استلهام الأسطورة.. أدب يصنع عالماً موازياً

2021-01-06 | منذ 2 شهر

الأسطورة والميثولوجيات حاضرة في التاريخ

الشارقة - علاء الدين محمود

كانت الأسطورة والميثولوجيات حاضرة في التاريخ تنهض بأعباء تفسير الأشياء، والظواهر، عبر خيال جامح أنتج الكثير من المحكيات الجاذبة التي استقبلتها كل الأجناس الأدبية حتى عصرنا الراهن، ورغم أن فن الرواية يعتبر حديثاً قياساً بالأجناس الأدبية من شعر، ونثر، إلا أن توظيف الأسطورة اشتبك مع هذا الجنس الإبداعي الذي احتضنه وصنع منه سرديات ممتعة، ولأن التاريخ العربي حافل بتلك الأساطير والمحكيات الخرافية القديمة، كان لابد أن تستلهمه الرواية العربية الحديثة، واليوم يتجه كثير من الكتاب إلى الأسطورة لينسجوا من تفاصيلها الغريبة تفاصيل متعة سردية، لكن السؤال الذي يظل قائماً هو: ما هي الأسباب الراهنة التي تجعل الأدباء يتجهون نحو منطقة الغرائبيات والأساطير، هل للجمال ومتعة السرد فقط، أم أن ذلك يحمل رؤية ويحاول أن يحيط بالواقع ويفسره عبر عملية الإسقاط؟.

ووضع سؤال السرد الغرائبي أمام عدد من المبدعين الإماراتيين، من أجل محاولة تفسير توظيفهم للميثولوجيا في الرواية والسرد بصورة عامة.

الروائية لولوة المنصوري، أشارت إلى أن ذهاب الكاتب إلى منطقة الغرائبيات والأسطرة، هو من أجل اقتناص ما هو مخالف للظواهر الطبيعية، حتى تتم إزاحته، وتحويره، ومقاربته، وتوظيفه في السرد، حيث إن بعض الأحداث الواقعية تجاوزت حدود المعقول بكارثيتها، ومأساويتها، ولا يمكن التعبير عنها إلا بالبعد الرمزي الساخر، وتبقى الميثولوجيا أداة للتعبير المجازي الذي تتصف به اللغة وروح النص، فهي تستخدم استخداماً إشارياً لقضايا أغلبها فكرية ووجودية تتحدى الموروث، ويصعب البوح بها خارج غطاء التمويه، خاصة في المجتمعات المحافظة التي تحفها المحاذير، وسلطة العادات.

مساحة حرة

ولفتت المنصوري إلى أن للميثولوجيات والرموز الملحمية غواية وسحراً شديداً بالنسبة للكاتب، فهي تذهب به إلى عالم البدائيات، والطقوس التي مارسها الإنسان القديم لغرض الاتصال والتواصل، وذلك الأمر له فتنته في التوظيف داخل السرد، وكذلك له سحره ومضمونه القابل للاستلهام.

وأكدت المنصوري أن هناك متعة عميقة، وفضولاً جامحاً عند الأدباء للتعرف إلى تلك الطاقة الملهمة، وذلك الاهتمام الشعبي الذي دفع الإنسان لاكتشاف المعرفة، والبحث عن المصدر والأصل في نشوء الأشياء، وتشكل الظواهر، عن طريق اختلاق حكايات لها حس روحي تواصلي مع إشارات الطبيعة، ورمزيتها.

وتشدد المنصوري على أن توظيف الأسطورة يمنح الكاتب مساحة حرة من التوقع والاحتمال والإجابة عن التساؤلات الوجودية الحائرة التي تداعب ذهنه، وتلح عليه، ولو على سبيل الفرضيات المتخيلة، بعكس التاريخ الذي يفرض على المتلقي التقيد والالتزام، فالأسطورة متحررة من ذلك الأمر، كما أنها لا تخضع لمنطق وآليات البحث العلمي، وضروراته.

الكاتبة ريم الكمالي، أكدت ولَه الأدباء بالغرائبيات والعجائب، وأكدت أن الأسطورة هي تفسير لأصل كل الأمور التي حدثت في الماضي، من خلال حكايات تتأرجح بين منطقتي الخيال، والواقع، ومع مرور الزمن وانتهاء عصر الأديان والمعتقدات القديمة، وبدء ديانات التوحيد، تعامل الناس مع الأسطورة كخرافة، وظل هذا الفهم يسود حتى العصر الحديث، والواقع أن الأسطورة هي خيال متوهج لحقيقة معتقدات كونية، برزت من خلال الصراع بين الخير والشر، وأنتجت الحكايات، وهي التي دخلت تلقائياً في ما بعد إلى أحضان السرد الحديث، وظلت تلهم الأدباء من أجل تفسير جديد للواقع، وتقديم قراءات مغايرة.

عبر ودروس

وأشارت الكمالي إلى سيادة الغرائبيات في كثير من مناطق الخليج، فهنالك في الإمارات «أم الدويس»؛ وهي عبارة عن أسطورة ومحكية خرافية تقدم دروساً عميقة في الحب، والخيانة، وكذلك خرافة «سلامة وبناتها»، وهي حكايات عجائبية تعتمد على الغرابة والمفارقة، وترسخ في ذاكرة الطفولة بحمولتها الحكائية البديعة، وكل تلك القصص حافلة بالحكمة، والعبر والدروس الملهمة، بالتالي فإن توظيف الغرائبيات في السرد يأتي في هذا السياق؛ أي من أجل الحكمة، والبحث عن حقائق الأشياء، والتنقيب عن المشاكل في المجتمعات، والإشارة إليها بمحكيات تقترب من الأسطورة، من أجل المعنى وتقديم الدروس، وخلاصة التجارب.

وشددت الكمالي، على أن أجمل ما يمكن للمرء أن يقرأه من آداب العالم شرقاً، وغرباً، هو الأساطير، فهي تحمل المتعة والدهشة والجمال، وكل شروط الأدب ومعانيه، وغاياته، وتستشهد الكمالي بمقولة لأحد الفلاسفة، وهي: «لولا الأسطورة لمات الإنسان من البرد»، وهي مقولة تشير إلى الحكايات الدافئة التي تحملها الغرائبيات، وميثولوجيات الشعوب، والحكايات الخرافية التي حملت جذور الأدب، ما يشير إلى دفء الإنسان القديم، الذي كان ينعش روحه قبل النوم بمثل هذه الحكايات ليواجه بها النهار، لذلك فإن الأسطورة في كل الحضارات الإنسانية المختلفة، هي فاتحة الأدب، وتفاحته.

وذكرت الكمالي، أن ذلك الوهج واللطف والجمال الذي تتمتع به المحكيات الميثولوجية، جعل تلك الحضارات لا تستغني عن الأسطورة في أدابها، فقد قامت بتوظيفها في ما هو خارج عن المألوف، في الكثير من أعمالها السردية.

مقترح جمالي

بدورها أشارت الكاتبة عائشة عبدالله إلى ما هو خارق وبعيد عن الواقع في الحكايات التي تستلهم الأسطورة، بوصفها كنزاً يمنح الأدب سحراً جديداً يغوص في عوالم الدهشة والمفارقة، لذا، فإن الأدباء يلجأون إلى هذه الخوارق في كل حين، فهي تفجر عندهم ملكات الخيال والإبداع، كما أنها تشكل عنصر جذب للمتلقي لما تحتويه من فضاءات ممتعة، ومثيرة.

وذكرت عبدالله، أن الغرائبيات موجودة في الواقع، فهي لا تنتمي إلى الماضي فقط، فالكثير من الأشياء ما زالت عصية على التفسير، لذلك يلجأ الكاتب إلى الخيال والفانتازيا ليصنع مادة سردية من نسيج الأسطورة من أجل تفسير بعض الغموض الذي يلف العالم.

وأوضحت أن الكاتب يذهب إلى هذه المناطق في كثير من الأحيان بسبب تعقيدات الراهن، ومشاكله الاجتماعية، والسياسية، فهو يريد أن يقول قولاً منفلتا من الرقابة، بالتالي يتكئ على تلك الحكايات ويسقطها على الواقع من خلال الكائنات والشخصيات الأسطورية، وهنا تكمن المفارقة، فهي بكل تأكيد حكايات لا تنتمي للواقع، ولكنها تعبر عنه.

وأشارت عبدالله، إلى أن بعض الكتاب يريدون أن يراوغوا ثقل الحياة وبؤسها، بالهروب منها إلى صنع عالم سردي خيالي يحفل بالجمال والقيم، التي لا يلمسونها في الواقع أو الراهن، بالتالي تبرز الأسطورة في هذه الحالة كمقترح جمالي يخلق عالماً افتراضياً مثالياً ومفعماً بالحرية.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي