خيوطُ الحرير

2020-11-07 | منذ 7 شهر

جبار ياسين*

 

غريبٌ أنا بعد كلِّ هذي السّنين،

نصفُ قرنٍ .

بعد غد أُكملُ دورتي في الطّبيعةِ

مثل دودةِ قزٍّ

أمضي خيوطاً مِن حريرٍ

إلى مشارقِ الأرضِ أو مغاربها.

بعد كُلِّ هذي السّنين تُرافقني عباءةُ أُمّي

تحميني مِنَ البردِ مِن بللِ المطرِ،

من رياحِ السّمومِ في صحراءِ «نفطه «،

مِن الموجِ حين يغضبُ الأطلسي،

مِن صقيعِ جبالِ الألبِ،

ومِن غوايةِ الشّيطان.

ذكرياتي في الشّتاء توقدُ نارَ الموقدِ

وأحلامي شَتاتٌ مِن صورٍ قديمةٍ:

بيوتٌ تهاوت منذُ سنين،

أطفالٌ هرموا،

بناتٌ صرنَ زوجات،

وأشجارُ نارنج أُقتُلعتْ مِن حديقةِ بيتنا.

شارعٌ لا تظلّلهُ شجرةٌ

وكلابٌ تنامُ باسطة أذرعها بالوصيد

خلفها نهرٌ ترقدُ على اكتافِهِ أشجارُ حورٍ

وضجيجُ مقهى يأتي مِن بعيدٍ

فالطّريقُ إلى الجنوبِ طويلٌ

والنّساء هناك هَدَلنَ شعورهُنَ.

عطرُ حنّاءٍ هو الجنوب،

ماءُ النّهرِ مضمّخٌ بعطرٍ قديمٍ

وأنا الآنَ بينَ أشجارِ الحديقةِ

أذكرُ ساعةً مرّت منذُ نصفِ قرنٍ.

غريبٌ أنا في مكانٍ قصي،

لكنّ الأرضَ أُمّي

بين أحضانِها أكبرُ.. يوماً بعدَ يوم.

غريبٌ في كُلِّ صباحٍ

وحينَ تغيبُ الشّمسُ أراني راكضاً خلفها

أجمعُ بقايا النّورِ في كفّي

غريبٌ وكلَّ يومٍ لي هويّة:

يوماً فرنسي،

وآخر مِن مِصر..

ويوماً مِنَ المكسيكِ،

وفي الصّباح أنهضُ كما ينهضُ الإسباني

بعد ليلةِ غناء على القيثار،

ويوماً غجري ترافقُ صوتي الكمنجات

بين بساتينِ البرتقالِ في الأندلس.

في خُضرةِ البدرِ

أُسبوعٌ كُلّ شهرٍ ألثغُ الإيطالية

بأخطاءٍ تُضحكُ الأصدقاء

أنا ابن الأرضِ،

ابنُ السّماءِ بكُلِّ ألوانها،

ابنُ قوسِ قُزح بعد زخّاتِ المطرِ،

أنا ابنُ ميثاقٍ قديمٍ بين السّماءِ والأرضِ.

هذه الأرضُ لي

أينما تدوسُ قدماي غُبارها،

ولي السّماءُ بكلِّ زُرقتها

والنّجومُ في اللّيل.

تعالوا قاسموني ورد حديقتي الأندلسية،

جوريّةٌ حمراءُ تفتحُ تاجَها في الفجرِ.

قاسموني النّخيلَ في ذاكرتي،

وقيضَ بغدادَ في آب،

قاسموني فرحَ الطّفلِ حين يعبرُ النّهرَ

ترافقهُ بطيخةً حمراء حتى الضّفةِ الأُخرى.

الأرضُ لي وطنٌ،

كُلُّ الارضِ، وفي اللّيلِ النّجوم

لكنّي، حين أغفو،

حين يدبُّ النُّعاسُ في جفني

قبلَ أنْ أَغلِقَ عيني

أذكرُ بذرتي الأولى

في سلّةِ الطّفلِ فوق ماء النّهر

يترنّحُ فوق اليم

في البعيدِ شمسٌ مِن حريرٍ

تثقبُ النّهرَ مثل نصلٍ..

شيءٌ مِنَ المستحيلِ لا يُرى

مثلَ طيفِ ملاك..

حينها، أعدو كطفلٍ في شوارعٍ مِن غُبار

وأعرفُ أنّي أمرُّ على أرضِ العراق.

 

  • شاعر من العراق يقيم في فرنسا

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي