اﻷعمال القصصية (1989 - 2005) لـ عبدالناصر مجلي - 1

2020-07-14 | منذ 10 شهر

إلى سنوات الجمر المضنية المسالك التي عبرناها منسيين لا يسأل عنا أحد!!!

 ...................................................................

 

 

السيرة الرملية للفتى البحر.. أو تحت سماءٍ لم تعد غريبة..؟ - شهادة

 

عندما ضاقت أمامي السُبل، حزمت حقيبتي المتخمة بالكتب وبعض الملابس، وقفزت في غيب الغرب الأقصى المجهول، ولم أكن قد أدركت بعد بأنني سأكون شاهداً مغلولاً بمواجعه التي كانت تنتظرني هناك، على مصارع الزهرات المنسية، التي لا يدري عنها أحد في وطني البعيد. تلك الزهرات التي فرَّت باتجاه الحلم الامريكي المروع.
كنا مثل بدوٍ شتتهم آمال قبيلة حجرية المشاعر مشوشة الغايات وتخاطفتهم مجاهل الانكسارات في بلادهم المنسية، فروا الى حيث يمكن العيش بأقل القليل من الكرامة والستر إن جازت التسمية، حتى يظل الوطن هو ذلك الحلم الأسطوري الذي لا يمس أو تخدشه المرارات.
وصلت الى الولايات المتحدة في شتاء 92 القاتل، وحيداً فقيراً لا أدري أي المنايا ستتلقفني، وكنت مثل راعٍ صغير بوادٍ متصلب الأنحاء والمفاوز، لا يمتلك خبرة كافية بوحشية مدن الأسمنت، يقف للمرة الأولى أمام الخرسانات الجبارة التي تطعن السماء بحيادها وجبروتها الأسمنتي المعجون بالحديد، أساءل نفسي عن حقيقة تلك الديناصورات الفولاذية التي لا تقهر ولا تلتفت لقصائد بشرية مرتجفة بمظنات لفظتها رطانات جغرافيات لم تعد مسالمة، ليس معي سوى حلم ضاري وساذج في آن، عن ضرورة تغيير العالم بالقصة القصيرة، التي كنت أظنها بلسماً ناجعاً سيداوي جروح ومواجع المنسيين، ليس لبني جلدتي ولغتي، وبل ولسائر زملاء المعاناة والضياع والنسيان، الذين لفظتهم متخاذلة أوطانهم بدون شفقة.
كنت أطمح الى الالتحاق بجامعة ما لأكتسب منها ما لم أكتسبه في بلادي، يحدوني أمل شاهق لحفظ اللغة التي يتحدث بها سكان هذا الكوكب الامريكي في جميع معاملاتهم بما في ذلك الثقافة والابداع. طمعت في أن أتعلم لغة شكسبير حتى أكتب بها، وأنقل اليها ابداع الجنود المجهولين، من مبدعي أمتي الذين لا يعرفهم أحد في هذه الارض الجديدة لكنني فوجئت بأن العمل يأتي هنا أولاً، وبعد ذلك التعلم، إن أُتيحت الفرصة، تلك الفرصة المستحيلة التي لم تتح حتى الآن إلاّ بشقّ النفس!!

كنت أظن - وما أكثر ما ظننت دون جدوى- بأن المقام لن يطول بي على تلك الأرض، لأن ثمة أناس في بلادي سيطالبون بضرورة عودتي أو على أضعف الإيمان، سيطالبون بمنحي فرصة أو منحة دراسية عُليا، خصوصاً وأنهم ما انفكوا يشيدون بـ«موهبتي» أضف الى أنني شخصياً كنت أرى في نفسي كاتباً قصصياً لا يشق له غبار هذا ما كنت أظنه في تلك الأيام، وكنت أشعر بالخجل أمام نفسي من تلك الأحاسيس والمشاعر في اعتقادي بخطورة ما أقوم به، وتالياً سأكتشف بأن ايماني ذاك هو الذي أنقذني من الضياع، وكثيراً ما كنت ألوم نفسي على شعوري بالخجل من نقدي لنفسي على إفراطي الزائد بالثقة بالنفس والاعتداد بها.
كان شتاء جارحاً ومريراً وكئيباً وموحشاً، خصوصاً وأنني رأيت مرأى العين، بأن كل ما كنت أفكر به كأن أكون ملتحقاً بجامعة ما، ما هو إلاّ محض أوهام، ففي تلك الارض أكتشفت أول قواعد الاغتراب الامريكي، وهي الاعتماد على النفس، وبدون ذلك لن يلتفت اليك مخلوق كائناً ما كان، وعندما رجعت بالذاكرة قليلاً الى الوراء وتحديداً الى ذلك المساء الممطر في صنعاء، بعد أن استلمت مبلغ مائة وخمسين ريالاً لا غير، هي حصيلة كتابات شهر بأكمله علمت علم اليقين بأنني غدوت قاب قوسين أو أدنى من اللاجدوى إلاّ اذا كنت جاداً وصادقاً مع نفسي كما تقتضيه الظروف الجديدة. وهكذا كان فبمجرد ما رأيتني أقف أمام جهاز غسل الصحون والقدور في مطعم «بورت أفينو» الايطالي بمدينة وايندات التي سكنها الهنود قبل بمئات السنين فهمت أنه يجب تحديد خياراتي بسرعة وبدقة، وقد كان خياري هو خيار الكتابة.

كنت شاباً صغيراً لم يتجاوز الواحدة والعشرين من عمره أو أقل ممتلئاً حتى التخمة بجدوى ما أكتبه، في ظروف لا انسانية ولا شفقة فيها على الاطلاق، تلك الظروف التي لشدة قسوتها كنت معها أضطر لبيع القوارير الفارغة في سبيل مبلغ زهيد، يساعدني على تدبر أمور معيشتي الضنكى الشديدة الإمحال والفقر. قال لي واحد من أبناء مدينتي الصغيرة «جُبَنْ» أنت أول مغترب يا ولدي يأتي الى امريكا وشنطته مليئة بالكتب، وهذا أمر جيد لكنني سأنصحك نصيحة لوجه الله، الكتب لا تؤكل عيشاً، ابحث لك عن عمل وكن رجلاً كباقي الرجال الذين يجمعون الدولار فوق الدولار، ويتزوجون ويبنون لهم بيوتاً تأويهم هذه بلاد عمل وليست بلاد كتب ومحازي!!

كان قد تجاوز السبعين، ولم أغضب منه، قضى منها خمسون عاماً مغترباً. كلمات ذلك الرجل كانت بالنسبة لي تحدٍ آخر وطرحت عليَّ اسئلة كبيرة، كان يجب عليَّ وحدي الاجابة عليها، وقد أجبت وكانت اجابات لا اجابة واحدة أجبت سأواصل الكتابة وليقل الناس ما يقولون وسأكون مغايراً ليس في كتابتي فحسب، بل وفي طريقة عيشي كذلك حتى أصبت بالطعنة الأولى!!
كنت على الدوام منغمساً في غسيل الصحون، وعندما تأتيني فكرة ما للكتابة، أترك كل شيء وأجلس على أقرب طاولة لتسطير أفكاري، تلك الافكار التي علمتني أن الكتابة المغايرة لا يجب أن نكتفي بشكلها بل وهذا هو المهم بحيويتها، التي تجعل القارئ لا يكتفي بالقراءة فحسب، بل أن يكون جزءاً من الكتابة ذاتها. كنت أعيد اكتشاف ذاتي مرة ثانية في ظروف مادية قاهرة وغير محايدة على الاطلاق، لذلك كتبت عشرات القصص تحت سماء غريبة، بكل تفاصيلها وأحاسيسها، كان الانسان هو بطلها بكل جدارة، أو بطريقة أدق كانت الأحاسيس الواسعة اللغة والدلالات ميزتها الاساسية، وهذا هو المفروض والضروري، في كتابة القصة، وكنت قد فطنت الى ضرورة الالتفات الى بنية النص وديناميكيته كمعطى ابداعي في المقام الأول، لكنني عندما فوجئت بتلك الطعنة المباغته، انتبهت الى ان القصة قد لا تفي بالغرض، في التقاط الحدث وتأطيره كتابياً، وتسطيعه كفن في الدرجة الاولى وكتاريخ لما أراه تالياً.

كانوا اربعة من عائلة واحدة لم يتعد اكبرهم الثلاثين واصغرهم الثامنة عشرة سنة من العمر، قتلوا في ليلة واحدة داخل دكان كان يمتلكه الأب، وعندما سمعت بالكارثة أصابتني صدمة ما حقة، فهل كتب علينا ان نقتل مجاناً بالرصاص بعد ان قتلنا من قبل بجوازات الهجرة، وفت في كبدي سؤال شديد الإيلام.. كيف يمكن ان أصور أو أكتب ما حدث أو سيحدث في مستقبل الأيام القادمة؟
كانت القصة القصيرة هي معشوقتي الأولى والأثيرة، لكنني أكتشفت بأنها لا تكفي للإلمام بكافة التفاصيل التي كانت تتسع بإطراد فكان الخيار هو الرواية، وهذا ما حدث!!

كان خياري بالهجرة موفقاً على الصعيد الكتابي، فمن الولايات الدولة ومن «ميتشجان» كولاية، ومن مدينة «ديربورن» الصغيرة التي تسكنها غالبية عظمى من العرب، يمنيون، ولبنانيون، وفلسطينيون، وعراقيون، وغيرهم استطعت قراءة المشهد الابداعي او بكلام أدق مراقبته بالقدر الذي أتاحته لي الظروف ليس في وطني اليمني فقط، بل وفي سائر الوطن العربي، من محيطه الى خليجه وهنا أطلعت.. أي في امريكا على كل المطبوعات لكبار الكتاب العرب، تلك المطبوعات والكتب التي كانت ممنوعة من التوزيع في البلدان العربية، وبدأت بمتابعة الصحف والدوريات كقارئ أولاً ثم أقدمت على خطوتي المهمة، وهي في النشر في تلك المطبوعات كصحف أو كدوريات، وهذا ما حدث، وكم كانت سعادتي عظيمة عندما كنت أرى ما أرسله منشوراً، ليس لانه يمثلني ويحمل أسمي فحسب، بل لأن ذلك كان يوحي لي بأن أبناء جيلي في صنعاء أو عدن أو تعز أو الحديدة أو حضرموت أو إب أو حجة، وسائر المدن والمحافظات اليمنية، لا يقلون إبداعاً عن زملائهم في الأقطار العربية، وبقدر ما كان ذلك يعلي من إسمي كمبدع من اليمن، في المحيط العربي الكبير، بقدر ما كان يسلط الضوء بطريقة أو بأخرى، على إبداع أبناء جيلي خصوصاً الذين نسوني رغم حضوري الدائم والمبشر بإبداعهم, ولم أكتفِ بالنشر فحسب، بل عمقت علاقاتي مع كل المسؤولين والقائمين على المنافذ والملاحق والصفحات والدوريات الثقافية وحدثتهم عن حقيقة ما يجري من نهوض ابداعي في أرض سبأ يستحق الثناء والاعجاب، وكانت جملتي الدائمة في أسماعهم «ما أنا إلاّ قطرة في محيط عظيم لا ينبغي إهماله»، وهذه شهادة لابد من قولها وهو تواضع مني لا أراه مبرراً الآن نظراً لأن من بشرت بهم بادلوني عكس ما كنت أتوقع، فاذا كان «نجاحي» عربياً أمدني بقوة معنوية هائلة على الاستمرار، فقد كنت أرد ذلك «النجاح» الى تميز زملائي وزميلاتي في مهد العروبة الأول الذين لا يقلون إبداعاً ومغايرة عن غيرهم، وكان ذلك يفرحني، لكنه لم ينسني أبداً المرارات التي كنت أعيشها، فبعد ست سنوات عجاف من الاشتغال على كتابة رواية «رجال الثلج» وهي وثيقة مهمة تسلط الضوء على واقع الغربة الامريكية، عرفت بكل ما تعنيه الكلمة أي هول وجحيم كنا نعيشه في متاهة المغترب الخانقة التي بدت وكأن لا فكاك منها، وكانت زهرات العمر الجميل لا تزال تواصل تساقطها المرعب الذي يبعث على الجنون!!
هل أخبرتكم عن المرأة التي ودعتني باكية وهي تتمنى الموت
بعد أن وصلت علاقتي مع أهلها الى نقطة الاصطدام التي لا عودة بعدها!
هل ذكرت «هناء» ابنتي التي حرمت منها سنيناً طويلة دون ذنب؟!
ماذا عن الدموع التي سفحتها في ليل الضياع الطويل، ولم يرها إنسان,
ماذا عن القهر ونظرات التشفي وسوء الظنون والأقاويل التي طاردتني في كل مكان؟
ماذا عن الوطن الذي ناديته بكل عمري المثخن بالمواجع والعثرات والهزائم والانكسارات التي لا يتحملها بشر، ولم أسمع منه إجابة واحدة تطفئ نيران الشوق اليه أو لفتة خاطفة تداوي جروحي العميقة العذاب. كيف يمكنني تفسير مشاعري في كل مرة أعود فيها من المقبرة
بعد مواراة صديق فتكت به رصاصات التوحش الحضاري المهلكة؟
ماذا عن السير على أرصفة النسيان وحيداً وملعوناً لا يكفكف دموعي أحد!!
ماذا عن التجاهل والطعنات وتقليب صفحات ما كتبته بدمي كل مساء
متسائلاً كيف يمكنني طباعة هذه العذابات؟!
هل أخبرتكم عن أثاث بيتي الصغير الذي بعته حتى أتمكن من طباعة كتابي الشعري «سيرة القبيلة»؟!
ماذا عن لؤم التقصد في داخل وطني الذي أحبه أكثر من «هناء» ومن نفسي لنسياني، وكأنني ما صرخت بإسم بلادي على الأشهاد حين سقطت أقنعة المقت، وعز النصير والبلاد تؤخذ غدراً الى المذبحة؟
ماذا عن عبدالناصر مجلي الانسان، الذي غامر بنفسه في سبيل اشراقة صبح أرض السعيدة عندما اتبع الشقيق مقاصده الناقصة، وأمام ثلة من البشر كان يظن بأنهم لن ينسوه، فاذا بهم وبعدما
كانوا في آخر الصفوف يصبحون في المقدمة لأسباب لا أحد يدريها؟
وينظرون اليَّ وكأنني ما كنت قبلهم في الصدَّ والرد، وهم يأكلهم الخوف وجبن أعمى لا يليق إلاّ بأمثالهم, فهل حبك يا وطني يستلزم أن يكون عشاقك ومحبوك من المتخاذلين والجبناء.
هل الايمان بك أيها الأعز عليَّ من نفسي يحتم أن أكون منافقاً ومرابياً في أسواق بيع الأوطان؟!
كانت تجربة عاصفة بكل المرارات والخيبات وسابع عشر الأحزان،
لكنني ما انكسرت، أو سمحت للهزيمة ان تحتويني
رغم ضراوة الويل، وتكسر الأحلام،
لكنني ما استسلمت
وما رفعتها عالية راية الموت والخذلان!!


علمتني الارض الامريكية قيمة الوقت، وحينما لم يعد هناك وطن يذكرني، أو امرأة تحتويني بعد مغادرتها لسمائي ذات ليل لم أعد أذكره، كانت الكتابة ملاذي وقلعة الأمان التي ألوذ بها في كل وقت.
وقد أبكتني هذه الكتابة فصولاً طويلة عند كتابتي لرواية «رجال الثلج»، كنت كمن يُعيد صناعة المشهد مرة ثانية، وبعد تنبيه الوقت لي بقيمته وسرعته الخاطفة، هربت الى الشعر لمحاولة قول ما لم أستطع قوله في القصة أو الرواية، وقد كان نعم الصديق، ثم وفي سبيل أن يصل صوت السبئيون الجدد من أبناء جيلي ذهبت الى الكتابة النقدية، وهناك وعند تلك التخوم التي تطرح الاسئلة كحبات المطر، بدأت أتساءل عن ماهية أمتي ومقدراتها وتحدياتها والعقبات التي تحد من انطلاقتها المرجوة.. فعكفت على كتابة نظريتي النقدية «الوحشية المضادة» التي نشرتها في لندن والشارقة وتعز، وكنت كلما سمعت كلمات الإطراء، أقول لنفسي: «ما هذا إلاّ غيض من فيض مما يكتب، في جنوب جزيرة العرب، واذا كنت مكربياً شديد المراس والايمان بذاته، فلست آخر المكاربة»، ومر الوقت، وتنقلت بين الآلام والمواجع والاعمال وصنوف الكتابة، وكلما ازداد صعودي، زاد شعوري بالعزلة والضياع فكل ما أكتبه، وعلى الرغم من نشره في أغلب الصحف والدوريات في وطني وفي العواصم الغربية والعربية من لندن وباريس ومدريد حتى صنعاء وتعز والقاهرة وعمّان وتونس والرياض والدوحة والشارقة ومسقط والدار البيضاء والكويت وبيروت وغيرها، إلاّ أن الحسرة كانت تأكل قلبي، وأنا أشاهد مخطوطاتي الشعرية والقصصية والروائية والنقدية تتراكم أمامي
لا حول لي في نشرها نظراً لضيق ذات اليد، فأتساءل ما جدوى الكتابة ان كانت لا تُقرأ،
وما قيمة العمر الذي يهدر في سبيل كتابات لا استطيع نشرها؟

كنت كل ليلة حينما أعود من عملي مهدوداً ومحزوناً وشديد النسيان أخرج تلك المخطوطات وأبثها مواجيدي وأشجاني، كما لو كانت تسمعني وتحسُ بالنار التي تعصف بي من الداخل وأصرخ بكل صوتي كمجنون بأرض خراب «أمعقول كل هذا يا الله؟» لا وطن ولا أهل
ولا من يذكرني حتى بكلمة غير مقصودة؟!
وبدا أن كل ما حققته من «نجاح» و«شهرة» في الوطن العربي- إن جاز القول- وعلى الرغم من ترجمة بعض كتاباتي الشعرية والقصصية الى الانجليزية والفرنسية والسويدية وأخيراً الاسبانية، كما لو كان لا شيء أو قبض فراغ, حتى سافرت الى قطر وهناك سمعت ورأيت ما جعلني أتماسك قليلاً ولو إلى حين!!

أعتقد بأن الإمام الشافعي كان على حق عندما قال في إحدى قصائده الحكيمة:
«سافر ففي الاسفار خمس فوائد... إلخ».
والآن وبعد خمسة عشر سنة من الجمر تصطلي في كبدي، أدركت مقولة الإمام الشاعر، فلولا السفر والغربة، ما كان قُدر لي أن أكون شاهداً على ما يجري في الداخل الامريكي من هزائم وتمزق آمال واحتراق أرواح وضياع أناس لم يقدروا على الفكاك من ربقة ذلك الفردوس الجهنمي، وأظن لو أنني بقيت في بلادي، ما كنت كتبت كل هذه المخطوطات، وما كنت سعيت جاهداً للمغايرة والاختلاف، مع أن هذه الخصلة أي حب الكتابة غير المقلدة او مسبوقة كما أظن ولتسامحوني على هذه الثقة المفرطة التي كانت تلازمني منذ أن كنت في اليمن، والذي يقرأ مجموعتي القصصية الأولى «ذات مساء ذات راقصة» رغم كثرة الاخفاقات فيها، خصوصاً النحوية منها نظراً لحداثة التجربة آنذاك، سيدرك بأن التغريد خارج السرب هو شعاري، لكن ولابد هنا من الاعتراف بأن المغترب الامريكي كان له فضل لا ينكر فيما وصلت اليه، هذا مع افتراض انني قد وصلت الى شيء، فهذه البلاد - امريكا أقصد - التي تسيطر على العالم وتقوده ليست مجرد سياسة قد تتفق معها أو تختلف، بل وهذا هو الأكيد تعتبر بلاداً منتجة للثقافة من الدرجة الأولى، مع أننا قد نختلف حول مفهوم هذه الثقافة وأصالتها، لكن ما قصدت قوله بالضبط، أنني عشت في بلد لا يهدأ طرفة عين بمعنى انها بلاد تصنع ثقافتها في كل ساعة، وكان عليَّ - قدر الإمكان - أن التفت الى هذا الحراك البنيوي الهائل، وهذا ما فعلته قدر استطاعتي. ولهذا كنت أحاول أن اكون مختلفاً مع نفسي قدر الامكان، حتى أكتب بطريقة مختلفة ومكثفة، لكن دون إغفال لمشاعري الانسانية والثقافية كأديب عربي يعيش في هذه الأميركا الهائلة.

وعندما أدركت بأن السكون علامة الموت، حاولت الخروج او الهروب من دائرة الرعب تلك، فسافرت
الى قطر بحثاً عن عمل، وكنت قد انتهيت لتوي من نشر «الوحشية المضادة» ورواية «رجال الثلج» في الصحف في لندن وتعز والشارقة، وعندما غادرت الى الدوحة كان العالم قد مر بقيامة الحادي عشر
من سبتمبر المهولة 2001م. خرجت من الولايات المتحدة وكل طموحي أن أجد عملاً أقتات منه، وعندما وصلت الى الدوحة صادف وصولي فعالية مهرجان الدوحة الثقافي الاول، ولأنني كنت قد تعرفت على بعض المثقفين والمبدعين القطريين والعرب المقيمين هناك فقد دُعيت كضيف على المهرجان، وهناك اكتشفت بأن احتراقي طيلة عشر سنوات بالكتابة، قد أتى أُكله، فقد كنت معروفاً دون أن أدري من مختلف الذين قابلتهم، وهم مبدعون ونقاد ومفكرون واعلاميون من الطراز الرفيع، لم أقل شيئاً، لكن ذلك منحني بعض العزاء.
أقول بعض العزاء لأن شعوري بأنني منسي في بلادي رغم تواصلي الكتابي معها، ورغم ما كنت أسمعه من بعض الزملاء عندما أتصل بهم بأن الجميع يترقب ما أرسله اليهم بشوق عظيم، لكن التساؤل الملعون ظل يطاردني: ما جدوي كل ذلك وأنا مازلت في ضياعي لا يسأل عني أحد ؟ ما جدوى أن يترقبني الجميع مع كل تقديري لهم، وانا مجرد كاتب وصل الى مرحلة الشعور بما أسميه مرحلة «اللاوطن» فلم أجد اجابة تروي غليلي؟ وعندما عدت مهزوماً الى الولايات المتحدة بعد فشلي في ايجاد فرصة عمل هناك على ضفاف الخليج، كان اليأس قد بلغ بي مبلغاً جهنمياً لا يطاق، وعدت لمساءلة نفسي: ماذا بعد كل هذا الجهد والعذاب؟
السلام عليَّ في أحزاني وهنيئاً لكل من تمنى أن أصل الى ما وصلت اليه من يأس وضياع.
ولأني كنت على الدوام أتابع عبر الانترنت الصيرورة الثقافية والابداعية في الوطن، فقد لفت نظري بأن اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين الذي أنا عضو فيه، يقوم بطبع أعمال أعضائه.. فقد قمت بعد تردد طويل بالاتصال بالاستاذ محمد حسين هيثم رحمه الله، الامين العام للاتحاد آنذاك، اتصلت به وأنا متخوف من الصد، على الرغم من معرفتي المسبقة بشخصية الاستاذ هيثم الودودة والخلوقة والمنصفة، وعندما سمعت ترحيبه بي بمجرد ان سمع اسمي، ادركت بأن الوقت قد آن ليقرأ القارئ - لم تتم طباعة هذه الأعمال على نفقة الاتحاد لأسباب لا أدريها - أين ما كان نتاج عشر سنوات من المشاعر التي لا أستطيع القول إلاّ انها كُتبت بكل قطرة دم نزفها شهيد منسي قُتل ظلماً وعدواناً في محطة للبنزين ذات ليل معادٍ وانها سُطرت بكل دموع وآهات قلوب وأرواح أناس ضحوا بأعمارهم وشبابهم، حتى يستطيعوا توفير لقمة العيش الكريمة لأهاليهم في مجاهيل وقفار وطنهم البعيد.وأنها أيضاً كتبت بكل التحدي الذي كان يعصف بي
وبكل المواجع والنزوات والصرخات الملهوفة التي لم تجد من يستمع اليها.
إذاً فهذه صورة مجتزأة من مشهد عريض
لا يمكن وصفه أو التدليل عليه إلاّ بالقول
بانها نُقِشَت بألوان ملتهبة
خُلطت بالدم والدمع والحنين!!

 


عبدالناصر مجلي
ديربورن2005

.........................

 

لتصفح المجموعة القصصية الكاملة اضغط على هذا الرابط :

https://thenationpress.net/pdf-5.pdf

 



إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي