عبقرية تيرنس ماليك تختصر الزمان والمكان والحرب

2020-07-16 | منذ 4 أسبوع

تماه كلي مع الطبيعة

طاهر علوان*

"حياة مخبأة" فيلم يعدّه النقاد أيقونة سرد شعرية لا يتقنها إلّا المخرج الأميركي تيرنس ماليك صاحب المدرسة السينمائية المتفرّدة في رسم الأحداث بالصورة أكثر من الصوت. والفيلم الذي يستمرّ عرضه حاليا في الصالات العالمية بعد إعادة فتحها، يمرّ أمام المشاهد كقصيدة بصرية عن معنى الإيمان بمبدأ، وإن خسر الإنسان حياته فداء له.

كنّا نتمنى أن نبني لنا عشّا هانئا في الأعالي، كنا نتمنى أن نحلّق باتجاه الجبال، هي بضع كلمات وتمنيات على شاشات معتمة ما تلبث أن تزيحها صورٌ من الماضي تجعل مثل هذه التمنيات نوعا من الخرافة.

صور الماضي ما هي إلاّ صور انبثاق الهتلرية وصعودها المخيف وتحشيدها لجمهورها العريض وقواعدها، ومنذ تلك البداية سوف نلتمس شاعرية السرد التي يتوازى فيها خطّان، الأول هو خطّ السيطرة والاستقواء والحرب في مقابل خط الحياة الآمنة المسالمة قبيل أن تتسرّب إليها جرثومة الحرب فتفتك بها.

لن تجد في فيلم “حياة مخبّأة” إلاّ سجالا طويلا يعبّر عن الخطين السرديين اللذين رسمهما بعناية فائقة المخرج الأميركي تيرنس ماليك في أحدث ما قدّم عبر تاريخه السينمائي الاستثنائي.

  فيلم "حياة مخبّأة" يقحم المشاهد في سردية شاعرية مؤثرة تحتاج صبرا وتأملا عميقا بمزجه بين ما هو درامي وما هو وثائقي حقيقي

وماليك ذاك المخرج المتقشّف الذي يأكل الفيلم الواحد من عمره سنوات كما هي الحال في فيلمه الأخير “حياة مخبأة”، أتحفنا هذه المرة بقطعة فنية استثنائية، وهو فيلمه العاشر على أية حال وقد أخذ منه عدة سنوات إلى أن قدّمه لجمهوره جاهزا ثم توارى عن الأنظار من جديد كعادته.

رحلة معاكسة

تيرنس ماليك يزجّ في فيلمه بمنظومة بصرية هائلة ومتنوعة لعرض المكان الطبيعي وشكله وتفاعله مع الذات البشرية

نحن الآن في العام 1939 وألمانيا النازية في صعودها المدوّي وأصداء نزعتها التوسّعية تسمع في كل مدينة أوروبية، مع شعور متفاقم بالعجز عن الرفض أو الاحتجاج.

وأما على الجهة الأخرى فهناك عالم مسالم تماما سوف ننتقل إليه، فلاحون وسط الطبيعة تحفّ بهم جبال الألب في قرية نمساوية هانئة، هؤلاء المسالمون البعيدون سوف تصل إليهم شواظ الهتلرية وتقلبهم رأسا على عقب.

وكما هو أسلوب تيرنس ماليك فإن قضية الإنسان وصراعه غير المتكافئ مع المحيط المستبد الذي يجاوره، تحضر هنا بقوة وسوف نعيش ونتعايش مع قصة فرانز (الممثل أوغست ديهل) التي تعود إلى وقائع حقيقية عندما تم استدعاء هذا الفلاح إلى الجيش الألماني، ولم يمض وقتا طويلا قبيل أن تتم إعادته، حيث أنه لم يشارك مشاركة فعلية في الحرب، إلاّ أن لهيبها كان قد لامسه لجهة عمق الذات الإنسانية وطقوس الإذلال التي من أهم علاماتها قسم الولاء لهتلر.

نقطة التمركز الإنساني بالنسبة إلى فرانز وزوجته فاني (الممثلة فاليري بانتشير) من منطلق كونه فلاحا هي الأرض، والطبيعة، وإذا بنا من نقطة التمركز الإنساني هذه سوف نجد الفلاح – الإنسان والأسرة الصغيرة ثم الأرض والطبيعة في مواجهة الحرب، فما الذي ستفعله الحرب بكل هذه المعطيات مجتمعة؟

يجسّد المخرج تيرنس ماليك نوعا من العلاقة التكاملية بين الإنسان المتماهي مع الطبيعة حتى يغدو من الصعب إن لم يكن من المستحيل انفصاله عنها، من هنا يزجّ المخرج بمنظومة بصرية هائلة ومتنوعة لعرض المكان الطبيعي وشكله وتموجاته وتفاعله مع الذات البشرية، التفاعل مع الهواء والطير والشجر ومواسم الحصاد والنهر والبئر والحيوان، كلها ينشب في وسطها فرانز حتى تغدو جزءا عميقا من ذاته ولهذا لا يتخيل انفصاله عنها.

سيرة فلاح يرفض نطق قسم الولاء لهتلر

سردية شاعرية مؤثرة تحتاج صبرا وتأملا عميقا إبّان المشاهدة تلك التي تتدفّق تباعا وعفويا ولا تعرف لها حدودا للإشباع، أو أنك لا تستطيع بالضبط أن تفهم أين ومتى يمكن أن تبدأ اللقطة أو المشهد، فالطبيعة تدور بمواسمها المتعدّدة والإنسان يدور معها، وهو يشقى فيما أسطوانة النار التي تمثلها الحرب تدور وتتنقل من بلد إلى بلد وتحرق في مسيرة انتقالها كل شيء.

فرانز حاله حال النمساويين وغيرهم في مثل سنّه يجب أن يلتحق بالجيش الهتلري، الاستدعاء أمامه، ورقة القدر التي تمتد بامتداد الشقاء الإنساني، فمن يستشير ومن سوف يكون معه في موقف الرفض وما هي التبعات؟

ها هو يتحدّث إلى القس ثم الأب راعي الكنيسة وكلاهما يحثّانه على الالتحاق بالحرب، فيقول “لكنني لا أستطيع أن أقتل أناسا أبرياء ولا أستطيع أن أقسم من أجل هتلر”، وحتى رجال الدين لم يتركهم هتلر يمارسون عباداتهم بل جرّهم إليه عنوة فإما معه أو ضدّه.

في عمق الأزمة الوجودية التي تتجسّم بالنسبة إلى فرانز، هناك فلسفة معقدة هو الوحيد الذي يشعر بها وهي تتفاعل في داخله، وذلك من خلال المشاهد التي يكاد يشكو فيها إلى الأرض والطبيعة، فلا يجد غير امرأته التي تحتضن حزنه.

فرانز الإنسان ليس معارضا ولا سياسيا ولا ذا فكر سياسي، إنه مجرد إنسان لا يريد أن يتنازل عن المبدأ، أن تلك الحرب كارثة على البشر وأن قسم الولاء لهتلر ليس واردا.

في رحلة معاكسة، لن يجد فرانز سبيلا سوى أن يترك مجتمع القرية، هنا ينسج المخرج دراما مؤثرة من خلال تشكيل قوة دافعة جديدة ممثلة في سكان القرية الذين بدؤوا ينبذون فرانز وأفراد أسرته ويعاملونهم بقسوة متناهية.

القرية التي لا مصلحة لسكّانها مع هتلر ولا مع غيره وهي التي سكّانها ناؤون عن هتلر تنقل أفئدتها إلى خيار مختلف تماما، إنهم فجأة هتلريون إلى النخاع وفرانز خائن يستحق رصاصة في الجبين. تلك هي المفاجأة الصادمة أن ذلك الفضاء الإنساني الذي نشأ عليه فرانز أصبح خشنا وصار يضيق عليه، وهو قريته التي اعتاد عليها.

شعرية السرد

الممثلان أوغست ديهل وفاليري بانتشير أبدعا في أداء دور الزوجين المنسجمين والرافضين للانصياع لحتمية الحرب

تتشبّث فاني بزوجها، لا تعرف في وسط تلك الدراما الضاغطة أيهما الصحيح، أن يبقى ويتحدّى ويصمد في وجه جميع الضغوطات والمنغصات أو أن يذهب إلى الحرب؟

قوتان في تلك الدراما تتنازعان ذلك الوجود الإنساني المهدّد، الصورة محمّلة بفيض من المشاعر الإنسانية التي لا تحتاج إلى شرح ولا إلى تفاصيل.

هنا ثمة توظيف لشعرية السرد القائم على التنويع البصري ومع زيادة الضغط على فرانز تزداد وتيرة التشوّهات، وجوه قادمة من الحرب، مكان يتحوّل إلى ما يشبه صندوقا مغلقا، بينما فرانز يمارس طقوسه اليومية المعتادة من حصاد وسقي ورعاية الحيوانات، وإذا به يحمل حقيبته قاصدا هتلر والحرب مضطرا.

هذه النقطة المفصلية في الدراما الفيلمية كانت بداية تحوّل درامي – وثائقي من وجهة نظر فرانز.

في المقابل وخلال ذلك يتفوّق السرد القائم على غزارة الصورة وبناها التعبيرية على الحوار الذي يكون غالبا متقطعا ونثارا من الجمل، وذلك هو أسلوب ماليك الذي يميزّه عمّا عداه من المخرجين. هنالك عفوية في ما تتحدّث به الشخصيات، وحتى فاني الزوجة لا تتحدّث كثيرا، لكنّها تكاد تذوب حزنا على زوجها وحبا له.

بين الواقعي والوثائقي

في انتظار المصير المحتوم

سوف نعود إلى نقطة البداية؛ إلى الوثائقيات التي تظهر هتلر في بداية الفيلم وهو يتفقّد جمهوره المهووس به، حيث يعمد المخرج إلى ذلك التوازي المدهش بين الواقعي والوثائقي، بين الدرامي والإنساني، ثم تحضر الوثيقة، ليبدأ فرانز بالوصف وكيف يشعر بالأماكن، بحركة القطار وضجيج العربات، وهكذا تكتمل منظومة بصرية أراد من خلالها تيرنس ماليك إحالتنا إلى الأبيض والأسود في نسق تعبيري عمّق الدراما الفيلمية.

وخلال ذلك يحتاج المشاهد صبرا على ذلك التمثل الذكي للصورة واللقطة والمشهد والتفاصيل الدقيقة والتحوّلات الدرامية، صبرا على كثافة الانتقالات والتداعيات التي لا يحدّها زمان واضح ولا وجهة نظر معينة.

ولا شك أننا هنا لن نختلف مع العديد من النقاد الذين يؤمنون بأن تيرنس ماليك يقدّم نمطا وشكلا وأسلوبا فريدا لا يتكرّر، ويحتاج ويستحق المزيد من التأويل والقراءات المتعددة، وهو هنا في الغالب ليس معنيا بجماليات الكثير من الأشياء وبما فيها البروفايلات ومشاهد الطبيعة التي يستخدم فيها عدسات تشوّه المنظور، وهو ما يكثّفه في المعتقل الذي يساق إليه فرانز.

تتجلى طبقات المعنى بشكل أكثر حدة إبان اعتقال فرانز ورفضه المتكرّر القسم لهتلر، هناك حيث جنرالات السجون والمحققون، وبهم سوف يتكامل عالم الرهبة حيث يدور فرانز حول نفسه وحيدا متحيّرا، لاسيما وأن قضيته قد تتطوّر إلى الإعدام ما لم يقع طارئ ما.

التنقل بين الزنزانات وإخراج السجناء في فترات الاستراحة ثم جلسات التحقيق والتعذيب والحرب النفسية والتجويع كلها تقدّم لنا عالما آخر مختلفا، فالاحتقان في أقصاه والمحاكمات العسكرية جارية وعمليات الابتزاز والترويع تدفع السجين إلى الجنون، ومع ذلك يدفع محامي الدفاع أمام فرانز ورقة تحمل صك براءته إن هو اعتذر وقبل بقسم الولاء، فسوف ينظر في التماس الإفراج عنه.

هذه الحبكة الثانوية التي تعتصر القلب كانت بحاجة إلى دفعة معنوية من قبل الزوجة لكي تساعد فرانز على الرضا بالأمر الواقع للحفاظ على العائلة من التشتّت والضياع من بعده، وبالتالي الحصول على الإفراج، لكن ما لم يكن في الحسبان هو أن تتبنى الزوجة موقف زوجها مجاهرة بأنها معه في أي قرار يتّخذه.

لننتقل بعد ذلك إلى تنويع مكاني – سردي آخر ممثل في مشاهد استدعاء السجناء الذين صدر في حقهم القرار القطعي وهم ينتظرون مصيرهم ويساقون إلى صالة الإعدام، هنا ثمة عالم آخر يؤكد لفرانز أنه فعل الأمر الصحيح برفضه وعدم تنازله لأنه في كل الأحوال ميت، فليمت حرا كريما.

الذي يبقى هو صوت فرانز المدوي في مواجهة صوت الحرب إلى درجة أن قاضي التحقيق بدأ الشك يساوره، متأملا في رفض فرانز العرض المقدّم له، مجرد ورقة يوقعها ويتم ساعتها العفو عنه. لكنه يعلم أنه سوف يعلن قسم الولاء والطاعة وسوف يتخلى عمّا كان بينه وبين زوجته وبين الطبيعة والمكان والتاريخ، وهو ما لا يريده ولهذا يمضي إلى نهايته الحتمية، الموت حرا.

 

  • كاتب عراقي مقيم في لندن


إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي