عام الجليد .. أن تعيش في الحرية وتموت بدونها

2020-09-22

 رواية «عام الجليد»

أميرة الحلبي*

في أحد لقاءاته الصحافية، يقول الكاتب الفلسطيني رائد وحش «إن الطفولة مرحلة تخيل أساسا، لكون المراحل اللاحقة لها مراحل واقعية، ربما هي كذلك لأن الخيال يدربنا على الواقع».

من هذه الخلفية ينطلق الكاتب في روايته «عام الجليد» (منشورات المتوسط 2019) عن طريق بطله سبارتكوس من مرحلة الطفولة والأسئلة البريئة التي لا يأخذها أحد على محمل الجد إطلاقا، إلى ما يليها من مراحل لكي يبني واقعا من خيال يحمل كل الأجوبة عن كل التساؤلات، بل إنه يضيف نكهة خاصة إلى الاشياء تجعلنا نراها بشكل لم نفكر أنه قابل لأن يُرى على هذا النحو من قبل، وكل ذلك لكي يُقرّب لنا رؤية هذا البطل عن الحياة والموت والصداقة والطبيعة والعائلة والأمكنة، ضمن منحى يمزج بين التفلسف والبراءة.

في روايته «عام الجليد»، يعكس الكاتب الحدود بين الواقع والخيال في عالم مليء بالتناقضات، فلا نعود نعرف في بعض الأحيان هل نحن في لحظة واقعية عادية؟ أم في لحظة من لحظات خيال البطل؟

العالم الذي ولد فيه سبارتكوس يؤمن في جزء منه بالجن والشيطان والخرافات، وربما هذا هو أساس نزعة الخيال عنده! لكن هذا العالم الذي يؤمن بالخيال سيعاقب طفلا إن جنح بخياله، حين يقوم سبارتكوس الصغير بتشبيه الجد بالله، فقط لأن كلُّا منهما أبيض كالغيوم، ولهذا لا بد من إجباره على تطهير روحه من رجس أعمال الشيطان، من خلال الذهاب به إلى أحد المشعوذين للقيام بمهمة طرد الجن من جسده الضئيل، من دون أن ينتبه أحد إلى أن ما يظنونه عملا شيطانيّا لم يكن سوى موهبة فريدة من نوعها في التخيّل وتوليد الأفكار، التي جعلت هذا الطفل يرى ما لا يراه الآخرون، ويربط ما لا يمكن لغيره أن يربطه ببعضه بعضا، لكن المجتمع الذي يعتبر منطق السائد هو الصواب سيجد أن كلّ خروج على هذا السائد إثم وراءه فعل شيطاني دنيء.

سوف يكبر سبارتكوس وسوف يصبح فتى أكثر نضجا من ذي قبل، وسوف تكبر معه تخيلاته المجنونة بالطبع، ولكن موت الأم بعد تجربتها المريرة مع السرطان، وفقدان جزء من عقل وروح الأب العاشق لها بسبب هذا الغياب الفاجع.. سوف يعمّقان من انغماس سبارتكوس في الخيال أكثر وأكثر، وسوف يبدأ بخلق عالم يكاد يكون عالما موازيّا للعالم الحقيقي، فيتخيل نفسه وهو يطير بجناحين مستعارين من حمامة، كي يبحث عن أمه بين الغيوم، وفي جولة أخرى سوف يتخيّل الطيران ذاته مع الأجنحة ذاتها بصبحة أبيه.

 

هناك صوت راوٍ، في البداية نظنه راويا عليما، راويا يعرف كل شيء ويتحدث من خارج القصة، لكن المفاجأة تأتي في ما بعد منتصف الرواية حين نكتشف أن من يروي هو إحدى شخصيات العمل، لكنها شخصية غير متوقعة لأنها عبارة عن قطعة من الجليد اسمها زمهرير.

كان الخيال بالنسبة لهذه الشخصية هو من يعطي الأشياء وضوحها الكامل، وهو من يجيب عن الأسئلة العصية وشبه المستحيلة. الخيال يلعب دور البطولة في هذه الرواية، وقرّاؤها سوف يجوبون عالما حرّا، وكأن المكان بطبيعته البرية مسرح مثالي لهذه الأخيلة، ولا بد من القول إن الريف الذي بات يغيب في الروايات المعاصرة يحضر هنا، ليقول أشياء لم يقلها من قبل، وهي أن الأفكار الجنونية والأسئلة المستحيلة لا يمكن أن تتخذ مثل هذه الصيغة الحارة لو لم تحدث في قرية، فالبراري مهد أسئلة الإنسان.

وفي نص «عام الجليد» لن تصل الأخيلة إلى ذروة التطرف في استجلاب ديناصور، أو الحديث إلى كلب، أو مصادقة أفعى.. لو لم يكن هناك فصل يتخذ من مزرعة فضاء مكانيا حين يحصل سبارتكوس فيها على وظيفة حارس. المزرعة ستكون قمة ما تمثله البرية من جموح نحو المعرفة والسؤال.

وعلى سيرة هذه المزرعة العجيبة، لا بد من تسجيل نقطة أساسية تكمن في تحول الخيال إلى واقع فعلي، فحيث كان سبارتكوس قبل هذه المرحلة يتخيّل أو يحلم أو يتوهم، فقد بات في المزرعة يعيش أفكاره وخيالاته، فيتجول عاريا بين الشجر، ويمارس الاستمناء في الهواء الطلق، ويحاول أن يعيش تجربة الإنسان الأول على الأرض.

ولعل العيش في هذا الخيال هو ما جعله حرّا، فالحرية التي يعرفها مارسها بجسده وروحه، في فضاء مكاني واسع جعله يسافر في ما وراء الأشياء والمعاني، وحين قامت ثورة في بلده (لا تريد الرواية لنا أن نعرف أين يقع هذا البلد) ويبدأ بسماع شعارات الحرية التي لم يفهم ما المقصود منها راح يقول: «لو عاشوا مثلي بين الماء والشجر والحيوانات لما احتاجوا الى الثورة».

مع بدء مرحلة الحرب والخراب تتلاشى الأحلام ويهرب الخيال، يتحول المكان إلى مسرح للأوجاع والآلام. مصائب وخوف ومصير غامض. ظلم وقهر بدون نهاية. في هذه الفترة التي يفقد فيها المكان صفاته الجمالية القديمة بسبب الحصار والحرب يصبح سبارتكوس شخصية ضعيفة تائهة، ترى الأشياء بشكل رمادي، على عكس كل الطلاقة السابقة، فهل خرّبت الحرب المشهد أم خرّبت عيونه؟ ذلك هو السؤال هنا.

هناك صوت راوٍ، في البداية نظنه راويا عليما، راويا يعرف كل شيء ويتحدث من خارج القصة، لكن المفاجأة تأتي في ما بعد منتصف الرواية حين نكتشف أن من يروي هو إحدى شخصيات العمل، لكنها شخصية غير متوقعة لأنها عبارة عن قطعة من الجليد اسمها زمهرير.

هذا الصوت الراوي الذي يتحدث عن اللاوعي لدى سبارتكوس، سوف يتماهى مع البطل في نهاية الرواية، وسوف يصبح الراوي والبطل شخصا واحدا، سوف يصبح شخصين يتحدّثان من شفة واحدة: «لم أعد أبالي إن كنت سبارتكوس، الفتى الذي قذفته أحلامه بوحش الصقيع إلى جحيم من جليد، أم زمهرير، كائن الصقيع الذي صدق خيالات الإنسان فأوصلته إلى أقصى تعاسة المعرفة». تلك هي الرمزية في امتزاج الخيال مع الواقع، أو امتزاج الحياة مع الموت، أو ربما امتزاج الرغبات والطموح بالتغير والثورات مع الدمار والتهجير، وربما الزمهرير.. كله ممكن، فالأدب فن الاحتمالات.

 

  • كاتب عراقي

 








كاريكاتير

إستطلاعات الرأي