توظيف «الواقع الافتراضي» بحثاً عن عوالم جديدة

اتجاهات السرد المصري في 10 سنوات

2021-01-07 | منذ 5 شهر

القاهرة - رشا أحمد - يسعى الباحث د. محمد أبو السعود الخياري، في كتابه «اتجاهات السرد في الرواية المصرية المعاصرة»، إلى الكشف عن السمات السردية للرواية المصرية في الفترة من عام 2000 إلى عام 2010، لافتاً إلى أنها لم تلقَ العناية من الباحثين والنقاد، رغم أنها شهدت كثيراً من التحولات السياسية والاجتماعية والشعبية التي كان لها أثرها العميق في بنية المجتمع وتشكيل مساراته المستقبلية.
وعبر ثلاثة فصول، يبرر الكاتب اختياره تلك الحقبة الزمنية بعدة عوامل، منها التغيرات السياسية والاجتماعية التي شهدتها، والتي انتهت بثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، فضلاً عما ظهر في هذه الفترة من اتجاهات إبداعية غير مسبوقة، تكاد تؤسس لمرحلة جديدة في تطور الرواية المصرية، مثل رواية الواقعية الافتراضية. كما حقق الإنتاج المصري الروائي في تلك الحقبة -حسب المؤلف- طفرة على مستوى التوزيع جديرة بالدراسة، ومعرفة طبيعة القارئ على المستويين الثقافي والشعبي.

الأسطورة واقعية سحرية

يضرب المؤلف عدداً من الأمثلة بروايات تلك الفترة، فيتوقف بشكل خاص عند منتصر القفاش في روايته «مسألة وقت»، لافتاً إلى أن الشخصية الرئيسية في العمل شاب جامعي عاطل اضطر للعمل في شركة من شركات توزيع المنتجات الصينية على المنازل. ويوضح المؤلف أنه رغم الواقعية الشديدة في الرواية وشخصياتها، فإنها تشتمل على بعض أجواء الواقعية السحرية عندما تزور البطل في منزله فتاة فارقت الحياة سبق له التعرف بها، وتكرر زيارتها، مما يضفي على الشخصية بعداً من التوهم يتلاءم مع حياته البائسة.
وفي الاتجاه نفسه، ولكن بتركيز أكثر على تطور الشخصية، قدم حمدي أبو جليل شخصية الشاب حمدي في روايته «الفاعل» بصفتها شخصية رئيسية يتصارعها الحلم والواقع، فهو ينشر قصصه في الصحف، ويغريه خياله بأن مكانة مرموقة تنتظره بينما يسير الواقع عكس ذلك على الدوام، بدءاً من العمل مع عمال البناء، انتهاءً بالسجن، مروراً بالمشاركة في المظاهرات؛ إنها شخصية مأزومة مثل شخصية «مسألة وقت».
وتقدم منصورة عز الدين نموذجاً لشخصية تعاني من الهلاوس، وهي شخصية «سلمى»، في روايتها «وراء الفردوس»، التي تنتمي لأسرة ريفية، ويختلط عليها الوهم بالحقيقة، فتصبح شخصية غير سوية نفسياً، ينميها السرد في الاتجاه نفسه، من خلال مواقف تزيد من ارتباكها وشكوكها حتى يختلط الواقعي بالأسطوري.
وفي السياق نفسه، يلجأ إبراهيم فرغلي في روايته «أبناء الجبلاوي» إلى خلط الواقعي بالأسطوري، حيث اختفت فجأة روايات نجيب محفوظ من الأسواق، بينما دبت في شخصياتها الحياة واندمجت في الواقع مع شخصيات الرواية.
ويطغى شعور الإنسان المعاصر بالوحدة وسط المجتمع، فيلجأ إلى التماس السلوى في الواقع الافتراضي، كما في رواية أحمد كفافي «حبيبتي أون لاين». فالشخصية الرئيسية «هادي» تهرب من الواقع إلى الفضاء الافتراضي بعد الفشل في الزواج، وتلتقي بالشخصيات التي لجأت لهذا الواقع لأسباب مشابهة. كما تبرز شخصية «هادية» وتجربة زواج مؤلمة كانت تتعرض فيها للضرب من زوجها على مسمع من الجيران.
وفي رواية «عمارة يعقوبيان»، يوظف علاء الأسواني -كما يقول المؤلف- السرد بطريقة مباشرة وغير مباشرة يمكننا تلمسها في مقاطع الحوار الذي يظهر بين ثنايا كلام الراوي، والمثال الواضح على ذلك يبدو في السمات الخارجية لشخصية «زكي بك الدسوقي». فمع المقطع الأول في الرواية الذي خصص لتقديم تلك الشخصية، قدم السرد بعض صفاتها الخارجية كما يلي: «وهو يشكل بالنسبة لسكان الشارع شخصية فلكلورية محبوبة عندما يظهر عليهم ببدلته الكاملة صيفاً وشتاءً التي تخفي باتساعها جسده الضئيل الضام ومنديله المكوي بعناية المتدلي دائماً من جيب السترة بلون رابطة العنق نفسه».
ويخلص المؤلف إلى أنه مع تتابع السرد عبر صفحات الرواية حتى المشهد الأخير فيها، يضيف الكاتب صفات أخرى لشخصية زكي بك، مشيراً إلى أن هذه الطريقة المتدرجة في تشكيل الشخصية السردية ميزت «عمارة يعقوبيان» إلى حد بعيد، وخلقت حالة من التشويق المتجدد بين المروي عنه والسارد في مراحله المختلفة، وبشكل ممنهج أضفى كثيراً من الحيوية على الشخصيات مع كل ظهور جديد لها في مشهد من مشاهد الرواية.


أحلام الواقع الافتراضي


ويتوقف المؤلف عند رواية «واحة الغروب» لبهاء طاهر، الصادرة عام 2006، التي تدور أحداثها في نهايات القرن التاسع عشر، بالتزامن مع بدايات الاحتلال الإنجليزي لمصر 1882. وهو يرى أن طاهر استعان بالتاريخ ليقدم خلطة روائية متنوعة، امتزج فيها التاريخ بالخيال، من خلال بقعة جغرافية مميزة، هي مجتمع الواحة في صحراء مصر الغربية، فاستطاع تقديم رواية متوازنة بين الحوادث الواقعية والنماذج البشرية المتنوعة. كما تعرض الرواية لأحوال مصر في تلك الفترة، وأبرزها الثورة العرابية، وما صاحبها من أحوال سياسية واجتماعية، ثم الاحتلال الإنجليزي والظروف المصاحبة له. وساعد بحث زوجة «الضابط محمود»، مأمور مركز واحة سيوة، الآيرلندية كاثرين عن مقبرة الإسكندر الأكبر على إحداث نقلة جديدة في الرواية، فجنح السرد إلى الواقعية السحرية، ومن خلال ذلك يقدم الخطاب الروائي عدة ثنائيات بين الشرق والغرب والماضي والحاضر والعام والخاص.

وحول رواية «في كل أسبوع يوم جمعة» للروائي إبراهيم عبد المجيد، الصادرة 2009، يرى المؤلف أنها تخوض أرضاً جديدة، حيث جاء النص في بناء شكلي يعتمد على الواقع الافتراضي، على عكس معظم رواياته السابقة التي جاءت وفق بناء واقعي تقليدي.
فثمة فتاة تقوم بإنشاء موقع على الإنترنت، هدفه الأول هو إتاحة الفرصة لأعضائه للبوح المشترك، بما يحقق لهم الراحة النفسية. كما يتبادل الأعضاء النصائح حول مشكلاتهم. وقصرت مؤسسة الموقع قبول الأعضاء على يوم الجمعة، وبالفعل انضمت مجموعة شديدة التنوع إلى هذه التجربة، منهم الأستاذ الجامعي د. إبراهيم، والصحفية مريم، والضابط لبيب، والداعية الإسلامي، وغيرهم، بالإضافة إلى مؤسسة الموقع «روضة رياض» الطالبة بكلية الآداب. وعبر الفضاء اللانهائي للشبكة العنكبوتية كانت لكل شخصية سمات نفسية وفكرية وخارجية. كما أنها، وعبر البوح، أطلعت الآخرين على جانب من حياتها أو تجربتها. ورويداً رويداً، اشتبك الواقع بالخيال، وخرجت بعض الشخصيات من الواقع الافتراضي لتقابل غيرها من أعضاء الموقع في الواقع.

ويرى المؤلف أن الخط الواقعي الأساسي في هذا النص كان خط «روضة رياض» التي جعلت من الموقع الذي أسسته مصيدة للرجال. لذلك اعتني السرد بها، بصفتها الشخصية الرئيسة، فهي التي أنشأت الموقع، ووضعت له الهدف والآلية، ثم كانت آخر من التزم بهما. كما أنها صاحبة التجربة الأوسع خارج النطاق الافتراضي، حيث أظهر السرد جانباً كبيراً من حياتها الواقعية، وهو ما أتاح الفرصة لتقديم شخصيتها خارجياً وداخلياً.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي