حافظة القرآن وصاحبة وصية البنفسج.. أميرة الإحسان التونسية عزيزة عثمانة

2020-07-27 | منذ 2 شهر

فريدة أحمد

في بدايات القرن السابع عشر، كان بيت الحكم في تونس مشغولا بإزالة آثار الاحتلال الإسباني، حين تلقى الحاكم التركي الأصل عثمان داي خبر ولادة حفيدته "عزيزة" التي لقبت بـ"عثمانة" نسبة له.

يقول المؤرخون إن عزيزة كانت جميلة وذات مواهب متعددة، وإن والدها أبا العباس أحمد بن محمد بن عثمان داي كان شديد التعلق بها، ويعتبرها درة بيته، ولقبها بـ"عثمانة" نسبة إلى جدها.

ويقولون أيضا إن الأميرة المدللة صارت فيما بعد "أميرة الإحسان" و"صاحبة المبرات"، و"مفيضة الخيرات" و"ذات اليد البيضاء"، إذ لم تترك دربا في عمل الخير إلا وسارت فيه، حتى إن بعض أثرها ما زال ممتدا حتى عصرنا هذا.

التأمل والعبادة نهجها

في عمر مبكر، أظهرت عزيزة (1606-1669) استعدادا نادرا لدراسة الأدب وتلقي العلوم الدينية، فدرستها واستوعبتها على أيدي نخبة من الأساتذة والفقهاء المميزين آنذاك. حفظت القرآن، ولقنت الآداب وأصول التربية وإدارة البيت، وفقه الدين ومعارفه، فكانت مثالا للتقوى والصلاح منذ صغرها.

نعرف من كتاب "أعلام تونسيون" (Figures Tunisiennes) الذي ألفه المؤرخ الصادق الزمرلي بالفرنسية، وترجمه الكاتب والمؤرخ حمادي الساحلي إلى العربية بعنوان "أعلام تونسيون"، أن عزيزة أظهرت في فترة مراهقتها ميلا واضحا للتأمل والعبادة، ولم تعبأ قط بما كان يحيط بها من يسر وترف يظهر جليا في الحفلات المتعددة والمتنوعة التي تنتمي لطبقتها نفسها. وعلى العكس من ذلك، فما شهدته من بذخ وترف جعلها تفكر في الفقراء وفي العطاء والبر بهم.

ربة منزل

تزوجت الأميرة عزيزة في سن مبكرة من أحد أكبر الضباط التابعين لحاشية والدها يسمى حمودة باشا المرادي، وعاشت إلى جانبه عيشة مثالية، وكرست كل حياتها للعبادة وأعمال الخير. وكانت مولعة بالعبادة والعطاء، وكانت أيضا ربة بيت حريصة قبل كل شيء على تدبير شؤون قصرها.

عطاءات سيدة العطاء

لم تعبأ "صاحبة المبرات" بمشاق السفر إلى البقاع المقدسة ومخاطره التي لا مفر منها، فقررت أداء مناسك الحج رفقة عدد كبير من الخدم والعبيد الذكور والإناث، وبعد ما عادت إلى تونس أطلقت المماليك وأعتقت العبيد لوجه الله.

وفي كتابه "شهيرات التونسيات" يذكر الكاتب حسن حسني عبد الوهاب أن "مفيضة الخيرات" تخلت، بمحض إرادتها، عن كل ثروتها وأملاكها وأوقفتها لأوجه البر والمعروف في المشاريع الخيرية المخصصة للفقراء، وتجهيز الفتيات اللاتي يثقلهن الفقر ويحول دون زواجهن، والإنفاق على عتق العبيد وافتداء الأسرى.

كما أوقفت عددا من الأراضي والأملاك، وكان ريعها ينفق على ختان أولاد الفقراء وكسائهم يوم عاشوراء من كل عام.

حرصت "ذات اليد البيضاء" على مداواة الفقراء، فخصصت جزءا من وقفها لبناء "بيمارستان" أي مستشفى لعلاج الفقراء وإيواء المسنين، وأطلق عليه "بيمارستان العزافين"، ثم انتقل المستشفى من حي النحاس إلى حي القصبة في تونس، وأطلق عليه "المستشفى الصادقي"، وفي عام 1960 تغيّر اسمه للمرة الثانية وأطلق عليه "مستشفى عزيزة عثمانة" تخليدا للأميرة المحسنة، التي أوقفت لأجله جزءا من أملاكها، وما زال موجودا بالاسم نفسه.

وصية "البنفسج"

كانت الأميرة المحسنة صادقة، رقيقة الحس، محبة للعطاء والتأمل في الكون، أحبت الطبيعة والنباتات، وأوصت قبل وفاتها بإنفاق ريع من وقفها لشراء الورود في مختلف الفصول ووضعها على قبرها فجر كل يوم من بنفسج وورد وياسمين. وفي عام 1669 توفيت الأميرة عزيزة عثمانة، ودفت بمحاذاة ضريح الوالي أحمد بن عروس.



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق




شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي