عثمان حمدي بك: الرسام المبدع ورائد علم الآثار في تركيا

2020-10-28 | منذ 1 شهر

عثمان حمدي بكعلاء الدين محمد الهدوي فوتنزي*


التوطئة
لكل أمة فنونها التي تعتز بها وتعتبرها جزءا من حضارتها وتراثهـا، والخط العربي أهم ما نفخر به من بين فنوننا الإسلامية والعربية، وهو فن عربي برع فيه أجدادنا وتفننوا برسمه فوصلوا إلى مرتبة الأصالة وبلغوا في أنواعه وتصميماته وزخارفه درجة الإبداع ، ويعدّ الخط العربي وأنواعه من الفنون التي نالت اهتماما كبيرا من العرب، وقد أخذ الخط العربي وأنواعه أسماءه من الأشخاص الذين ابتكروها أو المدن التي وُجدت فيها أو الأقلام التي كُتبت بها، وقد تداخلت هذه الخطوط مع بعضها بعضا، وأصبح لكل نوع من الخط العربي طريقة رسم خاصة، وأصبح الخط فنا منفصلا يتفنن به أشهر الخطاطين.
الخط العربي هو واحد من أجمل خطوط اللغة في العالم وذلك لطواعيته ومرونته، وارتبط منذ القدم بالفنون العربية الأخرى كالزخرفة والأرابيسك، وهو أيضا وسيلة لتدوين الأفكار سواء كانت دينية أو أدبية وغيرها، حيث إن كثيرا من الخطاطين القدماء الأتراك يختصرون كتاباتهم بآيات وأحاديث إسلامية، وفي عداد هؤلاء الخطاطيين السيد عثمان حمدي بك، الذي يعد أول عالم آثاري تركي، وأحد الرواد التشكيليين في عصره، كما كان رساما ومفكرا، ومعماريا بارزا متمكنا، وخبيرا فنيا، وموسيقيا وشاعرا.
ولا يخفى على أحد أنه كان "رجل نهضة" وشخصية رائدة فى الحياة الثقافية التركية فى ذلك الوقت، لا يزال تراثه يتردد صداه إلى اليوم، لدرجة أن القوانين الصارمة التى صاغها حمدى بك والتى تحكم تصدير الآثار ومنع تهريبها إلى الخارج لا تزال تركيا الحديثة ملتزمة بها، وهو الذي حاول لإخراج الدولة العثمانية من جهلها وتخلفها المتراكم، وكُرم لتلك المحاولات ونال الكثير من الجوائز والميدليات من الجامعات الأوروبية والأميركية، وله الفضل في إدخال الحداثة وكل ما هو جديد وعصري من جوانبه الثقافية تحديدا، بهدف إنقاذها أمام التغييرات العالمية الجديدة.

السيرة والمسيرة
عثمان حمدي بك من مواليد عام 1842م، نشأ وترعرع في استانبول، كان والده إبراهيم أدهم باشا يوناني الأصل من جزيرة خيوس اليونانية، وتربى في كنف أحد القادة العثمانيين، وترقى حتى أصبح ذا مكانة رفيعة في الإمبراطورية العثمانية، بدأ عثمان حمدي متابعة دروسه الأولى في استانبول ثم درس القانون لأول مرة في عام 1856م، ذهب لباريس ليكمل دراسة القانون لكنه أحب الرسم كثيرا، فبدأ في متابعة دروس الرسم على يد اثنين من عظماء مدرسة الاستشراق، وهما الفنان الكبير جان ليون جيروم وجوستاف بولونجيه، ومكث في باريس مدة ليست بالقليلة حتى تزوج من فرنسية تدعى ماري، وبدأت دراسته تؤتي أكلها، وفي عام1867م، قام عثمان حمدي بك بإرسال ثلاثة أعمال له إلى معرض باريس العالمي، بأسماء "استراحة الغجر"، و"الشهم في كمين"، و"وفاة الشهم"، حيث كان أيضا في شرف استقبال السلطان عبد العزيز الذي دعاه الإمبراطور نابوليون الثالث لحضور المعرض.
وتقلد مناصب إدارية عديدة منها الإشراف على تطوير نصوص القانون القديمة، وأسندت إليه منصب نائب مدير مكتب المراسم للقصر، وحصل على عدة تعيينات في مناصب عليا من البيروقراطية العثمانية، وكانت أول وظيفة له هي إدارة شؤون الأجانب بمحافظه بغداد، كان مدحت باشا كان واليا على بغداد، فقد قدم لوحات تعكس وجهات النظر المتعددة للمدينة، كما أنه اهتم بتاريخ بغداد وآثارها، وشارك كمفوض في المعرض الدولي المقام في فيينا، وبينما كان في فيينا، تزوج من امرأه أخرى غير زوجته الفرنسية تسمي نايلا هانم، وأنجبت له ملاك وليلى وأدهم وناظلي.
صاحب عثمان بك العديد من الشباب العثمانيين في باريس، وبالرغم من أنه تعرض لأفكارهم الليبرالية، لكنه لم يشارك في أنشطتهم السياسية، كونه ابن أحد البشوات العثمانيين  الذي كان مخلصا للسلطان وعدم تحدي النظام القديم، وفي أثناء فترة تواجده بباريس أرسلت الدولة العثمانية شاكر أحمد باشا، وسليمان سيد إلى باريس من أجل تعلم الرسم، وبهؤلاء الثلاثه تشكلت أول دعامة لفنّ الرسم التركي.



أول من استخدم الفن التشكيلي في الرسم التركي
في عام 1881 تم تعيين عثمان بك مديرا لمتحف الإمبراطورية "همايون" واستمر به قرابة 29 عاما، بأمر من السلطان عبد الحميد الثاني، حتى جعله من بين المتاحف الرائدة على مستوى العالم، كما يُعد من أوائل الرسامين الأتراك، وقد احتل مكانا في التاريخ، باعتباره أول من استخدم الفن التشكيلي في الرسم التركي، فقد استخدم نفوذه الشخصي لإصدار أول نظام للآثار في أرجاء الإمبراطورية العثمانية، وهكذا صارت مجاميع الآثار تصل إلى المتحف تباعا من طريق القسمة مع البعثات الأجنبية العاملة في الأقطار التابعة للدولة، فأصبح متحف الشرق القديم في استانبول بهذا واحدا من أغنى متاحف العالم بآثار العراق ومصر وغيرهما من أقطار الوطن العربي.



مشاريعه المتعددة ومبادراته المتعدية
وجدير بالإشارة في هذا المجال بالتحديد على أنه مؤسس معظم المؤسسات الثقافية التركية كما أنه أخذ على عاتقه محاربة سرقة وتهريب الآثار التي انتشرت في تلك المدة، ووضع قوانين صارمة تحارب هذه الظاهرة للقضاء على تهريب الآثار، كما كان أول تركي يبتدع فكرة الحفريات العلمية أثناء إدارته للمتحف، فقد قام بالتنقيب عن الآثار في جبل نمرود، ولاجينا (مولا- ياطان) في صيدا (لبنان)، وكان من بين التحف الأثرية التي وجدت في الحفريات في صيدا"تابوت الإسكندر" الذي يعد من روائع عالم الآثار، وتُعد من أهم الحفريات الأثرية التي أجريت في عامي 1887م و1888م، ويعود إليه فضل تأسيس المدرسة التركية للفنون الجميلة، المعروفة باسم دار الصنائع النفيسة.


المزواجة بين أسلوب الرسم الغربي والشرقي
تكمن أهمية حمدي بك في أنه أحد الرواد الأساسيين في الفن الإسلامي الذين تبنوا الرسم بالأسلوب الغربي، وأول رسام تركي يتبنى الرسم بهذه الطريقة، يحرص حمدي بك في رسوماته على المزواجة بين أسلوب الرسم الغربي والموضوع والتقليد الشرقيين، حتى حقت تسميته لدى الكثيرين بأنه الجسر الذي حاول ربط الشرق والغرب في فن الرسم في أواخر الدولة العثمانية، إذ واصل في أعماله ترسم تقليد الرسم الأكاديمي الفرنسي الذي نشأ في أكاديمية الفنون الفرنسية تحت تأثير نزعتي الكلاسيكية الحديثة والرومانتيكية، بيد أنه كان يحرص أن يضفي عليها روح شرقية خالصة في التفاصيل التي ينثرها في لوحته، وهكذا ترى لوحته مصممة بدقة، وتمتزج فيها عناصر مختلفة: واقعية ومتخيلة، يحرص فيها على أن ينثر أكبر كمية من العناصر التي تعبر عن خصوصية بلاده كالتفاصيل المعمارية لأماكن معروفة في خلفية اللوحة، أو عناصر أخرى كالسجاد والأزياء والملابس والرياض وقطع السيراميك والخطوط العربية والزخارف الإسلامية.



لوحة "درس القرآن" ورواجها العالمية
تشهد سوق الأعمال الفنية اهتماما ملحوظا بأعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك، ويرجع هذا الاهتمام إلى ندرتها، حيث إن الرسام التركي لم يكن غزير الإنتاج، وتصاعد الإقبال عليها في بلده تركيا الذي يعد أعماله ثروة قومية ينبغي الحفاظ عليها، فضلا عن اهتمام متاحف الفن الإسلامي الأخرى بأقتنائها، حققت لوحة "درس القرآن" (1890م) ثالث عمل للفنان التركي عثمان حمدي بك مبلغ 4.640.100 جنيه استرليني عند عرضها للبيع في مزادات سوذبيز في لندن، متفوقة على العديد من اللوحات التي رسمها فنانون استشراقيون أوروبيون عرضت للبيع ضمن ما يعرف بمجموعة نجد في المزاد نفسه، إذ باتت لوحته "قارئة القرآن" المرسومة في عام (1880م) رقما قياسيا في مبيعات لوحاته بلغ نحو 6.7 مليون جنيه استرليني عند عرضها في مزاد دار "بونامز".
وقد اشترى هذه اللوحة متحف الفن الإسلامي في ماليزيا، وهي مُعارة حاليا للعرض في المتحف البريطاني ضمن معرض "مستلهم من الشرق" وقد عرض لوحته "سيدة تركية من اسطنبول" (1881م) للبيع بقيمة قدرت بين مليون ونصف إلى 1.880.000 يورو، وهو ما يقل كثيرا عن المبلغ الذي بُيعت به في عام 2008 وكان 3.4 مليون جنيه استرليني.


وقد تفوق حمدي بك بذلك على مبيعات لوحات أستاذه الفنان الفرنسي، جان ليون جيروم، الذي عرضت مجموعة من لوحاته للبيع ضمن المجموعة نفسها وبيعت إحداها وهي لوحة "فرسان يعبرون الصحراء" بمبلغ 3.135.000 جنيه استرليني، كما حققت لوحة اخرى هي "سوق في يافا" للفنان الألماني غوستاف باورنفيند رقما قياسيا عند بيعها بمبلغ 3.728.900 جنيه استرليني (نحو 4.3 مليون يورو)، متجاوزة تخمينات المزاد التي كانت تترواح بين مليونين ونصف وثلاثة ملايين ونصف مليون جنيه استرليني، له  لوحة "مدرب السلحفاة" التي بيعت برقم قياسي في تركيا بمبلغ 3.5 مليون دولار عام 2004 م وحاليا معروضة في متحف بيرا في استانبول.
لحمدي بك لوحات غاية في الجمال، منها "لاعبو الشطرنج"، و"مدرب السلحفاة"، وقد اهتم بإظهار جماليات الخط العربي في أعماله الفنية، ففيها دائما الأدعية والأذكار وآيات الذكر التي تزين أعماله، وقد تناول في رسوماته صور المرأة التركية المنفتحة المثقفة المجادلة القارئة، وقد استخدم المتعلقات التاريخية كديكور لأعماله التاريخية، لوحته "مدرب السلحفاة"(1906م) و"تاجر السلاح"( 1908م) من اكثر آثاره ابتكارا وروعة.



لماذا تختلف سمات شخصيته عن بعض المستشرقين؟
تميز أسلوب عثمان حمدي بصفاء اللون وتلك الرعشات من السرور الخفي التي تشع بها أعماله وهو يختلف عن بعض المستشرقين في اختيار مساقط ضوئية في أعماله أكثر إشعاعا ليبعد الكآبة التي تسيطر أحيانا على الموضوعات الشرقية في التصوير، كما أنه يعتمد الوقار كإطار أساسي لشخصياته، وهذا بالتأكيد كان نتيجة لاختياره موضوعات دينية في معظم أعماله، مثل "امرأة تقرأ القرآن" و" رجل يقرأ القرآن" كما أن وجوه شخصياته أكثر واقعية من وجوه شخصيات فناني الاستشراق الآخرين، ما يدهش في اللوحة ليس موضوعها فقط، لكنه أيضا تلك التكنيك الذي يعيد إلى ذهنك عظماء الفنانين في مدرسة الاستشراق أمثال "أنجي تيسر" و"جان ليون جيروم" وغيرهم من تلك المدرسة، التي قدمت الشرق للعيون المتلقي الغربي، ولكن من منظور القصص الشعبي وحواديت ألف ليلة وليلة.
في عام 1888م أي بعد سنوات قليلة من نقل أجزاء كبيرة من مذبح البيرغامون من الدولة العثمانية إلى برلين- أهدى عثمان حمدي بك مدير المتحف البرليني، فيلهلم بوده، لوحة أولى، كانت بعنوان "تاجر السجاد في الشارع"، وتظهر اللوحة تجارة الأنتيكات المزدهرة في استانبول والسياح الذين يشترون هذه التحف الفنية القديمة وهم يرتدون قبعات تقيهم من حرارة الشمس وأشعتها، وقد تم عرض هذه اللوحة مؤخرا في المعرض القومي القديم.


وفاته
وفي الـ24 من فبراير 1910 غادر عثمان بك الحياة في هدوء الكبار، وأقيمت صلاة الجنازة في متحف أيا صوفيا بناء على وصيته، حيث نقل بعدها إلى القصر الصيني حيث المتحف ثم دفن في قصره في إسكيهي الذي تحول إلى متحف منذ عام 1987م  ليخلد ذكراه على جدران كل المتاحف التركية التي تحمل في مضمونها إسهاماته ودوره البارز في تحويل الآثار التركية إلى منصة عالمية للثقافة والفنون.
وتخليدا لذكراه العطرة وإيمانا بالدور الذي قام به الرجل أصدرت وزارتا الثقافة والسياحة فيلما وثائقيا يجسد سيرته الفنية والتراثية تحت مسمى "مدرب السحلفاة"، من إخراج المخرج الشهير حاجي فوزيك، لتبقى حياته قصة عذبة الألحان تتغناها الأجيال، جيل بعد جيل.

 

*كاتب وباحث أكاديمي- جـمهورية الـهند

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي