خوان مارسيه كاربو.. روائي "اللحظة التاريخية" في الذاكرة الإسبانية

2020-07-21 | منذ 11 شهر

 مولود بن زادي*

فقدت الساحة الأدبية والثقافية الإسبانية والعالمية صبيحة يوم الأحد 19 يوليو/تموز، الروائي والإعلامي وكاتب السيناريو خوان مارسيه كاربو، أحد الأسماء البارزة في سجل الأدب الإسباني المعاصر، عن عمر يناهز الـ87.

مدرِّس ومترجم

ولد خوان فانيكا روكا – وهو اسمه الحقيقي – في مدينة برشلونة في مقاطعة كتالونيا في إسبانيا يوم 8 يناير/كانون الثاني 1933. توفيت والدته أثناء الولادة، فتبنته عائلة مارسيه التي حمل اسمها. وقد مرت عائلته بظروف صعبة حملته على مغادرة المدرسة وهو لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، حيث عمل في ورشة مجوهرات لمساعدة أسرته. ومن إسبانيا هاجر خوان مارسيه إلى فرنسا، حيث اشتغل في معهد بالستور وعمل مدرسا للغة الإسبانية، واشتغل أيضا في حقل الترجمة.

مشوار أدبي ثري

استهل مارسيه مشواره الأدبي عام 1958، وهو لم يتعد بعد عمر الرابعة عشرة حيث شرع في نشر كتاباته في مجلات أدبية مثل مجلة (إنسولا) Insula ومجلة السينما. وكان في ذلك الوقت يجتهد للتوفيق بين الكتابة والعمل، لكسب لقمة العيش وإعالة الأسرة، حيث كان يشتغل صانع مجوهرات. وسرعان ما لفتت كتاباته الأنظار، حيث فازت إحدى قصصه بجائزة (سيسامو) Sésamo المرموقة.

نجاح هذه الكتابات شجعه على الانتقال إلى عالم الرواية، فنشر روايته الأولى عام 1960 بعنوان «محبوسون في لعبة واحدة»، وقد حققت هذه الرواية نجاحا باهرا منذ البداية، إذ تأهلت لجائزة (ببليوتيكا بريفي) وهي جائزة أدبية تمنحها سنويًا مؤسسة النشر (سيس بارال) في شهر فبراير/شباط، لرواية غير منشورة باللغة الإسبانية، وتبلغ قيمة الجائزة 30.000 يورو، فضلا عن نشر العمل الفائز.

  أدب خوان مارسيه، سرد مثقل بالهم الاجتماعي ومعاناة الإنسان، يعبر عن قدرة المؤلف الفائقة على تصوير التحولات الاجتماعية التي شهدتها إسبانيا أواخر القرن الماضي .

تروي «محبوسون في لعبة واحدة» قصة أطفال ينتمون إلى الطبقة المتوسطة في المجتمع الإسباني، من أبناء العائلات التي عانت من ويلات الحرب الأهلية. تدور أحداث القصة في فترة ما بعد الحرب، وتسلط الأضواء على فئة من الشباب خاب أملهم في واقع أفرزته الحرب التي شنها آباؤهم، ولم يكن لهم دخل فيها، والتي لم تسمح لهم بصقل هويتهم الخاصة وتحقيق طموحاتهم وأهدافهم.

تصوير الواقع الاجتماعي

أدب خوان مارسيه، سرد مثقل بالهم الاجتماعي ومعاناة الإنسان، يعبر عن قدرة المؤلف الفائقة على تصوير التحولات الاجتماعية التي شهدتها إسبانيا أواخر القرن الماضي، والتقاط جزئيات هذا الواقع، من خلال سرد ممتع وشيق، يرحل من خلاله القارئ إلى إسبانيا، ويحط في مدينة برشلونة في حقبة ما بعد الحرب. تتسم أعمال خوان مارسيه بتنوع الشخصيات في إطارها الحكائي، فهي شخصيات مأخوذة من سياق الواقع المعيش، نابعة عن احتكاك المؤلف بالمجتمع، وهو الكاتب المخضرم الذي عاش حقبتين مختلفتين، قبل الحرب وبعدها، وشهد التأثيرات السلبية للحرب الأهلية والتحولات العميقة التي عرفتها إسبانيا، بعد هذه الحرب، والتي كان لها بالغ الأثر في بلورة فكره وأدبه، وهو بذلك شاهد على العصر بكل ما يحمله ذلك من معنى. وقد وظف الكاتب في روايات شخصيات من بيئات متعددة، انطلاقا من الحي الأكثر تواضعًا صعودا إلى البيئة البورجوازية الكتالونية.

مترجم وكاتب سيناريو

لم يكن مارسيه روائيا وصحافيا وحسب، بل كان أيضا مترجما ساهم في ترجمة العديد من السيناريوهات. وكان نفسه كاتب سيناريو، وهو من كتب سيناريو «القصة الغامضة لابنة العم مونتس». وكتب أيضا قصة «إذا أخبروك أنني سقطت»، التي نشرها في المكسيك بسبب الرقابة الفرنسية آنذاك. وكان لهذه القصة صدى واسع، بعد أن فازت بجائزة الرواية الدولية.

ومع أنّ خوان مارسيه بدأ الكتابة في سن مبكرة، إلاَّ أنه لم يحقق شهرة عالمية واسعة إلاَّ بعد نشر رواية «الأمسيات الأخيرة مع تيريزا» عام 1965، وتعدُّ اليوم من أبرز أعماله. تروي هذه القصة سوء المغامرة لمراهق من الطبقة العاملة البسيطة، يسعى لكسب فتاة من الأوساط الثرية الراقية في برشلونة.

سجل حافل بالجوائز

يعتبر خوان مارسيه اليوم، واحدًا من أعظم الرواة الإسبان المعاصرين، وقد تم تقديمه مرارًا وتكرارًا مرشحًا خارجيًا لجائزة نوبل للأدب. وإن لم يفز بجائزة نوبل العالمية، فقد فاز بالعديد من الجوائز المرموقة، مثل جائزة بلانيتا للروايات المكتوبة باللغة الإسبانية (1978)، وجائزة النقاد القشتاليين (1993)، والجائزة الوطنية للرواية (2001)، وجائزة النقاد القشتاليين (2001).

وفي عام 2008، نال خوان مارسيه جائزة ثيرفانتس، وهي أكبر جائزة أدبية إسبانية، أطلقت عام 1976، وتعد أعلى تكريم أدبي للكاتب باللغة الإسبانية عن مجمل إنجازاته. وتهدف هذه الجائزة إلى تقييم أعمال الأدباء الذين يكتبون بالإسبانية وإسهاماتهم العظيمة في إثراء التراث الثقافي الإسباني الإرث الأدبي العالمي.

شاهد على العصر

رحل خوان مارسيه مخلِّفا إرثا أدبيا زاخرا، يصوّر تصويرا صادقا الواقع الاجتماعي في إسبانيا ما بعد الحرب الأهلية، بكل أبعاده النفسية والفكرية والشعورية والمادية، على منوال رواية «هذه العاهرة المميزة»، التي اختتم بها مشواره الروائي عام 2016، وهي انعكاس للذاكرة الشخصية للأديب والذاكرة الجماعية معا، صوّر لنا من خلالها ما شهده في برشلونة أثناء طفولته، وجمع فيها ذكرياته الخاصة، وأبرز ذكريات في سجل التاريخ الإسباني وحقبة ما بعد الحرب ونظام فرانكو وما تبع ذلك من تحول ديمقراطي في إسبانيا.

 

  • كاتب جزائري


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي