مأساة المواطن اللبناني… سينما تطرح الواقع وتعري الحقيقة

2020-09-01 | منذ 11 شهر

كمال القاضي*

 

بدأت عمليات الرصد المأساوي للواقع اللبناني وتصويره على شاشة السينما في أعقاب الحرب اللبنانية الضروس التي دارت رحاها، في منتصف السبعينيات، وأدت إلى ظهور تيار السينما الجديدة الذي عاش مرارة الحياة في ظل القصف والخوف والهلع، وأمضى سنوات ينتظر التهدئة وينشد الاستقرار، لكن غلبة الحسابات السياسية وطاحونة الحرب الدائرة كانت أقوى من رغباته وأحلامه، فظل يسجل يومياته على شريط السينما، مُستغلاً الظرف القاسي في عمل أرشيف حافل بالآلام والصور الدرامية، كي تُصبح السينما شاهداً حياً لا يكذب ولا يتجمل، ولا يطرح حلولاً وهمية للمفاوضات ووقف إطلاق النار.
لقد مضت السينما اللبنانية في مسارها المعهود طوال سنوات الاضطراب، تتلمس الطريق وتسعى لتقديم المُجدي والمختلف في ما يخص القضية اللبنانية، وبتأثير الأزمة طرح الجيل الجديد بعض المشكلات في إطار مغاير للأفكار التقليدية، فعلت النبرة السياسية وظهر ما عُرف في حينه بسينما المؤلف تأثراً بالتجارب المتميزة لمارون بغدادي، وجوسلين صعب، ورندة الشال، وجان شمعون، وقد أسفرت إسهامات هؤلاء وغيرهم عن فرض قيود أمنية ورقابية مشددة على الإبداع السينمائي، فهاجر البعض إلى أوروبا، وباتوا يقيّمون الحالة السياسية والثقافية من منفاهم في دول الغرب، وبفعل الاستقرار وطول أمد الإقامة، حدث نوع من التواصل مع شركات التمويل الأجنبية، وتم إنتاج أفلام مشتركة اعتنت بتوثيق الحرب، وما جرى خلالها من تضحيات وخسائر وفوضى، كان من بينها فيلم «الإعصار» المُنتج عام 1992 للمخرج سمير حبشي و«آن الأوان» لجان كلود قدسي و«أشباح بيروت» لغسان سلهب و«ويست بيروت» لزياد الدويري و«زنار النار» لبهيج حجيج.

مضت السينما اللبنانية في مسارها المعهود طوال سنوات الاضطراب، تتلمس الطريق وتسعى لتقديم المُجدي والمختلف في ما يخص القضية اللبنانية، وبتأثير الأزمة طرح الجيل الجديد بعض المشكلات في إطار مغاير للأفكار التقليدية.

ولم تكن مصادفة أن تُنتج غالبية هذه الأفلام في فترة التسعينيات، باستثناء الفيلم الأخير، وإنما جاء الإنتاج مُكثفاً في تلك الفترة، كرد فعل لما حدث أثناء الحرب، ويلاحظ في الأفلام المذكورة اهتمامها بإبراز مظاهر الخراب والدمار، والتركيز على الآثار النفسية السيئة التي لحقت بالمواطن اللبناني كضحية أولى للعبث والفوضى واللامبالاة.
وقد ذكر صاحب الأفلام الوثائقية والتسجيلية المهمة المخرج والكاتب اللبناني هادي زكاك، في هذا الخصوص، أن الكثير من التجارب السينمائية تشابهت في المضمون، لكنها اختلفت في شكل وأسلوب المعالجة، وهو ما يوحي بأن الحركة النقدية السينمائية استفادت من نوعيات الأفلام، واستطاعت أن تضع يدها على الفروق الجوهرية، بين التجارب المختلفة بما فيها أفلام زكاك نفسه، «يا عمري» و«أصداء سنية» و«مارسيدس»، لا سيما أن تجارب أخرى لمخرجين روائيين مرموقين، نحت نحواً مختلفاً في تعبيرها عن الواقع اللبناني بعد انتهاء الحرب، فاتجهت إلى ما يمكن اعتباره وصفاً للحياة اليومية أكثر منه رصداً للحياة السياسية، وهو تحول كلي يعود الفضل فيه إلى المخرج جان شمعون، مخرج فيلم «طيف المدينة» المُنتج في عام 2000، والمخرجة رندة الشال مخرجة فيلم «متحضرات» والمخرجة مريام الحاج مخرجة فيلم «هدنة»، وكذلك أفلام أخرى مثل، «بيروت الغربية» و«معارك حُب» و«الشيخة والأرض المجهولة» و«طيارة من ورق» و«كاراميل أو سُكر بنات» لنادين لبكي.

وكلها تعكس متغيرات الحياة في الواقع والسينما، وتطرح أسئلة جدلية حول ما يُمكن أن توصف به المرحلة التي عاشتها لبنان، إبان مرحلة الاشتعال، أو بالأحرى مراحل الاشتعال المتصلة المنفصلة في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، وما يمكن تجاهله أو نسيانه من محتوى الذاكرة الوطنية والسياسية؟ وهل يجوز إسقاط أجزاء من تواريخ البلاد في محاولة إرادية، أو لاإرادية للتخلص من الجوانب المؤلمة والمأساوية؟ الإجابة جاءت مُتضمنة في ما حددته السينما حين أعملت أدواتها في تسجيل الأحداث بالصوت والصورة والظلال، فقطعت بأن لا شيء يُنسى من تاريخ الشعوب والدول، ولا يمكن أن يسقط حدث بالتقادم من الذاكرة الجمعية للأمم والأوطان، فالحلو والمر جديران بالتسجيل ومُعتبران في ذاتهما، لأنهما جزء من تاريخ الوطن والمواطنين.

٭ كاتب مصري



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي