مترابطة إلا بموضوعها الذي تحمل الرواية اسمه «عين زجاجية» صدرت عن دار الرافدين بترجمة عبدالهادي سعدون في 160 صفحة ـ لسنة 2020.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي