المسلسل الألماني "ظلام" الزمن.. وحكمة المرايا

2020-07-27 | منذ 3 أسبوع

رامي أبو شهاب*

كما ذكرنا في مقالات سابقة فإن قصص نهاية العالم تكاد لا تغرب عن بال صانعي الدراما والسينما، حيث أشرنا إلى تصاعد هذا الموضوع بوصفه سياقاً للخطابات التي تسعى لأن تقيم تصورها لهذه الصيغة، تبعاً لتزايد مخاطر التهديدات الكونية، وبينما تخلق جملة من الدلالات، إذ تتوجه في المقام الأول للرؤية الفلسفية التي تحكم العالم، وهكذا فلا يمكن أن ننكر بأن هذا السؤال لن يتلاشى في مخيلة الإنسان، ووعيه طالما هو قائم على هذه الأرض.

النموذج الكنائي

من المسلسلات العالمية التي تحقق حضوراً وانتشاراً واسعين على منصات المشاهدة المسلسل الألماني (ظلام) Dark الذي بدأ تصويره عام 2017 وانتهى في عام 2020 ويقع في ثلاثة أجزاء، مع الإشارة إلى أن هذا المسلسل نال تقييمات عالية من قبل المشاهدين كما النقاد. ينتمي هذا المسلسل إلى فئة الخيال العلمي، غير أنه لا يستعين بالمؤثرات البصرية والتقنية المتقدمة، ولكن يمكن القول بأن هذا العمل أقرب إلى مناخات المدرسة التعبيرية الألمانية، التي تسعى لأن تجعل متلفظها البصري شديد التعالق بالنموذج الفكري والشعوري، كما الرمزي القائم على اللغة والحدث، من خلال بناء متتال من التوترات التي تستجيب لمؤثرات نفسية وعاطفية، تقع في مرجل التعبيرات الإيحائية أو الكنائية، حيث تلعب قيم الظل والضوء والمرايا والفنون التشكيلية، دوراً محورياً في تفعيل الدلالات التي تتخلق في بلدة «فيدن»، التي تقع جنوب ألمانيا، فنرى أثر الطرق والتقاطعات والشارع وإشارات المرور والكهوف والأسوار، التي تحيل إلى مسارات الوجود، ومبدأ الاختيار. ويكاد لا يغرب عن ذهن المتلقي أن هذا التجسيد يُترجم غالباً عبر أدوات تعبيرية تحتاج إلى عميق المتابعة والملاحظة، بغية قراءة الإشارات التي تحضر على هامش الصّيغة المشهدية والحوارية، التي تحتاج في جملتها لإعادة إنتاج دلالي في سياق الرؤية العامة للمسلسل المرهق والمعقّد على مستوى التلقي.

غالباً ما تفتتح حلقات أجزاء المسلسل الثلاثة باقتباسات من الأدب أو الفلسفة، لكل من شكسبير ونيتشه وشوبنهاور وغيرهم، وهي تتصل ببيان أن المكوّن الخام للوجود ما هو إلا سؤال لا يحتمل أي إجابة قاطعة، وأن محاولة الإنسان، وسعيه الدائبين للإجابة عن الأسئلة الكبرى التي تسود العالم، ليسا سوى محاولات يحكمها البناء الدائري للزمن، الذي يعبر وجودنا فيتحول إلى وجود خاص بعينه، وهو أمر يُكنى عنه بفكرة قوامها حقيقة الوجود المستقل لذاته، على الرغم من أن المسلسل ينهض على فكرة مستهلكة فنياً، ونعني السفر عبر الزمن، إلا أنه يتخفف من تلك الصّيغة الساذجة، ليبني حبكته على تكوين صلد من الجانب المعرفي والتعبيري القائم على قيم فيزيائية وكمية، ولكن الأهم صون الإطار الفلسفي الذي تؤطره رمزية بلدة «فيدن» الألمانية، بوصفها معادلاً للعالم ضمن أزمنة مركزية تبدأ من عام 1953 وتمتد إلى 1986 ومن ثم 2020 – زمن انطلاق الأحداث ـ بل يتجاوز ذلك إلى سنوات أخرى قد تصل إلى ما بعد منتصف القرن الواحد والعشرين، حيث نشهد وجود عالمين يتجاوران في المكان والزمان، ضمن مبدأ التوازي، ولكن هذا لا يحول دون سفر الشخصيات بين هذين العالمين ذهاباً وإياباً لاختبار خيارات الإنسان، ومواجهة الذات.

الزمن ومبدأ الاختيار

ينفتح المسلسل على اختفاء طفلين في زمنين مختلفين، لنكتشف في ما بعد أن هذا الاختفاء يتصل بالسفر عبر الزمن، الذي يفعّل نتيجة وجود مصنع الطاقة النووية الذي تأسس في الخمسينيات، بوصفه جزءاً من المستقبل، غير أنّ هذا المصنع يكمن أسفل بنيته كهف يحتوي على باب أو بوابة، تتيح وجود ثغرة للانتقال بين الأزمنة، هذه الثغرة نتجت بفعل مواد مشعة، أسهمت في خلق هذه البوابة التي يستفيد منها أحد العلماء، بهدف صنع آلة تتيح السفر عبر الزمن من أجل أن ينقذ عائلته من الموت في حادث سيارة، محاولاً تفادي الألم، والإحساس بالندم.

هذه الأحداث تؤثر في مصير «يوناس» الذي يواجه أزمته بسبب انتحار والده، الذي نكتشف أنه الشخص الذي سافر إلى عام 1986 في حين أنه كان يعيش في زمن الابن «يوناس» طفلاً 2019، وهنا تظهر محورية الفكرة، كوننا نسعى لأن نعيد ترتيب وجودنا عبر محاولة تخفيف الألم، وتجاوز ما اتخذناه من أفعال أحدثت أخطاء ما. هذه الصيغة كانت السبب في تداخل العوالم، والانتقال بين الأزمنة، الذي يحكم علاقات أربع عائلات، يسعى كل فرد منها لمحاولة تصويب خطأ ما، وبين هذا التشكيل تتحرك الأحداث، غير أنها تتصل أو تتمحور بشكل جوهري على شخصيتي «يوناس» و«مارثا» اللذين نراهما في المستقبل، قد انتهيا إلى شخصيتي «آدم وحواء».

لو بحثنا في تكوين الاسمين على مستوى القراءة السيميولوجية، فسنجد أن اسم «يوناس» يعود إلى مرجعيات مختلفة، منها إغريقية كما يتصل بالموروثين المسيحي واليهودي، ومن دلالته الإشارة أو العلامة، في حين أن اسم «مارثا» يتواجد في عدد من الثقافات الأوروبية، كما يتصل أيضاً بالموروثين اليهودي والمسيحي، حيث يحمل معنى العشيقة، أو المتغير، وهذا يصدق على العديد من شخصيات ومنها شخصية «نوح» (القس)، و«آدم»، و«حواء»، وغيرها، وهي تشير إلى نموذج من نماذج الكناية عن الإنسان المطلق، في صراعه مع ذاته أولاً، ومع الآخر، مع إسقاط ديني يتعلق بالنعيم أو الجحيم، فكل شخصية من شخصيات المسلسل تتبدى لنا في أكثر من مستوى مع ذاتها في غير زمن، خاصة حينما تتواجه، ولكن في أعمار مختلفة، وطابع مغاير، إذ تحاول تبعاً للقرار الذي تتخذه تعديل مستقبلها، وهنا نرى أن التعقيد والغموض بدا جزءاً من هويه المسلسل التي تتشابك شخصياته وتتناسخ، حيث يوجد لكل شخصية أكثر من نسخة تبعاً للعالم الذي تتحرك فيه، وكلها لا تؤدي إلا إلى بناء صيغة قوامها، أن معرفة الذات لذاتها وقرارها رهين قوى خارجية، ومهما سعى الإنسان لأن يتأمله، فإنه سيؤدي به إلى اتخاذ الفعل عينه، وهنا نتأمل مقولة مفادها أن التأمل في الهوة لا يكشف عن فراغها حقيقة، إنما هي من تكشف ما بداخلنا من فراغ حسب الاقتباس التمهيدي لبعض الحلقات.

إن قيم المعرفة لحدود وجودنا يبدو جزءاً مكرراً من صيغة المسلسل، الذي يسعى لأن يكرس أن معرفتنا بها العالم، كما الخلق والوجود والجحيم والجنة ليست بالقدر الذي نعتقده؛ ولهذا فإن القدر، ومحاولة تصحيح مسارات الحياة يبدو مُدرجاً تحت مقولة، إن ما نعرفه عبارة عن قطرة، في حين أن ما لا نعرفه عبارة عن محيط. هذه القدرة على قراءة الحدث تبعاً لزاوية ما، هي الصيغة التي ندرك من خلالها أن ثمة حكمة لكل فعل، وهنا تتواجه مقولات القدر وعشوائيته، مع مقولات وجود خطة تحكم مصير الوجود، فكل إنسان يحمل في داخله خطيئته، التي مهما سعى لأن يتجاوزها فإنه سيعيد إنتاجها مرة أخرى، حتى لو تمكن من التحكم بالزمن ومساراته، أو العودة للحظة عينها؛ ولهذا نجد أن تأمل «يوناس» أو «آدم» لاحقاً في لوحة «سقوط الملعونين» يعدّ جزءاً من قيم هذا التعبير الفني للمدرسة الألمانية، التي ما زالت بعض وشائجها كامنة لدى صناع الدراما، فهذه اللوحة التي تعود للفنان الألماني بيتر بول روبنز، هدفها أن تميط اللثام عن مآلات الإنسان وخطاياه التي يحملها، فلا عجب أن تتكرر مشهدية تأملها في غير حلقة.

محاولة الخروج

من جماليات المسلسل الفكرية، عدم سعيه لمحاكمة الإنسان، بمقدار ما يرغب في أن يظهر مدى محدودية قدرته، وحماقته في كل مرحلة من مراحل تطوره، كما أن هروبه المستمر من ذاته وقدره، ليس سوى محاولات لن تُثمر، كما نرى ذلك في محاولات يوناس ومارثا اللذين يتحابان في زمن ما، وفي زمن آخر يحاول كل واحد منهما أن ينفي الآخر، كي لا تكتمل الحلقة الزمنية، مع سعي مشترك لاكتشاف الثغرة في الزمن، للهرب من المصائر عينها التي تتكرر، وهذا ينسحب أيضاً على شخصيات «أولريش» و«شارلوت» و«كاترينا» و«هانا» وغيرهم، كما ينسحب على الحدث المحوري، الذي يتعين بنهاية العالم، بدافع المواد المشعة التي تكمن في أقبية مصنع الطاقة النووية، حيث إن منظور المسلسل قد شدد على هذه الصّيغة، من خلال تصوير المستقبل، حيث يسود الموت، في حين أن الطبيعة فقدت حيويتها وبهجتها، فانتشرت مشاهد الظلام، والعتمة، كما الصحراء فانحصرت المساحات الخضراء، وعمّ الخواء الأرجاء، وهذا ما نراه أيضاً في تشوهات وجه « آدم» نتيجة تكرار تجارب السفر، حيث تبرز البشاعة قيمة متحققة لعالم المستقبل الذي نصنعه نتيجة ماضينا.

تنهض هذه الصيغة على وجود الانعكاسات التي تبرزها افتتاحية المسلسل، حيث تظهر المرايا التي تبرز وعينا بذاتنا معكوساً، وهو ما نراه في الوجوه، حيث الجروح التي تتخذ علامات مغايرة عند انعكاس العوالم والأزمنة، وهذا يعني أننا نختلف في كل مرحلة من مراحل إدراكنا، ولكن فعلنا يبقى رهيناً لشيء أكبر مما نعتقد.

ثمة ركام من الصيغ والتناص، الذي زادته إحالات على الميثولوجيا، منها أسطورة «إرديان» في الثقافـــــة اليونانيــــة القديمــة، التي تشير إلى الخروج من المتاهة التي ترمز للوجود، أو الحياة، وهنا تبدو مارثا أو (حواء) أحد عوامل المشكلة، ولكنها في الآن عينه تعني الحل.

ومن أبرز جماليات المسلسل ما يتصل بفعل التّلقي الذي يعدّ نشاطاً يتجاور المبدأ الإمتاعي، فثمة دفع لأن يمارس المتلقي أو المشاهد طاقة ذهنية، بغية القدرة على قراءة الرموز الدينية والثقافية، وتحليل الكثير من العناصر التي تتباين في حضورها من حيث الحوارات، التي لا نتنبه لها، أو الإشارات أو الصور أو العبارات المعترضة الهامشية، كما القطعة المعدنية التي ترمز إلى القديس كريستوفر (شفيع المسافرين)، ومنها أيضاً رمز الأبدية الذي يتكون من دائرتين تتقاطعان في نقطة واحدة، غير أننا نكتشف أن ثمة عالماً ثالثاً، ويكنى عنه بالعالم الأصلي، حيث تجري عملية تصحيح الأمور بفعل اكتشاف الثغرة التي تتيح تصحيح المسارات، ولعل هذا لا يبدو بعيداً عن إشارات تتصل بالصراع الطبقي، والغيرة، والعلاقات المحرمة، من منطلق تفعيل النموذج النفسي التحليلي، ولاسيما مقولات «فرويد» في البحث عن الموضوع الجنسي، بوصفه مجالاً للرغبة، وذلك في سياق تقاطع مصائر الشخصيات، فكل المآلات تنتهي عند مقولة بأن النهاية هي البداية، أو العكس، وهي ربما مقولة تتقاطع من مبدأ الثنائيات التي سعى المسلسل إلى ردمها بحثاً عن أبعاد أخرى تحكم هذا الوجود متجاوزاً مقولة الأبيض والأسود، والخير والشر، وغيرهما.

 

  • كاتب أردني فلسطيني


إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي