رواية : (جغرافية الماء ) كاملة للروائي اليمني الأمريكي عبدالناصر مجلي

2020-07-07 | منذ 4 أسبوع

عبدالناصر مجلي في "جغرافية الماء"..
المبدع المتنوع الذي يسجل حضوره الروائي عن جدارة!!

 

د. عبدالعزيز المقالح
كان الكاتب الأرجنتيني العظيم " خورخي بورخيس " كلما سئل لماذا لم تحاول كتابة الرواية يجيب : الكسل بالطبع . ولعل هذا هو السبب الذي حال ويحول بين كثير من مبدعينا وكتابة الرواية ، هذا الجنس الأدبي الذي فرض وجوده في العقود الأخيرة ، وصار عند البعض أدب العصر أو بتعبير آخر الفن الأدبي للحظة الراهنة بامتياز.
ويبدو أن الشاعر والقاص المبدع عبدالناصر مجلي أدرك أهمية الرواية وما يحف بها من اهتمام الحاضر وينتظرها من حفاوة المستقبل فأقبل على كتابتها لا على سبيل الهواية والتنويع في إبداعاته المتعددة وإنما لأنه وجد فيها نفسه ، ربما كما لم يجدها في القصة القصيرة وفي الشعر أيضاً . وفي هذه الرواية ، كما في سابقتها ( رجال الثلج ) يسجل عبدالناصر حضوره الحقيقي في الفن بجدارة . وإذا كانت مجموعته القصصية الأولى " ذات مساء " قد وضعته في طليعة القائمة التي تضم مبدعي هذا الفن السردي ، فإن هذين العملين الروائيين يؤكدان هذه المكانة ويرسمان فضاءً آخر من فضاءات نجاح هذا الكاتب الشاب وإصراره الدائب على ارتياد عوالم جديدة بمغامرة محسوبة وللقبض على مكامن الإدهاش .
وأعترف أنني لا أكف عن متابعته بشغف ، اقرأه شاعراً وقاصاً وروائياً ومحاوراً وكاتباً للمقال السياسي والاجتماعي . ولا أقولها مجاملاً لعبدالناصر هذا الفتى الموهوب حتى العظم أنه لم يخيب ظني في كل ما يكتبه ويبدعه ، في حين خاب ظني مع كثير ممن تحمست لبداياتهم الأولى وظننت أنهم سيواصلون العد التصاعدي في الإبداع من الرقم واحد إلى ما لانهاية ، لكنهم – أو أغلبهم – لم يواصلوا المغامرة ووقفوا عند بداية الأرقام مفضلين الإخلاد إلى الراحة والسكون والاكتفاء بالقليل الذي أنجزوه ، بينما واصل عبدالناصر رحلته الصاعدة . وحين كان لا يجد فضاء القصة القصيرة مفتوحاً يذهب إلى الشعر ، ومن الشعر إلى الرواية ، وهكذا حتى اقترب في سنوات قليلة من حيث يريد ونريد .
لن اتحدث في هذا التقديم عن الرواية التي أضع هذه الكلمات بين يديها . وذلك لأنني أريد للقارئ أن يدخل إليها من دون دليل ، وأن يكتشف بهاءها وخيالها العلمي الشعري بنفسه وأن يشعر بقدرة الروائي على أن يحمله بين السطور وعبر الكلمات في " جغرافية الماء " ، وما يتخلل أبعادها الخيالية من أحداث ومفارقات ، من وقائع تساعد اللغة الشعرية على اجتراحها والانتقال بها من عالمنا الأرضي المليء بالمكائد والحروب والجفاف إلى كوكب مائي عجيب غريب برجاله ونسائه ومقومات حياته وما تحقق لساكني ذلك الكوكب في مجال المعرفة من علوم يتضاءل أمامها كل ما عرفه الإنسان حتى الآن .
لقد قرأت عدداً من الروايات العلمية فأصابني بعضها بالملل لكنني تمنيت عند قراءة هذا العمل الروائي لو يطول ليزيد استمتاعي به أكثر فنحن معه في حكاية علمية أغرب من كل خيال وفيها قصة حب من نوع خاص ، حب مستحيل ، حب أبعد من الخيال وهو حب لا يتم على الأرض بل في ذلك الكوكب الغريب الذي سبقت الإشارة إليه ، حب إنسان من لحم ودم لامرأة من ماء أو هكذا تخيلتها .. في الرواية بعدٌ أو بالأحرى أبعاد رمزية لا يكتنفها الغموض ، وتمحورها حول الماء يذكرنا بهذا الإهدار الذي يتم بجنون مع هذا المكون العظيم للحياة الذي يصبح معه سؤال الروائي " أي عالم تساوي فيه قطرة ماء كل أموال الدنيا " صرخة جديرة بالاستيعاب والتأمل . وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن ننسى التشابه التام بين لصوص الماء الذين جاؤا إلى الأرض من عالم مجهول ليمتصوا كل ما على الأرض من ماء ليحتكروه لشعبهم ، مع لصوص الثروات والإمكانات التي تزخر بها شعوب العالم الثالث هؤلاء الذين أفسدوا " البحار والأنهار واحرقوا الغابات والسهول والأودية والحدائق وحيثما وجدت أشجار أو حشائش " وهم متقدمون لا جدال في ذلك ولكنهم أنانيون جشعون يريدون كل شيء لهم وحدهم دون سائر البشر .
إنني أدعو ، وبإلحاح ، إلى ترجمة هذه الرواية إلى مجموعة من اللغات بوصفها صرخة إنسانية ينبغي على البشر أن يتوقفوا عندها طويلاً وقبل فوات الأوان ، فهي كعمل روائي متقن الأداء بديع اللغة يحمل رسالة غير مباشرة إلى جميع البشر الذين يعبثون بالبيئة الخارجية للأرض ويتسابقون في جني الأرباح الخيالية من وراء هدم المكونات الأساسية للبيئة التي يعيش عليها الإنسان فضلاً عن كون الرواية حواراً غير مباشر أيضاً مع الواقع بكل ملابساته المؤلمة من طغيان القوي على الضعيف واستغلال الأول للثاني نظراً لقصور في حالته المادية والمعنوية .

 .....................................................................................

 

 

 

 

إلى أمنا الأرض ..
بيتنا الكوني الكبير الذي يجب أن نحافظ عليه وندافع عنه ونتحد من أجله!!

 

 

***

 

الفصل الأول

 

شهادة عالم أحياء

 


عليَّ أن أقول وأشهد بما رأيت وسمعت، وكان ذلك في بداية، أو لنقل تحديداً في الخمسة والتسعين أي قبل خمس سنوات من دخولنا الألفية الثالثة، كنت أحد طلاب جامعة ميتشجان قسم الأحياء المائية. أكاد لا أصدق وأنا أكتب هذه السطور، التي حينما تتاح الفرصة لقارئ أو باحث مهتم، قد لا يصدق ما يقرؤه، لكن الأمانة العلمية تحتم عليَّ أن أقول شهادتي للتاريخ، لأنني بعد تسطيري لهذه الكلمات سأكون في كوكب آخر، لا أدري موقعه في الكون، كوكب بلغ العلم بسكانه مبلغاً عظيماً لا نستطيع تخيله!
قلت في بداية هذه الرسالة إنني كنت أحد طلاب الدراسات العليّا في جامعة "يو. إف. إم"، وكانت أطروحتي للدكتوراه عن وجود كائنات نهرية موجودة في إحدى بحيرات ميتشجان العملاقة، في حين لا تعتبر هذه البحيرة موطنها الأصلي!!
وما أثار فزعي هو أن هذه العضويات الدقيقة جداً، والتي لا ترى إلا بواسطة المجهر الإلكتروني، لا تستطيع في درجة حرارة كتلك أن تعيش مثل باقي الكائنات، التي تعتبر مثل هذه البيئة بيئتها الأصلية، بل إن تخيل ذلك أو المجاهرة به أمام أساتذتي قد يدفع بهم إلى الاستهزاء بي، كما حدث فعلاً؛ فالعضويات المجهرية مخلوقات استوائية في الأصل، لا تستطيع العيش إلا في الأنهار والبحيرات ذات الرطوبة العالية، ودرجة الحرارة التي تقارب الخمسين، للضغط الجوي ككل، وأيضاً في مياه شديدة الكثافة، والتشبع بالطمي وبكائنات أخرى كثيرة التوالد والتلاقح، كذلك حركة الماء المستمرة المشبّعة بالأوكسجين واليود، كما في مياه نهر الأمازون.
كان اكتشافي هذا في بداية الأمر مثل مزاح سخيف، لكنني عندما راجعت سجلاتي، وكذلك الذواكر الإلكترونية، أكدت لي جميعاً صحة مقولتي، في العضويات إياها وهي من فصيلة الطحلب المائي الأحادي الخلية، شديدة الشفافية واللزوجة، لا تُرى بالعين المجردة ولا بالمجهر العادي، رغم قدرتها الامتصاصية الهائلة للسوائل، تعيش فعلاً في نهر الأمازون، وأول من اكتشفها وراقب دورة حياتها عالم سويدي اسمه "مارك روبيرو" عام ألف وتسعمائة، ومن المستحيل علمياً أن تبقى على قيد الحياة في مياه تصل درجة حرارتها في الشتاء إلى عشرين درجة تحت الصفر المئوي. وإذاً، كان سؤالي الكبير، كيف أتت هذه الكائنات المتنامية في الصغر إلى تلك البحيرة البعيدة؟! ولماذا تلك العضويات وليس غيرها؟!!
واصلت متابعتي وأبحاثي حتى انتهيت من حصولي على الدكتوراه عن اكتشافي لعضويات طحلبية في غير موقعها الأصلي، وغدوت مدرساً في الجامعة نفسها في نفس القسم الذي تخرجت فيه، وحاولت نسيان، مخلوقاتي الغريبة، بعد أن أفتى علماء الجامعة باستحالة قصدية نقل تلك المخلوقات، وأن مثل تلك التنقلات وتغيير المواطن بين الكائنات المائية ليس غريباً. وهنا كان عصب سؤالي: كيف تم النقل؟! ولماذا الهجرة إلى بحيرة في ميتشجان وليس إلى غيرها؟!
لم يقنعوني بإجابة شافية، وأُغلق باب المناقشة نهائياً، حتى أوشكت على نسيانه، والاكتفاء من قبل مجلس الجامعة بمنحي الدكتوراه ودرجة الأستاذية مرة واحدة مع مرتبة الشرف، لجدية الأطروحة ومحاولتها الناجحة في طرح أسئلة عميقة ومثيرة للدهشة!!
مرت بضع سنين، لم يحدث فيها أي جديد على مستوى حياتي العلمية، حتى أتى ذلك اليوم الذي كلفت فيه أحد طلابي بعمل بحث تخرجه عن تلك الكائنات المائية التي تعيش في بحيرات ميتشجان. لم أحدد له بحيرة بعينها، بل تركت له الخيار في تحديد ما يراه مناسباً. كنت قد قصدت ذلك قصداً! وعندما قدم ذلك الطالب نتائج بحثه إليَّ، كانت المفاجأة التي جعلتني أصمم هذه المرة على كشف اللغز! كانت نتيجة بحث تلميذي مقاربة لنتيجة بحثي الذي قدمته عندما كنت طالباً مثله، والتي تؤكد وجود كائنات غير أصلية ذات تكاثر مذهل؛ والغريب في الأمر أنها في بحيرة أخرى، وليست في تلك التي قمت بدراستها، وعندما رأيتها تحت العدسة الإلكترونية، كانت كتلك التي شاهدتها من قبل ودوَّنت ملاحظاتي عنها. الجديد في الأمر هذه المرة أنها مزودة بشعيرات متناهية الصغر، دائمة الانتصاب، تغطي سائر أنحاء أجسادها الهلامية.
كان أمامي طريقتان، إما الاقتناع سلبياً بنتيجة تلميذي، كما حدث معي قبل سنوات، وإرجاع ذلك إلى الصدفة وغرائب الطبيعة التي لا حل لكثير من ألغازها، وإغلاق الملف هذه المرة نهائياً وإلى الأبد، وإما المضي قدماً، ومعاودة طرح الأسئلة، ليس ذلك وحسب، بل والسعي الجاد لإيجاد أجوبة مهما كلف الأمر من جهد ومشقة ووقت. وقد اخترت الاتجاه الأخير.
قمت باستشارة زوجتي، التي هوّنت من الأمر، ورأت فيه مجرد صدفة علمية ليس لها عمق استكشافي، ولا مدلول محدد الهوية أو النتائج، وبالتالي لا ترى جدوى من ذلك!!
لم أيأس منها، وصدعت أمامها بالحقيقة كاملة، كما أراها في مخيلتي، رغم غرابتها "المسألة أكبر مما تتصورين يا عزيزتي! إننا نتعرض لعملية نهب كونية تطال مستقبل الجنس البشري برمته!".
هكذا فجرت جملتي تلك في وجهها وأنا لا أدري بالضبط بماذا أهذي، كنت كمن يتغمغم في نومه.
علت الدهشة وجهها. لم يكن أمامي بمصارحتها من خيار، بما ينتابني من قلق وهواجس، " لذلك سأقدم استقالتي من الجامعة مؤقتاً حتى أتفرغ كلياً لهذا الموضوع".
احتويت وجهها بين كفيَّ، وحدقت عميقاً في عينيها. "أي موضوع وأي نهب كوني تعني؟!"، سألتني مشفقة، خشية على قدراتي العقلية. تركتُ وجهها وبدأتُ كما لو كنتُ أكلم نفسي. "لستُ متأكداً بعد، لكنني عندما أتأكد فسأخبرك بكل النتائج، وعلى كل حال ستكونين معي".
وهذا ما حدث بالضبط؛ قدمت استقالتي من الجامعة، بعذر التفرغ لبحث علمي. وقد كان رئيس الجامعة كريماً معي عندما أبدى استعداده لتحمل الجامعة كافة نفقات البحث. وبدأت رحلة محاولة الإجابة على سؤال يهم البشرية قاطبة: من هو هذا الذي يريد أن يسرق ماءنا؟! ومن أي مجرة مجهولة أتى؟!!
حتى تلك اللحظة لم أكن متأكدا مما أتفوه به ، لكنها طبيعتي أو غريزتي على كل حال في إستشعار الخطر وتضخيمه ربما الى أقصى درجة ممكنة.
استأجرت بيتاً صغيراً يقع على ضفاف البحيرة الفضية، وهي غير تلك البحيرتين التي حاولت أنا وتلميذي فيهما محاولاتنا الاستكشافية الأولى. وطبعاً كانت نتيجة الاستكشاف الأولى إيجابية، وجود تلك الكائنات فيها، بل لقد ضمنت وجودها في كل البحيرات السبع العملاقة التي تمثل مجتمعة أكبر بحيرات عذبة في العالم.
نقلت الأدوات التي سأستخدمها في دراستي، وبدأت في ترتيب أسئلتي الكثيرة، تارة وأنا أخوض في عمق البحيرة، مستخرجاً طحالب وأشياء مائية أخرى، وأحياناً في تجوالي حول "بحيرتي"، كما أسميتها، ساعدني على ذلك صحو الصيف ودفء المياه، أسأل نفسي: ما هي الفائدة أو الحكمة من وجود كائنات عضوية تمتلك مقدرة هائلة على الامتصاص في مياه باردة أغلب فصول السنة؟! كيف وصلت هذه الكائنات إلى مياه البحيرات العظمى، مع أنه لا يوجد التقاء فعليّ أو جغرافي بين مياه البحيرات المغلقة على نفسها وبين مياه الأمازون الذي يشق جسد أمريكا اللاتينية إلى شقين، ويقذف بنفسه منتحراً في المحيط؟! أسئلة تتوالد من أخرى، ثم كيف استطاعت هذه المخلوقات الضعيفة الارتقاء في سلم تطورها الحياتي في بضع سنين، ونحن نعلم أن الارتقاء في سلم التطور عند الكائنات الحية يأخذ آلاف بل وفي أغلب الأحايين ملايين السنين!!، أيضاً وألف أيضاً ما السر في تطورها السريع هذا ؟!!
كانت أسئلة تدفعني إلى الجنون، فكل المراجع التي رجعت إليها لم تساعدني في شيء، وكل العلماء الذين استشرتهم لم يفيدوني بمعلومة جديدة، لذلك كان عليّ أن أبدأ من الصفر، وأناقش الموضوع نقطة نقطة، وخطوة خطوة.
كان السؤال الأهم عندي، هل هناك أيدٍ خفية نقلت هذه الكائنات إلى بحيرتي؟
شهور طويلة قضيتها في محاولة هتك السر الكبير، ولم أفلح في الوصول إلى شيء، رغم مراقبتي المستمرة لها (الكائنات) على مدار الساعة، حتى بدأ اليأس يدب في نفسي، فلم أصل إلى نتيجة معقولة، رغم افتراضاتي الكثيرة، وشكي القاطع في أننا نتعرض لمحاولة سرقة مائية هي الأكبر من نوعها منذ أن خلق الله الكون قبل ستة مليارات سنة تقل أو تكثر، لكنني لم أصل بعد إلى كيفية السرقة، وكيف ستتم، وإن تمت، ما هو مصير البشرية بدون ماء؟!!
ذات ليلة وأنا أتناول العشاء مع زوجتي وبعض الأصدقاء، انهالت عليّ الأسئلة والاستفسارات عن النتائج التي حققتها في بحثي الخيالي. كانوا يمازحونني، لكنني تناولت الموضوع بجدية وأخذت أشرح لهم القصة كاملة، وعن استحالة الالتقاء فعلاً بين البحيرات والأقصى الأمازوني العملاق، تاريخياً من حيث أن النهر كان موجودا قبل نشوء البحيرات ببضع آلاف من السنين، وأيضاً مكانياً لانعزال البحيرات على نفسها. بدا وكأني أقوم بشرح لغز صعب الحل، حتى أتاني الجواب على شكل سخرية "لعل هناك من نقلها إلى مياه البحيرة؟!"، شخص ما ؟!
- لا أعتقد ذلك، لأن العضويات تعيش في أعماق مظلمة لا يصلها الإنسان العادي مطلقاً، ولا يعرفها غير المتخصصين. ثانياً لو فرضنا هذا، فكيف أمكنها العيش في بيئة غير بيئتها، بيئة قاتلة لا ترحم، ثم هذا التطور المذهل في أصلها؟!
- إذاً، لعلها سُربت عبر الريح إلى بحيرتك أيها البروفيسور!
كانت الجملة التي هتكت الغموض الخانق المحيط بي منذ سنين طوال.
- ربما! لكن لا أظن عبر الريح، على الأقل مجردة دون واق، لأنها ستموت بمجرد تعرضها لأدنى درجة من درجات البرودة التي لم تعتادها. لقد نقلت فعلاً، لكن بطريقة غير معروفة. كنت متأكداً من ذلك، لكن أين الدليل؟!!
تلك الليلة لم أنم، وأمضيت الليل بطوله في مختبري، أراقب كائنات الغموض والأسئلة تمزقني، كيف وصلت؟ ما السر في وصولها؟ ولو افترضت أن ثمة يداً فعلت ذلك، فمعنى هذا أن تلك اليد لم تكتفِ بزرعها في عمق البحيرات السبع، ولكن قد تكون زرعتها في أماكن أخرى من أنهار وبحيرات ومحيطات العالم، فمن هو صاحب هذه اليد؟! هل يشبه الإنسان، أم لا يشبهه؟ ثم ماذا يقصد بصنيعه الجهنمي، الذي قد يقتل مليارات البشر؟! وإذا كان هذا هو تفكيره، فلا بد من مواجهته ومقاومته؛ فالأمر لا يعني سوى محاولة للقضاء على الجنس البشري برمته!
لقد بدت لي مشروع سرقة خيالية لم تحدث من قبل لإستحالتها، لسبب بسيط وهو ان تلك الكائنات رغم لامرأيتها وضعفها النظري ، تمتاز بقدرة جبارة على إمتصاص الماء بدون توقف الى حدود المستحيل نفسه، وبالتالي فالذي أوصلها الى البحيرات كان يعرف قدرة هذه المخلوقات اللامحدودة او المتخيلة، نظرا كما علمت لاحقا أنها ليست أرضية في الأساس بل تم إستقدامها لتنفيذ مهمة محددة ومعلومة سلفا.
يعني هناك مليار شك يدفعني للقول" ماذا لوعادت هذه العضويات الى موطنها الأصلي الذي لا أدري أين موقعه متشبعة بالماء ؟!" ، بكل بساطة ستكون الإجابة : اخذ الماء معها!!
إذن فلا صدفة مطلقا في وجودها بموطن ليس موطنها، و عليَّ التصديق بأن ثمة عقلية فائقة الذكاء والإمكانيات تقف وراء المسألة برمتها من ألفها الى يائها، فقد كان المقصود من زرع ذلك البريد المائي في البحيرات العملاقة، ليس للتنزه ولكن من أجل تنفيذ مهمة أعد لها منذ فترة طويلة وبصبر وحذق مقدرة على التنفيذ الذي لم يخطر على قلب بشر منذ أول الخليقة وحتى يومي هذا.
بعد جملة الإحتمالات هذه وصلت الى قلب الموضوع نفسه، والذي حاولت إستبعاده من رأسي لعدم وهنا المفارقة المضحكة والمبكية في آن واحد ، أخذه على محمل الجد مع أنني أشتغل على الموضوع بنفسي ومرد ذلك ربما عائد الى عدم تصديق السيناريو الكارثي الذي كان يدوي في ذهني.
لقد وصلت فعلا الى السؤال الحتمي الذي يفرض نفسه بقوة: متى سيبدأ تنفيذ هذه المهمة الخرافية، ولصالح من ؟!!
كنت أتقدم في حل اللغز الجهنمي قليلاً قليلاً، دون إدراك ذلك، على الأقل في المراحل الأولى. لماذا الماء وليس شيئاً آخر؛ الأشجار، الطيور الغابات مثلاً!؟
كنت قد صدقت أن ثمة يداً وراء هذه الهجرة المكثفة للعضويات، يداً واعية تدري ما تفعل بالضبط، والأكثر من ذلك تتقدم إلى نهاية ما تريد دون توقف!!
في إحدى الصباحيات كنت في المختبر أراقب ما هي الخطوة التالية للعضويات الغريبة، فجأة شعرت كما لو أن شيئا ما انهار على رأسي، شيئا ثقيلا غيّبني عن الوعي حتى ما بعد الخامسة عصراً. وعندما أفقت من غيبوبتي مذهولاً مرعوباً، كانت الضربة من القوة كما لو أنها ستهرسني في مكاني. لم يكن ثمة دم، أو كدمات. كانت ضربة أو صعقة فورية رجتني من الداخل. "العضويات!!"، صرخت عندما تذكرت مخلوقاتي المائية، نظرت في المجهر فلم أجدها، حاولت عدة مرات، غيّرتُ العدسات الإلكترونية، وليس لها من أثر. لأول مرة في حياتي أشعر بالخوف بتلك الطريقة؛ العضويات أخذت من المخصبات المعدنية، دون ترك أي أثر. ليس هذا وحسب، بل لقد أُخذت مع السائل الذي كانت تعيش فيه؛ لكن الأنبوب كان شديد الإغلاق، ولا يفتح إلا برقم سري لا يعرفه سواي؛ رقم عدد المخلوقات نفسها التي تعيش في السائل المخصب! دهمني العرق؛ هل هناك من كان يراقبني؟! أظن أن نعم. أذكر أنني زودت الأنبوب مرات عديدة، الذي سرعان ما كان يختفي. ومع أنني قمت بوزن العضويات بالميزان الذري نسبياً، لأعرف مصير السوائل، إلا أنني لم أرَ فرقاً بين أوزانها، فلم أعر ذلك أدنى اهتمام، لكن الوضع تغيَّر الآن، فقد اختفت العضويات بسائلها المخصب الذي تعيش فيه.
هل بدل أحدهم الأنبوب؟! ذلك غير ممكن، لأن هذا الأنبوب مثبت إلى منظومة شديدة التعقيد والحساسية، وأيضاً ثقله الهائل، وأي محاولة للعبث به ستؤدي إلى تحطم نوافذه الزجاجية.
إضافة إلى أن الأنبوب نفسه لا يزال مكانه، بنفس الرقم. "يا إلهي!". لطمت جبهتي عندما عرفت السّر؛ لقد انتقلت المخلوقات عبر الفراغ، بين ذرات الهواء أو الضوء، وليس بين ذرات المادة المحيطة بها، وهذا يعني أن ثمة كائنات تعيش مع العضويات، وأن العضويات ذاتها زُوّدت بشيء لا أدريه، يتيح لها الانتقال عبر ذبذبات ما فوق الضوء، بحيث يجعلها تنتقل إلى أبعد مكان في الكون في ثوان قليلة!!
كان عقلي يشتغل بسرعة مذهلة. وكانت التخمينات تتخذ صفة الحقائق المروعة، فما كنت أستنتجه لا يصدق! إذاً، فقد جُلبت تلك المخلوقات المجهرية من موطنها الأصلي عبر اختراقها للحاجز الزمني نفسه، عبر أصغر جزء من واحد من مائة ألف بليون من الثانية، ولذلك لم تمُت، لأنها قد غُذيت بما يجعلها تقاوم الفناء. الغريب أن تلك المقاومة كانت عبر شفطها للسوائل بقدرة أكبر من قدرتها الطبيعية بآلاف وملايين المرات، وبالتالي التحامها بجزيء الأوكسجين على حدة، وجزيء الهيدروجين على حدة أخرى، وصولاً إلى خلق كتلة مائية واحدة لا تتفرق أبداً. تذكرت شعيراتها الكثيفة التي غطت أجسادها الشفافة، وكيف كانت منتصبة، وملتصقة بعضها ببعض في اتجاه واحد، إلى الأعلى. إذا حدث ذلك، فمعنى هذا أن تلك المخلوقات أُتي بها لامتصاص الماء ومن ثم الانتقال به إلى مكان آخر، بنفس الطريقة التي انتقلت بها من أنبوب المختبر، ومعنى ذلك...؟! يا رب السماوات! لقد سُرقنا فعلاً، ولم يعد الأمر مجرد تخمين! قذفت كل شيء من يدي وانطلقت خارجاً باتجاه البحيرة، وقلبي يكاد ينفجر بين أضلعي. وعندما وصلت إلى هناك ركضاً لم أجد البحيرة، لم أرَ ماءها؛ مجرد حفرة عميقة جافة ليس فيها قطرة ماء واحدة.

 

***



الفصــــــــل الثاني

 

 

 

من يوميات زوجة عالم شهير

 


كنت أعمل في مكتبة الجامعة، فتاة أمريكية عادية، مقبولة المظهر، أقضي يومي كله في خدمة الطلاب؛ هذا أدله على كتاب، وذاك أبحث له عن "ديسك" فيه أصوات موسيقية قديمة جداً لا أدري كيف سجلت، موسيقى جُمعت من مجاهل بعيدة في العالم ذات يوم منسي، وآخر أسمح له باستعارة شريط فيديو ليشاهد فيه محاضرات لعلماء مر دهر طويل على موتهم.
أيام وأسابيع وشهور من الثامنة صباحاً وحتى الخامسة بعد العصر، أقضي ساعاتها في عمل لا يتوقف، أعود بعدها إلى شقتي القريبة من الجامعة، شديدة الإرهاق، آخذ حماماً "ملكياً"، كما أسميه، ليعيد لي نشاطي، ثم أقوم بطبخ طعام اليوم التالي. وعندما أنتهي من كل ذلك استلقي على أريكتي، وأستمع إلى بعض الموسيقى، أو أشاهد أحد البرامج التلفزيونية الهزلية بحثاً عن ضحك شبه معدوم يشرق من بين ضباب حياتي المرهقة. لم يكن في حياتي رجل واحد؛ لم أكن فتاة سهلة في هذا الأمر، كنت متجهمة أغلب الوقت، مجرد امرأة عادية الملامح، متوسطة القامة، كثيرة الصمت، تحيط بي وحشة لا تطاق. كان اسمي "أنجل".
بالطبع ما زلت أحمل هذا الاسم. قدمت من ولاية أنديانا، المجاورة، للتحصيل الجامعي. وعندما انتهيت من دراستي، فضلت الاستقرار في مدينة "آن آربر"، حيث تقع جامعة "يو. إف. إم" التي تخرجت فيها.
لم يكن معي ما أخسره. والدتي توفيت منذ زمن طويل. ولي أخ معاق يعيش في أحد المصحات. أما والدي فقد ذهب بعيداً إلى "سياتل" واشنطن، حيث استقر هناك. كان هذا في بداية سنتي الجامعية، وكان من المفروض أن أذهب للعيش معه، حتى أدبر أموري. كان أبي رجلاً ملولاً بطبعه من كل شيء؛ ربما يعود هذا إلى كونه من أبناء برج الميزان ذوي المزاج الهوائي المتقلب؛ خصوصاً بعد وفاة والدتي التي كان يحبها كثيراً. كنت أراه في الأعياد. أما أنا فقد أعجبتني "أن أربر"، فقررت البقاء فيها. كانت أيامي شديدة الرتابة، لا جديد فيها. وأحياناً ما كان أحد الطلاب يتجرأ ويدعوني إلى عشاء، أو إلى سهرة في نادٍ ليلي. لا أنكر أنني عشت حياتي كأي فتاة أمريكية. لكن في حدود متشددة ومحسوبة بدقة وحذر. كنت شديدة الريبة من الرجال. لم أكن أثق فيهم؛ كانوا مجرد صيادين قساة يلهون بضحاياهم من الفتيات، يأخذون ما يريدون منهن، ثم يتركوهن بعد ذلك كسقط المتاع. لم أرضَ لنفسي هذا؛ ولذلك لم يكن من المستغرب أن تنتهي علاقتي مع أي شاب بمجرد أن يعبث معي. أعترف أنني معقدة بعض الشيء في هذا المجال، خصوصاً وأنني تعرضت لعملية اغتصاب عندما كنت في المدرسة المتوسطة، من أحد جيراننا، الذي كان والد إحدى زميلاتي. ذلك اللعين المتوحش لم يرحم طفولتي، فعصف بي دون شفقة، فحملت جراحي خائفة ولم أخبر أحداً بما فعله بي الحيوان القذر، ولا تزال آثاره مغروسة في قلبي.
كنت أسأل نفسي وهو يغتصبني: لماذا يفعل ذلك وأنا التي كنت أظنه مثل أبي، على الأقل من ناحية العمر!!؟ كان عليّ أن أنتظر سنين طويلة حتى أستطيع التأقلم مع جسدي المنهوب الذي كنت أتقزز منه، ومن عمل الذكور. لم أكن أخاف الرجال، فقط كنت أحذرهم. حتى الذين تعرفت عليهم، وهم اثنان، على الرغم من أنهما استطاعا أن يجبراني على احترامهما، ومع ذلك فقد كان الأمر فوق قدرتي وطاقتي على التحمل. وهكذا مرت بي الحياة. لم أكن أدخن أو أتناول الكحول كبقية زميلاتي اللواتي كنَّ ينعتنني بـ"المعقدة" أو بـ"الملاك الجبان". فعلاً لقد كنت جادة بشكل لا يطاق، وهذا ما حماني من الانهيار والتهتك. في تلك السنة، كان عامي الثالث في الجامعة، أعني في المكتبة كمسؤولة عن قسم الإعارة، كنت أشاهد طلاباً من مختلف الأجناس، تبدو على ملامح بعضهم أمارات الثراء، خصوصاً العرب منهم، أو القادمين من جنوب شرق آسيا، ومن مناطق أخرى من العالم. كان بعضهم شديد الوسامة، وعلامات الفتوة بادية عليهم. وكثيراً ما تقبلت كلمات الغزل، لكنني كنت متمسكة بطريقتي في العيش. لن أحاول الكذب، لو قلت إنني لم أكن أنتظر فارس أحلامي، أو أنني لم تراودني الأحلام، مثل أن أرى نفسي مع أحدهم في الفراش، لكني عندما أستيقظ من النوم أحاول أن أجعل ذلك الحلم حقيقة، بمعنى أنني أحاول فعلاً التقرب من ذلك الذي أتاني في منامي، لكنني وبمجرد أن أبدأ في المحاولة، كأن أبتسم في وجه ذياك من رأيته في سباتي، تخونني أعصابي فأظل جامدة، لا أقدم على شيء، جامدة التقاسيم، متشبثة بعقصة شعري الرزينة جداً والتي تظهرني أكبر من عمري، أضف إليه تلك النظارة التي كانت تأخذ نصف وجهي المنمش. حتى أتى من انتظرته.
شاب أجعد الشعر، متوسط القامة، يطولني ببضعة سنتيمترات، له سمرة خفيفة تعلن عن عربية واضحة. في عينيه اليقظتين حنان لا تخفيهما نظراته الصارمة، على الأقل هذا ما شعرت به آنذاك، رأيت فيهما أماناً انتظرته سنين طويلة، أماناً له لون اللوز الذي يشبه عينيه. أذكر أنه سألني عن مرجع في علم الحشرات، بلغة إنجليزية تطغي عليها رنة عربية، أو لكنة لا تخطئها الأذن.
سألني بأدب جم وأثار ارتباك بادية على وجهه الذي أحببته طوال عمري. لم أنطق، بل حدقت فيه كالبلهاء. "إنه هو!". كنت أحدث نفسي، وثمة رعشة تستيقظ في أعصابي الخامدة منذ دهر طويل. تحديقي فيه زاد من ارتباكه، لكنه عاود سؤاله بصوت يحاول أن يكون متماسكاً. انتبهت لما يقول، وعدت من انشداهي كما لو أنني أفقت من غيبوبة للتو. أحضرت له طلبه، وشكرني وذهب إلى قاعة المطالعة، ذهب وقد انطبعت نظراته في روحي، كانت نظرات الرجل الذي أنتظر. كان يقربني في العمر كما يبدو، إن لم يسبقني بسنتين أو ثلاث.
مر الوقت بطيئاً وأنا أنتظر عودته بالكتاب. ولن أغالط نفسي، لو قلت إنني بعد ثلث ساعة تقريباً ذهبتُ أبحث عنه في القاعة. كنت أسير إليه رغم أنفي، كما لو كنت أسير في نومي، أسأل نفسي: ما الذي بإمكاني أن أقول له عندما يراني واقفة أمامه؟!
رأيته غارقاً ومشغولاً عمن حوله، يدوِّن بتمتمات خافتة بعض الملاحظات على دفتر كان إلى جواره. دهمته من الخلف ووقفت على رأسه، دون أدنى صوت أو حركة. لا أدري كم استمر ذلك، ما أذكره أنه التفت إليَّ بوداعة هزتني، في نفس اللحظة التي هممت فيها أن ألمس شعره الأجعد على شكل دوائر صغيرة. "هل أستطيع مساعدتك؟!". أسرتني لفتته المفعمة برنتها العربية، والتي لم يستطع أن يتخلص منها حتى بعد أن أصبح محاضراً في الجامعة بعد تخرجه، وهزني الصوت الدافئ. لم أرد عليه، كنت قد أصبت بخرس مؤقت، أحملق فيه بكل جوارحي، لكنني وبعد جهد جهيد استطعت أن أنطق بكلمات لا أعيها، وكأن الصوت ليس صوتي: "لا.. لا... أردت أن.. أسألك: هل تريد مساعدة!؟". صمت ولم يعقب؛ لكنني أحسست كما لو أن عينيه تبتسمان. "أشكرك.. عندما أريد أي مساعدة فسوف آتي إليك". هززت رأسي: "حسناً!"، وعدت أدراجي، لكني ما كدت أخطو بضع خطوات، حتى التفتُّ إليه مرغمة، لأجده يحدق فيّ.
فسألته مضطربة، فما ظننت أنه سيلحقني بنظراته: "عفواً!.. ما اسمك؟". "محمد.. اسمي محمد، وأنت؟". فأجبت على الفور: "أنجل..!"، وأضفت: "من أين أنت؟". فرد بنفس الهدوء، وهو يبتسم هذه المرة: "أنا عربي". ابتسمت له وغادرت القاعة وأنا أسأل نفسي: "هل الرجل الذي انتظرته، كان في الجهة الأخرى من المحيط.. عربي؟!".
ظللت أردد اسمه بيني وبين نفسي حتى لا أنساه. عدت إلى مكاني مخطوفة البال؛ من هذا الذي أراه للمرة الأولى في حياتي وأحسه قريباً مني!؟ لم أصدق أو أظن أنه فعلاً سيكون الشريك الذي سأقضي معه حياتي. ولم أعتقد للحظة واحدة أن هذا الشخص الصامت أغلب الوقت سيكون زوجي يوماً ما. ولم أتخيل لثانية أن وراء ذلك الصمت العميق والوجه البريء المظهر، يسكن تصميم جبار على نيل ما أتى من أجله!
وهكذا مرت الأيام في ذلك الشتاء البعيد الذي لم أشعر ببرودته؛ كل يوم يأتيني بطلب جديد، لكنه في نفس تخصصه، كما أخبرني، كان يعد رسالتي الماجستير والدكتوراه في علم الأحياء المائية. لم يكن فيه ما يميزه عن بقية الطلاب، بل كان شخصاً عاديَّ المظهر، لا توجد عليه آثار ترف سابق. ومن خلال احتكاكي اليومي والمباشر به، عرفت أشياء عن حياته، هناك وراء البحر، وكيف استطاع الدخول إلى الولايات المتحدة، عبر منحة منحتها له وكالة التنمية الأمريكية.
كان يعمل مدرساً للغة العربية في الجامعة للراغبين في تعلمها من الطلاب الأمريكيين وغيرهم، حتى يستطيع تدبر مصاريفه. فالوكالة لم تتكفل سوى بقيمة المنحة فقط. كان مثابراً وعنيداً وذا طموح ليس له حد. ذات مرة دعاني إلى العشاء في مطعم عربي: "أعتقد أنه قد حان الوقت لتتناولي وتتذوقي طعامنا!". "طبعاً!"، وافقت. وقد كان ذاك المساء رغم برودته مساءً مختلفاً في حياتي كلها.
لساعات وقفت أمام المرآة أتأكد من مظهري. مرات كثيرة غيّرت فيها ملابسي، حتى أبدو في أحسن صورة. ألقيت النظارة بعيداً، تركت لشعري البني حريته في الانطلاق، وطليت شفتيَّ بالأحمر الفاتح، ولوَّنت جفنيَّ بالأزرق الخفيف. بصراحة كنت أريد أن أفتنه حتى أستطيع القبض عليه ليبقى لي وحدي. وقد نجحت في مسعاي، فبمجرد أن صعدت إلى سيارته، التي تعطلت بنا في الطريق، واستغرقت وقتاً لإصلاحها، صعقته المفاجأة. "أنجل! أهذه أنت أم امرأة أخرى!!؟".
أعجبني ذلك الإطراء. "إنك أجمل مما تبدين عليه في المكتبة بخمسة آلاف سنة ضوئية". ضحكت من قلبي. "إنك تجاملني"، أغلقت الباب، متصنعة التواضع. "إنها الحقيقة يا سيدتي!". للأمانة لم أكن فائقة الجمال، كنت أحاول أن أكون منصفة لذاتي، على الرغم من أن بعض زميلاتي كنَّ يقلن لي إنني أبدو ناضجة مثل ثمرة حان قطافها، وأن طعمي سيكون شهياً. كنت آخذ الأمر على سبيل الدعابة.
كان لي جمالي الخاص، العينان المائلتان إلى الاخضرار، والشعر البني الغزير، والجسد النحيف بامتلاء. كان جمالاً أمريكياً عادياً لأي فتاة في الخامسة والعشرين من العمر. كان رقيقاً ومؤدباً معي، لم يطلق قهقهات حمقاء في الهواء كما يفعل البعض. كذلك ما حاول أن يضمني إلى صدره، أو تقبيلي، كما يتجرأ بعض الفخورين بأنفسهم مع أي فتاة تصعد إلى سياراتهم، كانوا أغبياء عندما يظنون أن أي أنثى تذهب معهم إنما يعني ذلك استسلامها لهم. لا أدري لماذا يظن الرجال أن النساء مجرد عاهرات متمنعات لا أكثر ولا أقل.
مع "محمد" كان الأمر مختلفاً جداً، رغم هيبتي؛ فقد كانت المرة الأولى التي أخرج فيها للسهر معه، وأنا أدرك أن بعض الرجال صبورون، حتى يصلوا إلى ما يريدون بهدوء. كانت ليلة سبت لا تُنسى، لم نفعل شيئاً ذا بال، فقط ذهبنا إلى ذلك المطعم العربي في مدينة "ديربورن"، التي تبعد عن "آن آربر" قرابة الخمسة والثلاثين ميلاً، قضيناها في التحدث كلاًّ عن حياته. حتى عندما تعطلت السيارة لم نقطع الحديث، كنا مشدودين كلاًّ منا للآخر. كان من عائلة بسيطة، والده قتل في إحدى الحروب التي عصفت بوطنه في فترة ماضية وهو طفل صغير، فكفله عمه لأبيه مع أخت وحيدة، التي تزوجت فيما بعد من ابن عمها بعد إتمامها الثانوية. أما هو فقد واصل تعليمه، حتى تخرج في الجامعة بدرجة امتياز، في الأحياء، وقضى عدة سنوات يعمل كمدرس.
حتى أتته فرصة الوكالة الأمريكية، عبر إعلانات في الصحافة المحلية لبلده. فتقدم لأخذ اختبار القبول. ومع أنه حصل على المرتبة الثالثة، رغم إجادته الإنجليزية التي تعلمها هناك، فقد كانت المنحة لاثنين فقط، إلا أن مشرفة الوكالة، في صدفة لا يصدقها، كما قال، أعطته فرصة كبيرة وثمينة بقبوله كفرد ثالث، فضمته إلى زميليه، فسافر معهما، حيث أرسل الأول إلى جامعة "جورج تاون"، في واشنطن العاصمة، والآخر إلى جامعة "بنسلفانيا". الأول كان "علوم سياسية واقتصاد"، والثاني تخصص "تاريخ وحفريات". أما هو فقد كان مقرراً له الذهاب إلى جامعة "هوبكنز"؛ لكن، ونظراً لأن تسجيله كان متأخراً، فقد حولت أوراقه إلى جامعة "يو. إف. أم". "وهكذا كما ترين ها نحن معاً!".
من جهتي لم أقل الشيء الكثير لأحدثه به عن حياتي. كان أبي يحب أمي، التي توفيت بسرطان الثدي، فغادر إلى "سياتل" بعد أن أودع أخي المعاق مصحة للمعاقين، لأنه لم يكن ليقدر على الاهتمام به. وأتيت أنا إلى ميتشجان، "وها أنا معك يا صديقي في سيارتك المعطلة!".
ضحكنا -معاً- كما لم نضحك من قبل، كانت ضحكة نابعة من أعماق قلبي، كان الفرح يضج في صدري، لم أكن "أنجل" التي أعرفها، كنت امرأة أخرى ينبض قلبها بمشاعر جديدة، جعلتني أعيد النظر في كل ما مر من عمري، كان إحساساً غامراً بالبهجة ينام مستكيناً في وجداني، إحساساً لم أشهد مثله من قبل. كنت قد قرأت عن تاريخ الشرق، الذي يقول بفرضية الحب من النظرة الأولى، أو اللقاء الأول، وقد وقعت في حبال تلك النظرة، وهو كذلك، لكنه كان متماسكاً أكثر مني، كان تماسكه ذاك يسحرني، ويجعلني أشعر بقوة خارقة، وأمان عظيم في الأيام التي تلت زواجنا؛ كان تماسكاً مذهلاً عرفته فيه طيلة حياتنا معاً؛ حتى وهو يموت، لم تظهر عليه بوادر الخوف والجزع، كان مبتسماً، يتمتم بأدعيته وصلواته التي لم ينقطع عنها طيلة ستين عاماً من زواجنا. كنت الأكثر اندفاعاً إليه، يدفعني إلى ذلك إحساس الأنثى الذي لا يخيب أبداً عندما تجد ذكرها الذي انتظرته وتخيلته من قبل. قضينا ليلة ممتعة، تذوقت فيها الطعام العربي لأول مرة، فأعجبني، كان طعاماً لذيذاً، طازجاً. أعجبتني السلطة بزيت الزيتون، والمشاوي، تلك الأطعمة التي تعلمت كيف أعدها له لسنين طوال. كذلك أعجبني الشاي المعمول بالنعناع، وأيضاً الحلويات المدهشة المذاق. وعندما انتهينا من العشاء عدنا إلى "أن أربر"، حيث قضينا الليل بطوله، نتسكع في الشوارع المغطاة بالثلوج، متلازمين بالأذرع حتى طلوع الفجر، دون اعتبار للصقيع.
أعادني إلى شقتي، فتح لي باب السيارة كما لو كنت أميرة شرقية. وددت من صميم قلبي لو أنه يأخذني في حضنه، ويقبلني، لكنه لم يفعل. ودعني حتى باب العمارة، وعاد أدراجه إلى سيارته؛ لكنني لم أتخيل أنني سأنام وحيدة، فناديته بأعلى صوتي، كما لو كان سيغيب عن ناظري إلى الأبد، فالتفت إليَّ بكل حواسه، ليراني مندفعة إليه مثل المجنونة، مادة إليه ذراعين انتظرتاه طويلاً. استقبلني بين ذراعيه القويين وضمني إلى صدره، وقبَّلني للمرة الأولى، على جبيني، مع أنني أغمضت عينيَّ، حتى أذهب معه إلى عالم لا يوجد فيه سوانا، وبكيت، نعم، بكيت من الفرح والحب. "هل تبكين يا أنجل؟!". يا إلهي! كم هزني صوته الحنون، المشبع بكل حنان العالم! "لا يا محمد، إنها دموع لا أستطيع وصفها".
كان صوتي متهدجاً وأنا أرتعش بين ذراعيه، مثل عصفورة صغيرة بللها المطر.
"إنها دموع الشوق إليك قبل أن أعرفك. لا تتركني وحدي، أرجوك!". صعد معي إلى الشقة، ونحن متلازمين كأننا نخاف أن يفقد أحدنا الآخر. لم أكن أشتهيه جنسياً في تلك اللحظة، كنت أريده إلى جواري إلى الأبد فحسب.
بل إنني تمنيت لو أنني أموت بين ذراعيه. كانت مشاعر حارة، لا أستطيع تفسيرها الآن رغم كل تلك السنين التي مرت. ذهب بي إلى حجرة نومي، وهناك وضعني على السرير. "إلى أين أنت ذاهب؟!"، قلتها في فزع عندما رأيته يهم بمغادرة الغرفة. "سأنام في الصالة"، وأغلق الباب وراءه. ذلك الفجر الذي لا يُنسى نمت بثيابي. وعندما استيقظت عند الظهر كان إلى جوار النافذة يراقب الشارع في يده فنجان قهوة، شاب متوسط القامة، له سمرة محببة، يقف حافي القدمين، أمام نافذة تطل على شارع رئيسي، بقميصه العلوي الداخلي. "صباح الخير!". ابتسم في وجهي ومد ذراعيه، فغطست بين أعطافه، ووضعت رأسي على صدره العاري، أشعر بسعادة لا توصف. "اليوم أنت ضيفي وسوف أطبخ لك طعام الغداء بنفسي".
رفعت رأسي وحدقت في عينيه، فأحسست كما لو أنني أغوص في بحر لا قرار له. بقي معي حتى المغرب تقريباً، ثم ودعني، بعد أن طبع قبلة حارة على جبيني. وبمجرد خروجه، تراءى لي صباح الاثنين، كما لو أنه بعد ألف سنة. في اليوم التالي آثار مظهري الجديد، بدون نظارة، ومطلوقة الشعر، استغراب زملائي، وكل رواد المكتبة الذين كانوا يعرفونني. لم أهتم بعبارات الثناء والمديح.
كنت انتظر "محمد"، حبيبي!! نعم، حبيبي! في تلك اللحظة اعترفت لنفسي بأنني فعلاً أحبه، وأن هذا العالم لن يسعني إذا لم لكن هو معي. تخيلت كيف سوف أستقبله، بل إنني قد أتهور وألقي بنفسي بين ذراعيه أمام الناس جميعاً ولتقم الحرب بعد ذلك، أو فلينهر الكون على ساكنيه.
كنت قد اشتريت وردة حمراء أزمعت تقديمها إليه عربون صداقة و.. حب. كنت أبدو مثل فتاة صغيرة تنتظر حبيبها في موعدها الأول. انتظرت طويلاً، ذهبت مرات عديدة إلى القاعة، نظرت من النافذة لعلّي أراه، لكنه لم يأتِ، فمرَّ الوقت بطيئاً مثل حد السكين على جلد حي. ذبلت الوردة، ولم أره، فأسقط في يدي، وأوشكت على الجنون، ولأول مرة أنهر الطلاب، وأرفع صوتي عليهم، عندما كانوا يلحون عليّ بطلباتهم. كنتُ عصبية جداً، يفتُّ في كبدي قلق حارق. "مس أنجل! هل أنت بخير؟!".
جملة سخيفة سمعتها طوال اليوم، ذلك الذي لم ينقضِ سريعاً. وبعد انتهاء عملي عدت إلى شقتي مكسورة القلب، أسأل نفسي: لماذا لم يأتِ؟! هل أصابه مكروه؟! وانتابتني هواجس سوداء؛ ماذا لو كان يلهو بي؟! هل هو مثل أي شخص يبحث عن رفقة مؤقتة؟! هل ظن أنني كنت متمنعة عليه؟! لقد كنت معه سهلة الانقياد، لكنه هو من لم يحاول تقبيلي، ولو أنه فعل فسأعطيه كل ما يريد بطوع خاطري، لكنه لم يفعل، وها هو الآن لا أدري أين يلهو، بينما أنا تأكلني نار عمياء، هل كنت معه غبية التصرف؟! هل اندفاعي إليه سبب نفوره مني؟!... أسئلة مثل الجمر كانت تشتعل في قلبي ولم أجد لها جواباً.
لم أنم في تلك الليلة. وحتى عندما كنت أغفو، كانت الكوابيس تدهمني من كل حدب وصوب، كوابيس مفزعة لا أقدر على ذكرها الآن على الرغم من مرور عمر بأكمله عليها. كانت ليلة من العذاب. ذهبت بعدها في ذلك الصباح إلى العمل، كأنني لم أنم أسابيع بأكملها، على أمل أنني سأراه، لكنني لم أقع له على خبر طيلة أيام الأسبوع تقريباً، الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، يا رب السموات! مرت أربعة أيام بلياليها ولم أره، كانت مثل أربعة آلاف سنة، هل كنت حمقاء في نظره، فسئم مني؟!.
"أين ابن الكلاب هذا ؟!". شتمته غصباً عني؛ كيف يفعل بي ما فعل، وأنا التي أحببته منذ الوهلة الأولى!؟ هل خانتني مشاعري؟! هل كتب عليّ العيش دون ثقة بأحد؟! كنت ألعنه، وأدعو الله أن يكون بخير. حدثت نفسي آلاف المرات أنني عندما أراه فسوف أبصق في وجهه، وأخمشه بأظافري. لكنه لم يأتِ. لقد بكيت كما لم أبكِ من قبل. بكيت سذاجتي، واندفاعي، وخدع إحساسي لي، وأنا التي لم أكن انخدع بسهولة. يئست من عودته، وأدركت ساعتها أنني سوف أقضي بقية عمري وحيدة مثل كلبة مسعورة. بل إنني تمنيت الموت، إذا ما كانت حياتي ستكون عبارة عن انكسارات وهزائم، وأن جسدي، سيكون مجرد مضغة، تلوكها الأجساد، ثم يبصق به في القمامة.
كرهت كل شيء، وبدأت أستعد لحياة جديدة، كالسابق وأشد، حياة لا مكان للعواطف فيها. بل إنني فكرت، في بعض المرات، أن أكون فتاة عابثة، تسعى لتحطيم الآخرين، بل وقتلهم إن استطعت ذلك. عدت إلى وضع النظارة من جديد، وكذلك جمعت شعري في ضفيرة واحدة لا توحي بشيء.
بدا الأمر كما لو أنني طعنت طعنة نجلاء لا دواء لها. وبينما كنت لوحدي في مكتبي، عاكفة على تدوين بعض الأمور الخاصة بمحتويات المكتبة، التي أحسست كما لو أنها سجن كبير، أفكر بجدية في الذهاب إلى أبي، ومغادرة ميتشجان إلى الأبد، كانت الساعة تقارب الثالثة والنصف من بعد عصر يوم تلك الجمعة البعيدة، أبدو مثل امرأة ميتة، حتى شعرت فجأة بكل خلية تستيقظ في جسدي، بعد موت قسري من جراء نيران هائلة أشعلتها الأسئلة والظنون وخيبة الأمل. شممت رائحة أعرفها جيداً، كانت نفس الرائحة العطرية التي شممتها فيه أول مرة، رائحة دخلت بقوة إلى أعماق روحي مثل عاصفة هوجاء. رفعت رأسي ببطء كما لو كنت في غيبوبة؛ يا إله السموات الرحيم! كان هو واقفاً أمامي بتلك النظرات الحنونة، والوجه الصارم التقاطيع الوسيمة الطلة، إلا من ابتسامة خجولة، سطعت على شفتيه. فصرخت من وقع المفاجأة: "يا إلهي!! أين كنت أيها القاسي؟!".
كان صوتي مسموعاً وعالياً، حتى التفت إلينا كل من كان موجوداً في المكتبة. "أين كنت..؟! لماذا فعلت بي هذا؟!". أوشكت على البكاء، لكنني تمالكت نفسي، واندفعت إليه لاحتضنه، أمام كل العيون، التي لم تصدق ما تراه؛ "أنجل" تحتضن رجلاً أمامنا! استقبلني على صدره، وأخذ يمسد على شعري، كما لو كان أبي. "أنا هنا يا عزيزتي!". كنت أتشنج من الفرح. أخذ يحكي لي قصة طويلة، عن ظرف طارئ أخذه إلى نيويورك، وأنا أطوّق عنقه بكل ما أوتيت من قوة. كانت لحظات لا تُنسى. لم أكن أستمع إليه أو لما يقول؛ كنت فرحة، وهذا كل ما كان يهمني. اعتذر لي، بصوت مرتعش: "لم أكن أعتقد أنني مهم بالنسبة إليك إلى هذا الحد!".
قالها بصدق، أحسست فيه فرحاً كبيراً لا يقل عن فرحي، وأنا احتضنه بقوة كما لو كنت خائفة أن يختفي من بين يدي؛ خفت من العودة إلى الوحشة والوحدة والشعور الدائم بالخوف والضياع. ناجيت ربي مرات عديدة ألاَّ أكون مخطئة هذه المرة، وإلا فالانتحار سيكون خاتمتي؛ فليس معي إن خسرت "محمد" ما أخاف عليه، "بل أنت أهم وأكبر بالنسبة لي مما تظن، هل تسمع أيها الأحمق!؟". نعم، قلتها بصراحة وبجنون وبصوت عال. "أنا أحبك.. أحبك! إنك لا تدري كم انتظرت مجيئك، كم حلمت بك حتى قبل أن أراك، كم صنت نفسي من كل ما يدنسني حتى تأتي أنت وحدك لا سواك! هل تفهم!!؟ هل تستطيع فهم ذلك؟!". كنت أتكلم بانفعال شديد، وكل جسمي يرتجف.
بعد تلك الحادثة الشهيرة في قلب مكتبة جامعة "يو. إف. إم"، ذاع صيتي بين الطلاب والمدرسين والموظفين؛ عن تلك الفتاة الحمقاء، التي صرحت بمشاعرها أمام الملأ، كما لو لم يكن في هذا العالم رجال، بدون إحساس بذرة كرامة، وأمام شخص لم تتعرف عليه إلا منذ فترة وجيزة؛ وأقسم بالله أنه لم يلمسني لمسة سوء، ولم يعاشرني، إلا بعد أن
طلبني للزواج.
كان في تلك الأيام يحضر لأطروحة الماجستير، لكن ينبغي عليه، قبل أن يفعل ذلك، وضع تصور مسبق لما سوف يقوم به، بمعنى أدق، تحضير مسودة لمشروعه الأكاديمي باللغة الإنجليزية. ولأن لغته كانت عادية، لا تخدمه في فهم قواعد اللغة العلمية الصرفة، فقد طلب مساعدتي، وفعلت ذلك بسرور، فهذا يعني أنني سأكون إلى جواره طوال الوقت. كان يذهب إلى الجامعة في الصباح، وكذلك أنا إلى عملي، ونلتقي في الخامسة والنصف من بعد عصر كل يوم، في شقتي، وأحياناً في غرفته الصغيرة في كامب الطلبة لأساعده في فك ما يتعسر عليه من مسائل لغوية. كان ذكياً وسريع الفهم، وشديد الاهتمام بعمله. وكنت أحياناً أتأمله في انشغاله من حيث لا يشعر، فيزداد حبي له. رجل جاد، مليء بالعواطف، لكنها كانت عواطف صادقة، لا يهزل فيها، لم يحاول تقبيلي، أو أن يراودني عن نفسي. كان نبيلاً بكل معنى الكلمة، يحترم أنوثتي. وكنت أستغرب ذلك منه، خصوصاً في انشغاله الدائم عني، عن جسدي المتلهف إليه. ولا أخفي لو قلت إنني أحياناً كنت أشعر ببرودته، أو هكذا على الأقل خمنت. لكن نظراته الصاعقة كانت تخبرني عكس ما أظن، وكذلك قبلاته الحرى على خديَّ أو على جبيني، تجعلني أحس بأنني أقف أمام رجل حقيقي، يحترم نفسه، ويكبح جماح رغباته، لكن ثمة ما يمنعه من الاندفاع، حتى صرح ذات يوم وقالها في وجهي، فأدركت فعلاً أنني قد أحسنت الاختيار هذه المرة.
كان قد انقضى على تعارفنا أكثر من خمسة أشهر. طوال الأسبوع ما بين الجامعة ومكتبتها، وشقتي أو غرفته. أما السبت والأحد فهما يوما الراحة لكلينا من كل تلك الأعباء الثقيلة. كان يجهد نفسه كثيراً، حتى أنه لم ينتهِ الفصل الدراسي الأول إلا وقد انتهى من مسودة المشروع، ونال قبولاً جيداً، بحيث يمكنه من الشروع بالماجستير، ومن ثم الدكتوراه.
مازلت أذكر تلك الليلة ونحن نتناول العشاء في مطعم هندي عندما سألته "محمد! هل تخاف من النساء؟!". توقف عن الأكل ونظر إليّ كما لو أنني طعنته في رجولته. فيما بعد سأعرف أن سؤالي الاستفساري ذاك، يعني الكثير بالنسبة لرجل عربي؛ كنت قد جرحته دون قصد، فحاولت تبرير سؤالي، لكنه لم يعطني الفرصة لذلك، فرد عليّ وكأنما كان ينتظر اللحظة المناسبة، وها قد أتت: "اسمعيني جيداً يا أنجل! إياك أن تظني أنني عندما أحتويك بين ذراعيّ، يكون ذلك هيّناً عليّ! وإذا ظننتي هذا فأنت مخطئة، لكنني أريدك زوجة كل العمر، وإن نلتك الآن، فلن أحترمك فيما بعد، هكذا نحن سكان الصحارى، لا نرحم أبداً في هذه المسألة. أريد امرأة أحترمها قبل أن أحبها، وقد احترمتك فأحببتك". أطرق قليلاً وأنا أوشك أن أطير من مكاني، أنتظر أن يكمل كلامه بكل جوارحي. "وإذاً، فهل تقبلين الزواج بي.. براكب جمل؟!". ضحك. وشرقت الدموع في عينيّ، فلم أدر بنفسي إلا وأنا أرد بكل لهفة: "نعم، أوه يا إلهي!! نعم يا محمد، أقبل بك زوجاً مدى الحياة، ليس هذا فحسب، بل وأقبل بجملك أن يسكن معنا".
ضحكنا، وارتفعت أصواتنا، كنا مثل طفلين، يلعبان معاً، ولا يريدان أن يتوقفا.
ما حدث بعد ذلك كان مبهراً بالنسبة لي، فقد اشترط عليّ أن يتم الزواج على الطريقة الإسلامية، ثم في الكنيسة إن أحببت ذلك، وهذا ما حدث بالفعل. تم كل شيء بسرعة، وأجمل ما في ذلك هم الأصدقاء الذين أحاطونا بحبهم وحضورهم، بضعة طلاب عرب، وبعض المدرسين، كذلك صديقاتي. كان عرساً صغيراً أنيقاً، يليق بشابين يتزوجان للمرة الأولى.
في تلك الليلة عدت إلى شقتي وخابرت والدي في "سياتل"، الذي سمعت صوته متحشرجاً في الهاتف: "وهكذا سوف تتزوجين يا صغيرتي! فليباركك الله!"، واستقل أول طائرة وأقبل مسرعاً ليشهد زواج ابنته الوحيدة، حيث قضى معنا يومين، عاد بعدها من حيث أتى، وتركني مع زوجي، "محمد"، الذي كنت أراه يصعد في نجاحاته، خطوة خطوة، رغم صعوبة الطريق، ولم أظن للحظة واحدة أنه ستقع على عاتقه مسؤولية إنقاذ البشرية ذات يوم من الفناء؟!

 

***


الفصــــــــل الثالث



 

 


مناظرة في فضاء شديد الإتساع


⦁ حكمنا عليك، نحن حراس الماء، بالعمل في المنابع المائية حتى تنتهي حياتك الطبيعية، مع كامل حقوقك ككائن حي، ما عدى حريتك!
⦁ عفواً! هذا حكم باطل، لا تقره الشرائع التي أرسلها رب هذا الكون الوسيع، إن كنتم تؤمنون به، هذا الرب. ثم إنني لم آت غازياً، لقد أتيت مدافعاً عن أهم حق لكل كائن حي في الأرض: الماء الذي أخذتموه قسراً.
⦁ اسمع أيها الإنسان! القضية ليست قضية إيمان، المسألة برمتها تتعلق ببقاء عشرين ملياراً من بني جنسنا على قيد الحياة.
⦁ وماذا عن بني جنسي الذين سرقتموهم ماءهم؟!
⦁ إنكم تقولون في تراثكم الأرضي إن الغاية تبرر الوسيلة، ونحن لسنا كائنات لا إحساس لديها كما تظن، لقد قمنا بعملية حسابية بسيطة، استنتجنا من خلالها أننا يجب أن نبقى مهما كان الثمن غالياً، وقد فعلنا ما رأيناه في صالحنا!
⦁ حتى وإن مات الآخرون؟!
⦁ نعم، ما دمنا نحن الأكثرية!
⦁ لكن هذا ظلم عظيم!
⦁ لم يكن هناك خيار آخر أمامنا، أنتم أو نحن، وقد اخترنا، ولا تنس أنك محظوظ، لأنك ستعيش بيننا، حتى يتوفاك من خلقك، حيث كان بإمكاننا إعادتك من حيث أتيت، لكننا، رحمة بك وتقديراً لعلمك الذي أوصلك إلى فضائنا المائي، كأول كائن ليس من جنسنا، رأينا أن من الأنسب لك أن تعيش معنا، نحن نوابغ الكون.
⦁ أي حظ تعنون وجنسي بأكمله سيباد!؟
⦁ نستطيع أن نحضر شخصاً واحداً ليعيش معك، زوجتك، نحن نعلم أنك متزوج، وأنك تحب هذه الزوجة!
⦁ لا أريد أحداً معي، فأنا لم آت للاستجمام، وأنتم كما أظن تدركون ذلك.
⦁ إنك شديد الذكاء، فقد فطنت إلى أن مجيء زوجتك قد ينسيك بني جنسك، ولكن ماذا لو أضفنا إليها أهلك، أختك مثلاً؟!
⦁ ...؟!
⦁ لا تعاند، ولا تحاول التذاكي، فنحن نقرأ ما يدور في داخلك قبل أن تنطق به، نحن لا نعلم الغيب، فالخالق وحده من يقدر على ذلك، لكننا نحلل الأفكار ونصل إلى النتائج في أقل من لمح البصر، كن عاقلاً وعش معنا في هذه الجنة!
⦁ قلت لكم لا أريد أحداً، وما دمتم تقرؤون الأفكار فاعلموا أنني سأحاول قصارى جهدي إعادة مائنا المسروق إلى الأرض، ولن استسلم أو أستكين لإغراءاتكم، حتى لو أدى ذلك إلى موتي.
⦁ إنك مكابر، وهذا لن ينفعك، فليس أمامك إلا ما قلناه.
⦁ إنكم خائفون، وما تعرضونه عليّ لا يهمني، لأنكم في حقيقة الأمر تريدون الاحتفاظ بي كرهينة، لأنني البشري الوحيد الذي عرفكم، ووصل إلى كوكبكم.
⦁ عمّاذا تتحدث أيها الأخرق!؟ نحن لا نهاب أحداً، فما نملكه من قوة لا تستطيع تخيلها بعقلك البشري الصغير، يجعلنا نغزو الكون من أقصاه إلى أدناه دون أدنى مشقة.
⦁ فلماذا الإصرار على القتل وأنتم تدركون أنكم بعملكم هذا قد سرقتم سر حياتنا؟! هل هي قوتكم التي سولت لكم ذلك؟!
⦁ ألا ترى أننا صبورون عليك، رغم قدرتنا على قذفك في الفضاء البهيم، ولن تستطيع الدفاع عن نفسك.
⦁ فعلاً، إنني أستغرب هذا منكم، كما أستغرب خلقكم!
⦁ نحن سر الماء، أو بطريقة أخرى نحن روح الماء وأصله.
⦁ ما رأيته يؤكد ما تقولون، أعني هل كل شيء هنا خُلق من الماء؟!
⦁ نعم.
⦁ كل شيء؟!
⦁ كل شيء.
⦁ ماذا عن الهواء؟!
⦁ هو يخلق معنا.
⦁ ما هو تاريخكم؟ هل لكم تاريخ؟!
⦁ نعم.
⦁ ما هو؟!
⦁ نحن فائض الانفجار العظيم، الذي نتج عنه خلق الكون.
⦁ كيف؟!
⦁ الآن بدأت تعقل وتسأل أسئلة منطقية!
⦁ أجيبوني!
⦁ لقد كان ناتج ذلك الانفجار، مجرات وكواكب وفضاءات ونجوم. ولأن الخلق كان ناتجاً عن انضغاط شديد للدخان والهواء، وصل إلى الدرجة صفر، فقد كانت إحدى النتائج، لحظة الانفجار، هو خلقنا، كجنس مائي مستقل.
⦁ تعنون أن خلقكم كان نتيجة وليس غاية، يعني صدفة؟!
⦁ خالق الكون لا يخلق الخلق صدفة أو عبثا، بل بتقدير مسبق.
⦁ وكيف عرفتم أن لكم خالقا؟!!
⦁ من أشخاص خرجوا من بيننا، عبر ملايين السنين والحقب، وكانوا يدعوننا! إلى عبادة خالق الكون!
⦁ وهل اتبعتوهم؟!
⦁ نعم!
⦁ وهل أخبروكم أنه لا يجوز لكم سلب حيوات الآخرين؟!
⦁ اسمع أيها الأرضي!...
⦁ لا تتهربوا من الإجابة!
⦁ حسنٌ، هم لم يدعوننا إلى ما قلت، ولكي نقرب المسألة إليك، هم يشبهون أنبياءكم الأرضيين!
⦁ يعني أنبياء!
⦁ سمهم ما شئت!
⦁ هل لا يزالون أحياء؟!
⦁ لا يوجد أنبياء خالدون، لكن آثارهم ودعوتهم هي الخالدة!!
⦁ هل تؤمنون بهم؟!
⦁ بالطبع، والذين لا يؤمنون بهم، يلاحقهم غضب الخالق!
⦁ وماذا عن الإنسان!؟
⦁ لا تعد إلى التحاذق مرة ثانية، وإلا سننهي هذا النقاش!
⦁ أقول ألم تفكروا بالخالق عندما نهبتم ماءنا؟!
⦁ أنت فعلاً تريد إنهاء الحوار!
⦁ بل أنتم من سولت لكم قدرتكم ظلمنا، لأنكم أكثر علماً وسطوة منا، على كل حال بيننا وبينكم خالقنا جميعاً.
⦁ لا تصل بالأمور إلى هذه الدرجة، ربما قد نجد حلاً!
⦁ يعني هذا أنكم لم تدركوا عواقب ما أقدمتم عليه؟!
⦁ ليس هذا بالضبط، لكننا نحاول!
⦁ أليس هذا دليلاً على أن علمكم مازال قاصراً؟!
⦁ نحن لا ندعي الإحاطة بكل ماهو فوق علمنا وإدراكنا، الخالق وحده يستطيع التحكم وإدارة وإدراك كل شيء، فعلمنا أمام علمه مجرد نقطة صغيرة أمام كون عظيم ليس له حدود!
⦁ فلماذا أقدمتم إذاً على ما ليس لكم به طاقة؟
⦁ إنه خيار البقاء، وعندما تكون الحياة مهددة تسقط كل المثل والقيم!
⦁ ماذا عن مائنا؟ أين هو؟ ماذا فعلتم بالكائنات التي كانت تعيش فيه؟ كيف تصرفتم بملح البحار، ومخلوقات الأعماق؟!
⦁ يجب أن تعلم أننا قد حسبنا حساب كل شيء، وبالتالي فكل ما سألت عنه محفوظ ومحسوب حسابه.
⦁ إلا حياة الإنسان!
⦁ قلنا لك قد يكون هناك ثمة حل!
⦁ وإلى أن يأتي هذا الحل، تكون الأرض قد تحولت إلى قبر كبير لكل سكانها!
⦁ نحن نؤمن بأن الخالق وحده من يهب الحياة، وهو وليس سواه من يسلبها ويأخذها متى ما يريد؟!
⦁ لكنكم قد تعديتم على حدوده!
⦁ دع عنك هذا الحمق، فليس هناك من يجرؤ على ذلك!
⦁ وماذا تسمون ما فعلتموه إذاً؟!
⦁ إنها الضرورة!
⦁ ضرورة المحو!
⦁ بل ضرورة الحياة!
⦁ لكم وحدكم؟! إنكم قساة لا تخافون أحداً.
⦁ من يدري!؟ قد تكون في ذلك منفعة لكم أيضاً!
⦁ لا تجعلوني أجنَّ! بحق الخالق الذي خلقنا، أتقولون منفعة!؟ أين هي هذه المنفعة!؟ لا أراها، إلا منفعتكم أنتم فحسب!
⦁ من يدري!؟ سوف نرى!
⦁ لا فائدة من الحوار معكم!
⦁ على الأقل لقد علمت من نحن!
⦁ غزاة لا شفقة في قلوبكم!
⦁ أخبرناك ألاَّ تستعجل الأحداث، اصبر قليلاً، نحن نقدر مشاعرك، لكن ليس أمامك سوى الصبر!
⦁ إلى أن تصلنا روائح الجثث الميتة عطشاً!؟
⦁ نحن لا يصلنا شيء لا نريده!
⦁ أنا أضرب لكم مثلاً وحسب!
⦁ ونحن نجيب بالحقيقة لا أكثر، إنك لا تدرك كم تبعد عن الأرض!
⦁ كم؟!
⦁ إننا في الجهة الأخرى من الكون.
⦁ اعطوني رقماً يدل على بعد المسافة!
⦁ ليست في مقدورك أن تستوعبه.
⦁ اعطوني مثالاً!
⦁ ما هو أبعد كوكب في مجرتكم الشمسية؟
⦁ وما دخل هذا الكوكب في الأمر؟!
⦁ إننا نبعد عنكم ما مقداره مائتي ألف مليون سنة ضوئية!
⦁ إنها مسافة خارقة! إنكم كما لو كنتم تعيشون على حافة الكون!
⦁ هذا ليس صحيحاً، فهذا الكون في تمدد مستمر منذ أن خلقه الخالق، ونحن بالتالي، نمثل نقطة قريبة منكم في الأرض، مقارنة بمجاهل بعيدة لم نستطع حتى نحن أن نصل إليها.
⦁ تدركون قدرة الخالق ولا تخافونه فيما تفعلون!؟
⦁ بل نحن نخافه، لكن العبرة في الخواتم.
⦁ وما هي الخواتم في ظنكم؟!
⦁ أحسن بكثير مما تتصور.
⦁ ليتني أستطيع تصور ذلك!
⦁ لقد انتهينا، فاذهب حيث تشاء، وحينما نريدك، سندعوك مرة ثانية، وننصحك بأن لا تضيع وقتك فيما لن تقدر عليه، فربما قد تندم على كل لحظة لم تتعلم فيها، ولن يواتيك الحظ مرة ثانية أن تصل إلى حيث وصلت الآن.
⦁ بقي سؤال أخير!
⦁ هاته!
⦁ ألا تشعرون بالندم لما اقترفتموه؟!
لم يجيبوا بشيء، بل غادروا أماكنهم في صمت. كانوا يشبهون سحباً معلقة، من رآهم يظنهم جالسين على مقاعد هوائية. وكانوا يشبهون البشر في شكلهم الخارجي. العلامة الفارقة فيهم أنهم لم يكن لهم شعر على رؤوسهم، وشفافون جداً مثل ماء شديد النقاء.

 

***



الفصــــــــل الرابع



 

جغرافيــة المـــاء والهلاك


كل شيء توقف فجأة، الآلات العملاقة، وتوربينات الطاقة، حتى الرايات ماتت مكانها، وهوت على الأرض مثل زجاج متناثر، وبدأت الحرارة في الارتفاع، كانت حرارة لا تطاق، حرارة حادة مثل سكاكين من نار، جعلت الناس يهيمون على وجوههم بحثاً عن نسمة هواء، وانطلقت الحيوانات من أوكارها، وبدأت الطيور تتساقط على الرؤوس، التي توشك على الانفجار مثل بَرد ميت، وبدأ الصدام بينها وبين الإنسان في أنحاء العالم، الذي أبادها بوحشية لا تصدق، دفاعاً عن النفس، كانت حيوانات مسعورة زادها العطش والحرارة جنوناً وتوحشاً.
عندما أدرك سكان الأرض أنه لم يعد أمامهم ماء ولا بحار ولا أنهار ولا بحيرات ولا محيطات، ولا أمل يرجى في مطر مستحيل قادم؛ بدأت الحروب الضارية. كان ذلك في أقل من عشرة أيام على اختفاء الماء. كنت وحدي من يدرك سر الكارثة التي لا تصدق.
عاودت الاتصال بمراكز البحوث، بالجامعات، بالأمم المتحدة، لأخبر البشرية عن لغز ضياع الماء، لكنني لم أجد من يستمع إليّ، وحدها زوجتي، "أنجل"، المرعوبة، كانت إلى جواري.
ما الحل؟! مصير كل سكان الكوكب في عنقي! كنت أبدو مثل فأر في مصيدة، كلما تقدم، كان أمامه جدار محكم الإغلاق لا يستطيع اختراقه. أدركت ساعتها ألاَّ فائدة ترجى من مساعد، كائناً من كان، غير الله، لذلك شحذت كل أفكاري وطاقتي لعمل شيء ما، أي شيء يخرجنا من ذلك الكابوس، فالفناء محدق بوجود الإنسان وكل كائن حي على هذه الأرض.
لم تمر بضعة أيام إلا وقد انتشرت رائحة المخلوقات الميتة، تملأ كرتنا الأرضية، بيتنا الوحيد في ظلام هذا الكون الدامس، بيتنا البشري الذي أراه ينهار أمامي دون أن أستطيع فعل شيء يذكر. كنت قد جهزت بضعة خزانات صغيرة بالماء، قد تكفيني وزوجتي لبضعة شهور لا أكثر مع تقنين حاد، وبعدها لا شيء سوى الموت عطشاً. كنت أرى الحل، أو هكذا يخيل إليّ، لكن الاستحالة كانت في التنفيذ، هل هو اللحاق بلصوص الماء الكونيين؟! لكن كيف يتم ذلك؟! كيف يمكنني أن أصل إلى الوسيلة التي من خلالها أطارد اللصوص؟!
إن اللص هذه المرة ليس عادياً. والمسلوب ليس رخيصاً أو لا قيمة له، إنه الماء، سر الحياة، وسر بقاء كل الكائنات الحية، الذي لا نستطيع العيش بدونه، الآن أو حتى بعد ألف مليار سنة، حتى يقبض الله الأرض ومن عليها.
مرات عديدة ذهبت إلى بحيرة أبحاثي، علِّي أجد حلاً للغز الجهنمي، مرات ومرات، لكن دون فائدة. كانت زوجتي تراقبني صامتة لا تدري ماذا تفعل، وقد أدركت أن أعظم ما تستطيع تقديمه لي في ذلك الظرف العصيب هو الصمت. كنت محتاجاً لكل خلية في دماغي، وذرة هدوء، والوقت يمر سريعاً، والمأساة تعظم. ذات ليلة وأنا مستلقٍ في وسط بحيرة جافة على ظهري، رأيت، وكما لو أنني في حلم، خيوطا فضية تلمع في الظلام. لم أكن نائماً، كنت مفتوح العينين. كانت هذه الخيوط، التي على شكل أشعة، تظهر وتختفي في أقل من الثانية. انتابني الرعب؛ هل فقدت عقلي، وفي مثل هذا الظرف القاسي، أرى ما ليس موجوداً!؟ كنت أضع آلاف المسائل في رأسي لكي أحاول حلها، على أمل الوصول إلى حل، إلى طريقة تمكنني من مطاردة لصوص الماء. لقد أدركت عبثية تلك الفكرة، لكن لم يكن أمامي خيار آخر؛ محاولة الاتجاه إلى المجهول وراء الماء المسروق. كنت أرى الماء كما لو كان طفلاً رضيعاً اختطفه قراصنة قساة. أدركت حينها أني إذا لم أقدر على صنع أو فعل شيء معقول في أقرب فرصة، أعني أقرب لحظة، فعلى سكان الأرض السلام، لكن تلك الخيوط الضوئية المشعة التي كانت تنبض من كل مكان، أعادت لي قليلاً من الأمل، في أن اللصوص المجهولين لا يزالون قريبين من المكان، أو على الأقل لا تزال لهم بعض الآثار التي قد تساعدني على فهم سر الطريقة التي أخذ بها الماء، كان ينبغي عليّ العمل بحذر شديد، فأي هفوة أو تصرف طائش ثمنه مليارات عديدة من بني الإنسان، أضف إليهم كل الكائنات الحية الأخرى.
وفعلاً توصلت إلى حل، أو بمعنى آخر إلى فكرة تبدو معقولة نوعاً ما، فشرعت على الفور في تنفيذها، أخذت قارورة ماء وذهبت إلى البحيرة، وهناك تصنعت أنها سقطت مني، كانت مفتوحة، وبمجرد أن لامست الأرض، صعقت مما رأيت، فما كادت قطرات الماء تصل إلى التراب الجاف حتى اختفت فجأة وكأنها لم تكن. لم تخلف بللاً، وبدت القارورة جافة تماماً، كما لو أنها بقيت تحت شمس حارقة لأسابيع عدة. حمدت الله في سري، فقد كانت تخميناتي صائبة، لقد تأكدت أن ثمة أثرا بقي من عملية النهب الهائلة التي لا يصدقها عقل.
هداني تفكيري إلى محاولة، أو بمعنى أدق تصنع الانشغال بأكثر من فكرة وشغلة في عقلي، فأعداء بهذه الصفة لا بد أن يكونوا أذكياء ذكاءً خارقاً. كان يبدو صراعاً غير متكافئ، بين الإنسان الذي كنت أمثله، بقدراته المحدودة، وقراصنة فضائيين لا أعلمهم، بل لعلهم يراقبونني الآن من حيث لا أشعر. وقد تأكد حدسي فيما بعد، أنني فعلاً تحت أنظارهم. كانت الأفكار تتوارد عليّ مثل المطر، الذي لن يراه مخلوق أرضي بعد اليوم إذا لم أتحرك بسرعة!
كانت فكرة مجنونة تلك التي دهمتني، لكن لم يكن أمامي غيرها، فعزمت على تنفيذها بسرعة وبدون إبطاء.
"خذي ما يكفيك من الماء لبضعة أسابيع، ودعيني أتصرف بالباقي". أخبرت "أنجل" التي، رغم ذكائها، بقيت لا تدري ماذا تفعل، ساكتة سكوتاً يبعث على الشفقة، كانت مرعوبة، لكن ثقتها بي جعلتها تتساءل: "وماذا سوف تفعل بالباقي؟!". سألتني في توجس، ليس خوفاً على الماء، ولكن خشية عليّ. "سأذهب به إلى حيث لا أعلم لإعادة مائنا المسروق!".
ها هو الماء نفسه سينقذنا، كما هي عادته، ويعيد إلينا الحياة، لكنه هذه المرة سيكون الوسيلة التي سأصل بها إلى حيث لم أتوقع. "أول مرة في حياتي أدرك أنك مجنون!". فعلاً كان كلامي كلام مجانين، ولولا تلك الحالة المجنونة لما أسمعتها ما قلت.
كانت فكرة لا تصدق، خصوصاً في ظرف مثل ذلك الذي تساوي فيه قطرة ماء كل أموال الدنيا، لكن لم يكن بد من المحاولة، فالجلوس للندب واللطم سيؤدي في الأخير إلى نفس المصير: الموت عطشاً. كانت أياماً عصيبة، ندرك أن ما معنا من ماء وطعام معلب سوف ينفد بأي حال من الأحوال، فكانت المحاولة هي آخر أسلحة المعركة؛ إما أن أصل إلى حيث النجاة، وإلا فالسلام على كل شيء، ولن ينفعنا تقنين المياه مهما كنا حريصين على الاقتصاد!
اختفى الناس، لم أعد أرى أحداً، أين ذهبوا؟! حتى الآن مازلت أتساءل: هل كان غيابهم من أمامي في تلك الأيام السوداء رحمة من الله حتى لا أنشغل بهم أو يعطلوني عن عملي، الذي لن يصدقه أحد إذا ما أتيحت له فرصة لقراءة هذه السطور!
كنت أشم رائحة نتنة لا تطاق، رائحة مسعورة تنتشر في كل مكان مثل ثعابين غير مرئية من سم زعاف، وأسمع طلق نار، فينقبض قلبي، فهذا يعني أن الناس قد بدؤوا القتال فيما بينهم من أجل شربة ماء. كنت أستشعر بهيمية بدائية تنهض من نومها، ولم تكن تعوزني المشاهدة، لكنني أدركت أن البقاء بلا شك سيكون للأقوى، ولكن يالسخرية المأساة! فقط إلى حينٍ تحدده كمية الماء التي في حوزة كل فرد، ومهما كانت كمية هذه المياه فسوف تنفد ويكون المصير هو الموت.
كانت مخاطرة جسيمة تلك التي كنت مقدماً عليها. ورغم جسامتها إلا أن فكرتها بسيطة، لكنها تحتمل إجابات عديدة، أسوأها وأكثرها خطراً الضياع في الفضاء، وهذا يعني موتي، أو الوصول إلى حيث أريد، أو البقاء مكاني، وهذا احتمال لا يقل سوءاً عن الضياع في الفضاء البعيد!
حقيقة، وعلى الرغم من محاولتي الإسراع قدر الإمكان، إلا أنني كنت أقلب الأمور من أوجه عدة، ومع ذلك وصلت إلى نفس النتيجة السابقة.. المحاولة، وقد فعلت!
دخلت معملي للمرة المليون، لعلِّي أجد شيئاً يعزز قناعتي أو أستعين به، لكن دون جدوى. آخر مرة، وقد أوشك اليأس أن يهزمني، فتحت الجهاز الإلكتروني الذي كنت أحتفظ فيه بتلك المخلوقات المجهرية (الرجاء العودة إلى فصل شهادة عالم أحياء للتأكد من المعلومة. انتهى) ووجدته جافاً لا أثر فيه لأي شيء يذكر، فقمت بإفراغ قارورة ماء في قلب ذلك الجهاز الذي يشبه أسطوانة مفرغة ذات حاسب الكتروني شديد الحساسية، وأقفلت على الماء لمدة أربع وعشرين ساعة، ثم قمت بفتحه بعد أن رججته بقوة، وشربت كل ما يحتويه من ماء. كانت الفكرة بسيطة، كما أشرت، فقد افترضت وجود شيء ما غير مرئي ساعد تلك الكائنات الدقيقة على النفاذ عبر زجاج الجهاز الفولاذي، إلى حيث هي الآن، مشبعة بالماء؛ وإذاً، فإذا كان الماء الذي شربته فيه أثر من تلك المادة التي شبعت بها الكائنات المجهرية، فمعنى ذلك أنها داخلي، وما هي إلا بضع دقائق حتى تصل بواسطة الدم إلى كل خلية من خلايا جسدي، وهذا ما كنت أريده بالضبط وأتمناه؛ كان لا بد من المجازفة، فالفشل قد يخسرنا مياهاً نحن في أمس الحاجة إليها.
"اسمعيني جيداً يا عزيزتي! الأمر أخطر من مجرد تصوره، لكن ما سأحاوله هو كل ما أقدر عليه، فإذا نجحت فأسأل الله التوفيق، وإن فشلت فلن يكون أمامنا غير الصلاة!". أدركت المسكينة أنني مقدم على عمل خطير لم تألفه مني في السابق، كما أنني لم أخبرها بالفكرة من قبل حتى لا أزيد من خوفها، أما وقد اكتملت الفكرة فلم يعد بد من مصارحتها. "لا تتركني لوحدي أرجوك!". كانت تبكي وردتي الغالية، فأخذتها بين ذراعي: "أنصتي لي جيداً يا أنجل! الظرف لا يحتمل العواطف، ولن أزيد في الشرح، لكن اعلمي أنني سآخذ لغايتي ما يكفي من الماء الذي بحوزتنا، ونذهب إلى البحيرة بعد منتصف هذه الليلة، وهناك سوف تصبين الماء دفعة واحدة على قمة رأسي، فإذا كانت هناك كائنات أو أشياء لا أدري بها في جسدي، من أثر شربي لماء جهاز المختبر، فسوف أختفي مع الماء باتجاه سراق مائنا الذين جاؤوا لمحونا من على وجه الأرض، وإن لم يحدث ذلك فسأعود معك لنموت معاً، ولا عزاء لنا سوى رحمة الله". ما كدت أكمل كلامي حتى انتفضت من بين ذراعي مذعورة وانفجرت بالبكاء أشد من ذي قبل: "يا إلهي! يا إلهي! كيف ستتركني هنا لوحدي!؟ وماذا لو حدث لك مكروه!؟ لا يا محمد، لا، لا!". وللحقيقة أقول إن عيني طفرت بالدمع خوفاً عليها، وتهيبت التجربة، لكنني تخيلت الأطفال وكبار السن والنساء، وكل بني البشر، وكل ذي روح، مع علمي الأكيد بأن الملايين قد لاقوا حتوفهم، في كل مكان، في المستشفيات والسجون والبيوت، في كل مكان يعيش فيه الإنسان، لكنني كنت مدركاً تاماً أنه لا بد من التضحية؛ ألا تستحق البشرية برمتها أن يضحي فرد واحد بحياته من أجلها؟!وذلك ما فعلت.
وما كادت زوجتي المرتعشة تفعل ما أمرتها به، بعد أن صرخت فيها بكل صوتي، وهي التي تهيبت الموقف، وما إن غمرتني المياه المسكوبة على رأسي، حتى شعرت بهزة قوية زلزلت أعماقي، أو كأن الكون بضخامته قد هجم وضمني إلى صدره حتى مزقني وحولني إلى ذرات صغيرة جداً، كما لو كنت حفنة من رمل جاف، ثم قذف بي إلى حيث لا يعلم إلا الله وحده.

 

***



الفصــــــــل الخامــس

 

 

قراءة في كتاب الأرض بعد اختفاء الماء


كانت السماء تبدو كصفيحة معدنية، لها لون شاحب بعد أن فقدت لونها الأزرق، جامدة لا حياة فيها، مثل جثة مقتولة منذ أمد بعيد، لا تخفق في فضائها أجنحة لأي طائر. وتوقفت الأشجار عن الحركة، فبدت مثل أعمدة حديدية صدئة نزعت منها الحياة.
الصور التي التقطت للأرض من الأقمار الاصطناعية، وأرسلت إلى مراكز الفضاء في أنحاء العالم، كانت مفزعة، لقد بدا الربع الترابي الجاف الذي تعيش عليه البشرية، كما لو كان على حافات عميقة متعددة، فالبحار والمحيطات والبحيرات والأنهار، ظهرت مثل حفر عملاقة خالية من الماء، كما لو أنها ثآليل قبيحة في وجه حسن. ولعل أبلغ تصوير لواقع الحال، هو تلك الصور التي أرسلت من الأقمار الاصطناعية، والتي أظهرت الأرض بوضوح ككوكب جاف، رمادي اللون يميل إلى السواد، فقد بريقه الأزرق الجميل، لون الماء المفقود.
كان العلماء في أنحاء متفرقة من الأرض في حيرة من أمرهم، فالذي حدث كان مباغتاً. فجأة نشفت المياه من كل شبر في الأرض، وهم لا يدرون سبباً لذلك. حاولوا الاتصال بذلك العالم الذي حذرهم دون جدوى، فأدركوا ساعتئذ فداحة عدم الاستماع إليه. لقد قال أحد العلماء الروس، مستهزئاً مما قاله الباحث "محمد" وهو يحاول لفت نظرهم إلى حجم الكارثة المقبلة، "هذا العربي رجل قيامي ،بمعنى أنه يؤمن بالقيامة، وبحلولها في أية ساعة، وأعتقد بأنه يخلط بين اللاهوت والعلم، ولذلك فأنا لا أصدق ولا أرى غضاضة في عدم تصديق ما قاله من هراء!".
كان تصريحاً موجعاً من ذلك العالِم، ولذلك فلم يحاول "د. محمد" الرد عليه، خصوصاً وأن رد العلماء كان مشابهاً على الرغم من احتمالاته التي أثبتها لما قد يحدث، لم يقتنع بفرضياته أحد، لكن وبعد حدوث الكارثة أخذوا يبحثون عنه في كل مكان، فلم يجدوه!
بدأت حرارة الأرض في الارتفاع. كان ارتفاعاً قاتلاً، جافاً، لا رطوبة فيه ولا بخار بعد ضياع الماء، حيث قضت الحرارة على الملايين، وبدأ الأوكسجين يتناقص بسرعة مرعبة. لم تعد هناك نفحة هواء، أو هبة ريح، فبدا الجو وكأنه مضغوط عليه داخل علبة حديدية قاهرة الحرارة، في جوف أتون ملتهب. وعلى الرغم من سرعة مبادرة حكومات العالم، في إرشادها لرعاياها بتقنين المياه الجوفية، إلا أن ما كان في حوزة الأفراد، لا يكفي لبضعة ساعات للأسرة الواحدة.
أدرك الناس في كل مكان أنهم يقفون أمام موت ماحق، فخرجوا إلى الشوارع والميادين، كقطعان مسعورة. وأخذوا، في سعيهم اليائس للبحث عن الماء، يحطمون كل ما يقابلهم، فخرجت كل جيوش الدول لمواجهة الفوضى، فأبادت خلقاً عظيماً، لكن اندفاع الناس العطشى، كان مثل السيول الهادرة التي تأخذ كل شيء في طريقها؛ دمروا المرافق، وبدأ الخراب العظيم، وأفلتت السيطرة من بين أيدي الدول، وبدأت الكوارث التي تقشعر لها الأبدان. كان العطش يمزق الأكباد، في آسيا وأفريقيا وأوروبا والأمريكتين واستراليا ونيوزلندا، وفي كل مكان يسكنه ويحيا فيه الإنسان، فلت العيار من قبضة السلطات، التي لم تقدر على التعامل مع الأمر الواقع وكارثيته، فتحولت الأرض إلى غابة يسكنها العطش والبطش.
انطفأت المولدات الكهربائية والنووية العملاقة التي تعتمد على مساقط المياه في تشغيلها، فعمَّ الظلام كوكباً يمزق سكانه بعضهم بعضاً، في حروب ضارية استعرت بلا مقدمات بحثاً عن ماء ضنين، كل واحد يريده لنفسه. لم يكن هناك ماء كثير، كان ما تبقى في الآبار أو الخزانات الحكومية، التي فُرضت عليها حراسات مشددة، وبدأت محاولات يائسة في حفر آبار أخرى، لتسد العجز الفادح في أغلى سلعة عرفها الإنسان. كذلك بدأ نظام الحصة والتوزيع، كوب ماء في اليوم؛ كان هذا في الدول التي استطاعت تدارك الموقف إلى حين. أما تلك الدول التي فقدت حكوماتها السيطرة على الأوضاع، فقد كان الناس فيها يتقاتلون كالوحوش الضارية، دون رحمة أو شفقة.
فرت الحيوانات كلها، وبمختلف أنواعها، من أوكارها، هرباً من ارتفاع درجة الحرارة الذي لا يطاق، وبحثاً عن الماء، هاجمت القرى والمدن والتجمعات السكانية، فكانت الصورة تبدو شديدة القتامة، أو كابوساً مرعباً ليس له نهاية، والأرض توشك على الانفجار من شدة الغليان، وتصاعدت غازات خانقة وقاتلة، فزادت من فداحة الخسائر البشرية في الأرواح.
أمام تلك المصيبة التي لم يعرف مثلها في التاريخ الإنساني منذ بداياته، خرج رجال الدين للاستسقاء والدعاء إلى الله أن يرفع البلاء عن أعناق الأمم.
أعلن الناس توبتهم واعترفوا بذنوبهم، مدركين أن القيامة قد قامت وحان وقت الحساب. بدأت الاعترافات والتضرعات تشق عنان السماء الميتة. اعترف الجميع بأخطائهم؛ القتلة، والساسة والعاهرات ورجال العلم والدين والكبار والصغار، النساء والرجال، الجميع كانوا يعترفون، اعترافات تقشعر لها الأبدان؛ الحكام اعترفوا بأنهم سفكوا الدماء في سبيل الحفاظ على كراسيهم، العلماء اعترفوا بتهويلهم لكل شيء، وكذلك أغلب رجال الدين أقروا بأنهم كانوا يتحدثون بسم الله في سبيل مصالحهم الشخصية. وعلى الرغم من موجة الاعترافات المدوية تلك، إلا أن القتال على الماء لم يتوقف لحظة واحدة، حيث كان الناس يهيمون على وجوههم بحثاً عن رشفة صغيرة تبلل حلوقهم الجافة، لكن لم يكن أمامهم سوى سراب غير مرئي، لا يسمن ولا يروي من ظمأ.
تنادى زعماء العالم وعلماؤه، للاجتماع والتباحث فيما جرى للأرض. وقد تم ذلك في مدينة نيويورك التي أقفرت من ساكنيها. وقد اكتظ مبنى الأمم المتحدة عن آخره، ذلك المبنى الذي كان فيما سبق يطل على المحيط، وها هو يشمخ في حزن على حافة اخدود لا حد له يعصف به جفاف مهول، كان ذات يوم قريب نهر ينبض بالحياة اسمه " هدسون".
قضى الزعماء والعلماء ثلاثة أيام في نقاشات ساخنة، شهدت في بعض الأحيان اشتباكات بالأيدي بين أعضاء الوفود. ثلاثة أيام كاملة، تطرقوا إلى عمل الحلول والسبل الممكنة، لكنهم عجزوا عن الوصول إلى حل مؤكد، واكتفوا بالتشديد، على ضرورة حفر الآبار وتبادل الخبرات في هذا المجال، على أن تكتفي كل دولة بما لديها من مياه.
"لقد اختفى الماء، ولا ندري سبباً لذلك". كانت البشرية تقف عاجزة عن الإجابة على أهم سؤال واجه الإنسان منذ أن سكن الأرض. وعلى الرغم من المعاهدات والاتفاقيات التي أبرمت بين كل الأطراف، إلا أنها لم ترَ النور، فاتسعت دائرة الحروب والاقتتال على الماء لتشمل العالم بأسره، بينما كانت "أنجل" وحيدة لا تدري ماذا يدور حولها، يأكلها خوف وحشي، في ذلك البيت المطل على بحيرة غدت جافة كان زوجها فيما سبق يُجري أبحاثه فيها، وحيدة إلا من دموعها، لا يواسيها سوى طفل رضيع ماتت أمه عطشاً وبضعة أُجراء ماتت كذلك أمهم من العطش.
لو أنهم، أولئك القادة، جدوا في البحث عنها وسألوها عن زوجها لأجابتهم، لعل ذلك يخفف من الفجيعة التي تعوي في قلوبهم، لكن لم يعرف عنها أحد.
كانت رائحة الموت تنبعث من جميع جثث المخلوقات التي لم تجد من يدفنها، رائحة ثخينة تكتم الأنفاس، زاد من غلظتها تلك الحرارة التي لا تطاق، وتجعل المرء يحاول الخروج من جلده!
كانت أياماً عصيبة في مرورها البطيء، يزحف عليها ليل طويل من الموت. مدن بأكملها أقفرت. حواضر واسعة خلت من سكانها، فهم إما ميتون، ملقاة جثثهم في الشوارع أو متورمة في البيوت، تنهشها الديدان أينما وجدت أجسادهم الميتة، وإما فارين إلى موت لا يدرونه، يتربص بهم في الطرقات. لا طائر يطير، لا حفيف أشجار، لا أصوات حيوانات،
الكل قضى ظمأً، كأن القيامة قد قامت فعلاً.
ولشدة الحرارة، ذاب الاسفلت في الشوارع، واندلعت الحرائق في الغابات والسهول والأودية والحدائق والمتنزهات، وحيثما وجدت أشجار أو حشائش، كانت حرائق مدمرة على الرغم من شح الأوكسجين.
والذي ينظر إلى الأرض من الفضاء الخارجي، سيراها كشعلة مظلمة في أوقيانوس كظيم. تلك الحرائق زادت من سوء الأمور، واستشرت، واستفحلت، واستحالت، وخرجت عن نطاق السيطرة، فلا يوجد ماء، أيًّا كان، لإخمادها، فالجميع كانوا مشغولين بإنقاذ أنفسهم. ثمة شعوب أبيد ثلثا سكانها عطشاً، أو قتلاً في الحروب، أو اختناقاً، أو حرقاً، فانتشرت الأوبئة الفتاكة، وأوشكت أن تقضي على الإنسان برمته. وحدها تلك الشعوب المتقدمة تكنولوجياً واقتصادياً استطاعت أن تتحكم في الموقف إلى حين، لكن، وما إن شح الماء الجوفي، واستنفادها لمخزونها الاستراتيجي رغم تقنينها الشديد، فقد خرج الملايين فيها بحثاً عن خلاص، وتم في تلك المدن والعواصم والشوارع والقرى، ما حدث بالضبط في بقية العالم التي عصف بها الجفاف قبلاً.
كان العلماء بدورهم في سباق مع الزمن لإيجاد حلول للمصيبة الهائلة التي تهدد الإنسان! جربوا السحب الاصطناعية، ففشلت، فلا يوجد ماء من الأساس، رغم شغلهم على المواد الكيماوية لخلق ماء، فاعترفوا أخيراً بفشلهم، وضاع آخر أمل كان ينتظره الناس، ولم يعد أمام سكان الأرض جميعاً سوى الاستعداد للموت! لقد جن مئات الآلاف من هول ذلك الظرف العصيب. ورغم دعائهم وبكائهم إلى الله، إلا أنه ما جد جديد، وظل الحال على ما هو عليه! هل كانت الذنوب أكبر من أن تغتفر؟! ذلك هو السؤال الذي كان يسأله كل إنسان لنفسه!
اجتاح الصدى كل شيء. كانت الأرض مثل كرة حديدية عملاقة في سواد بهيم، مزقها الصدى شر ممزق، سحبت الألوان الطبيعية، ولم يعد سوى لون داكن زاد من قتامة الوضع وسوداويته، وأخذت الحياة تلفظ أنفاسها الأخيرة على كوكب كان يضج بالكائنات، هذا الكوكب الذي شهد، عبر مليارات السنين، ملايين الحالات من التقلبات المناخية والجغرافية، والذي أطلقت على سطحه الابتسامات والضحكات، وسارت فوقه الأحزان والأفراح والأتراح والأماني، وأطلقت فيه قصص الحب وحكايات الغرام، وكتبت التواريخ عن الموت ومفارقة الأهل والأحباب والأصدقاء، وصنوف العجائب والغرائب والمفارقات التي لا تنسى.
هذا البيت الكوني الكبير المعلق في سماء الكون يدور حول نفسه، مثل نقطة تشع بالوجود وحب الحياة. مئات الحروب، عشرات الحضارات، ملايين العظماء والثوار والفقراء والمقهورين، والعذابات التي يستحيل وصفها، أو التعبير عنها.
من هنا مر الأنبياء والأتقياء، إلى أمم تكره كلمة الحق، بأحزانهم وانكساراتهم ودموعهم، وجحود أقوامهم البائدة. ومن هناك أقبلت المجاعات، والتناحرات، والعصبيات، وحب الذات، وعبادة القوة.
كم قصة حب خلدت! كم قصيدة حرى عاشت آلاف السنين تمجد الإنسان! كم مظلوم مات قهراً! وكم طغاة عاشوا مصابين بصميم شهواتهم وقسوتهم! كم عدد الآثام والمعاصي التي صنعت ما لون المظالم وأنين القهر في أقبية يسكنها معذبون لم يسأل عنهم أحد كلما صباح أشرق، وليل عسعس؟!
ومع ذلك ها هي الصفحة توشك أن تطوى، والخاتمة تتعملق، أمام العيون، هولاً جهنمياً اسمه العطش.
من سوف يذكر حنان العناق ولذة القبلة الأولى!؟ من الذي سوف يأتي لاحقاً ويدرك هول ما حاق بالأرض، ويعلم أن كل ما مر، بحلوه ومره، كان بمثابة الخميرة التي تشكلت منها عجينة الحياة!؟ والآن ها هو كل شيء ينهار دفعة واحدة، يضمحل كأنه لم يكن، تحرقه حرارة طاغية لا ترحم، ها هو كوكبنا الجميل يهوي أمامنا وفوق رؤوسنا، دون أن نستطيع فعل أي شيء يذكر، ها هو حلمنا الكبير يبدو مثل وجه بريء مزقته الأمراض!
هل هذه هي نهاية بيتنا الذي آوانا وضمنا بين جوانحه آلاف السنين!؟ لا أدري!! فثمة أمل يراودني بأن النهاية لم تحن بعد، وأن ما يجري أمامنا لا يمت إلى القيامة بأية صلة تذكر، لا من قريب ولا من بعيد، بل إن ما يجري هو حرب لا تكافؤ فيها، شُنت ضدنا دون سابق إنذار، حرب مجنونة، يقودها الذي يعرف قيمة الماء، الذي يعرف أين مكانه، ويعرف كيف أخذه ولماذا.
وحده يعلم أن القيامة ليس وقتها الآن، لكنه صنعها لنا. وها أنا أموت قبل أن أرى صدق توقعاتي، لكنني سأقولها مرة واحدة في وجهه، دون أن أخاف منه، أو تهيبني سطوته العمياء، ومقدرته الخارقة على المحو والتدمير. لقد كنت جباناً أيها العدو، كائناً من كنت، وتستحق الشفقة، لأنك لا تدرك قوة إرادة الإنسان، حتى وإن تصنعت ذلك، ولا تعلم مدى مقاومته، وعدم استسلامه للهزيمة*.

 

 

 

***

 

 

 


الفصــــــــل السادس



 

 

 

ماء مثل غمامة هائلة تغطي سماء الكون


قد أبدو كاذباً لو قلت إنني أعلم طريقة محددة لإعادة الماء. كنت غريباً في كوكب لم أعلم به من قبل، كوكب هائل أكبر من كوكبنا بمرات عديدة. كما لم أكن أتخيل عودتي. كان همي الماء. ولا أنكر أنني بتتبعي لسكان هذا الكوكب إنما كان يشبه الهروب؛ فلم يكن في مقدوري البقاء في الأرض لأشاهد الناس تفنى من حولي، أو أرى زوجتي تموت عطشاً أمامي، وأنا لا أستطيع فعل شيء لإنقاذها، لذلك قررت عدم الاستسلام.
كنت أحس أن كل فرد في الأرض، بل وكل كائن حي، يستنجد بي، ويدعوني للمقاومة، فأقدمت على ما فعلت وليس أمامي سوى خيارين، العودة بالماء، أو الموت. أيضاً ما حلمت بالمجد الذي سيقابلني عند عودتي. لم تكن تلك الأمور تهمني على الإطلاق. كنت أود العودة سريعاً إلى بيتي وزوجتي لنكمل حياتنا معاً، يحيط بنا إخوتنا البشر من كل مكان.
في ذلك الكوكب عرفت كم كانت حروبنا لا معنى لها، وعرفت أن الإنسان كائن عظيم، كما هو كائن ضعيف، ولعل أسباب ضعفه هي تلك الفوارق التي كان يصنعها ليحول بينه وبين أخيه الإنسان، وتلك الحدود المصطنعة التي جعلته يعيش في عزلة عن أخيه، كما لو أنهما يعيشان في عوالم متفرقة وليس في بيت كبير اسمه الأرض، يواجه خطر الدمار والخراب والموت. ما كان أحوج الإنسان لنفسه، بدلاً من تلك التمايزات والتباينات التي أضعفته وجعلته هدفاً سهلاً لكل من تسول له نفسه الاعتداء عليه! وهذا ما حدث بالفعل. لم أكن متقوقعاً أو عرقياً، كنت إنساناً وحسب، وها أنا أحاول محاولتي الأخيرة لإنقاذ عائلتي الإنسانية من الانقراض.
كانت تلك الأفكار تراودني فأشعر كما لو أنني يتيم لا أهل له، في كوكب لا أنتمي إليه ولم أسمع به من قبل أو أقرأ عنه. ولا أخفي سراً، أنني في أحيان كثيرة كنت أبكي بني جنسي في ضياعهم الذي يعصف بهم من جراء العدوان على مائهم، سبب حياتهم. وأقسم أنني لم أكن في يوم من الأيام حسوداً أو أنانياً لأحد، لكن ما رأيته أمامي جعلني أشعر بحقد عظيم على من سرقوا ماءنا، وأودوا بنا إلى موارد الهلاك!
كان الماء في كل مكان تقع عليه عيني، كما كان يخيل إليّ.
ذلك الإحساس جعلني أتخيل كما لو أن ماءنا الأرضي يستغيث بي. كنت مثل أب مكلوم يبحث عن ابنه المفقود في مدينة خائنة!
أفقت من غيبوبتي، التي لا أدري مدتها الزمنية، عارياً تماماً، لأجدني في حجرة كبيرة، يتخللها الضياء من كل مكان. كانت حجرة تشبه الزجاج، رُتبت أشياؤها بدقة فائقة. كنت مستلقياً على سرير وثير، يشبه غرفة صغيرة من حيث المساحة، مائل اللون، لا توجد فيه أغطية. كان ناعماً كما لو كنت أنام على ماء. في منتصف الحجرة انتصبت طاولة لها نفس لون السرير. كل شيء في الحجرة كان له نفس اللون. ليس ذلك فحسب، بل إن كل ما وقعت عليه عيناي كان له نفس اللون، مع فارق التركيز اللوني، المتدرج ما بين الغامق الكثيف بزرقته الفاتحة، أو بدرجات متفاوتة، أقلها الشفاف النقي الذي يشبه الماء. وعلى تلك الطاولة وضعت مزهرية رائعة التصميم، كما لو كانت تشبه قطرة مطر بحجم كبير.
كذلك كان هناك شاشة عملاقة تأخذ شكل جدار تعرض عليه أشياء تشبه أفلاماً، أو هكذا على الأقل رأيتها. كانت حجرة مثل أي حجرة في الأرض. الاختلاف كان في الألوان والمواد التي صنعت منها. كنت أتلفت مذهولاً. ثمة جمال لا يصدق فيما أراه، ثمة إتقان مستحيل الوصف. كنت ما بين الخوف والفضول. غابت قصة الماء عن ذاكرتي من جراء ما رأيت. اللوحات المعلقة على الجدران لأشكال لم أرَ مثلها من قبل، مناظر طبيعية، حيوانات خرافية تبدو الألفة واضحة في وجوهها. كانت تبدو حقيقية؛ نظراً لأن تلك التصاوير كانت تتحرك في إطارات اللوحات، كما لو كنت أشاهد تلفازاً.
وأشد ما لفت نظري هو تلك الدوائر المائية التي تشبه فقاعات الماء، كانت تنهمر من كل مكان ثم تختفي مشكّلة تشكيلات هندسية مذهلة. تلفتُّ يمنة ويسرة، علِّي أجد ما أغطي به نفسي، فلم أجد بغيتي. على يمين السرير مباشرة كان ثمة طاولة وضعت عليها كؤوس براقة تشبه الكريستال، وإلى جوارها دورق ممتلئ حتى منتصفه بسائل مائي. كذلك كان هناك طبق وضعت فيه ما يقارب الفاكهة في الشكل والحجم.
أخذت الدورق، وصببت كأساً وشربته. كان طعمه يشبه طعم الماء. لكن ما هي إلا ثوان معدودات حتى شعرت بنشوة خارقة تضج في عروقي، كانت نشوة لم أشعر بمثلها من قبل، نشوة شعرت بها في كل خلية من خلايا جسدي. لم تكن تشبه نشوة الكحول، كانت نشوة صافية، لا دوار فيها. تناولت إحدى القطع الموضوعة في الطبق تذوقتها. "يا للرب الرحيم!"، صرخت، وندَّتْ عني آهة طويلة، من روعة وحلاوة المذاق. وعلى الرغم من مرور وقت طويل على ذلك، وعلى الرغم من تذوقي لأطعمة ومشروبات أخرى، إلا أنني لم أنسَ المذاق الأول، ذياك المذاق الذي لا أستطيع وصفه حتى كتابة هذه السطور. كنت كما لو أنني في حلم لا أريد الاستيقاظ منه، ذلك المشروب المروي لفؤادي، وتلك الأطعمة التي ما تخيلت معها قط أنني عطشت أو جعت من قبل.
المفاجأة أن تلك الرائحة العطرية الزكية كان مصدرها عرقي الدافئ. يا إلهي! هل أنا في الجنة!؟ لعلّي فشلت في اللحاق بالغزاة، ولقيت حتفي، وها أنا في الجنة التي طالما قرأت عنها في الكتب الدينية، ففي الذاكرة الإسلامية أحاديث تقول إن سكان الجنة لا يتبرزون أو يتبولون، وكل ما يتناولونه من طعام أو شراب يخرج من البدن على شكل عرق أزكى من المسك؛ فهل أنا فعلاً في الجنة؟!
وبينما أنا مشغول بتساؤلاتي، تناهي إلى سمعي صوت موسيقي يبعث الأشجان، كان ثمة موسيقى تنبعث من حيث لا أدري، أخذت تعزف على أعصابي ألحاناً لم يجُد الزمان بمثلها من قبل. أحسست كما لو أن جسدي يتفتت ذرة ذرة، من رقة تلك الموسيقى السحرية. أوشكت على النوم، مثل طفل رضيع هدهدته أم حنون، حتى تذكرت ما أتيت من أجله، ففززت مذعوراً من مكاني، وأخذت بالصراخ "أين أنا؟! هل يوجد أحد هناك؟! أنا محمد، عالم الأحياء الأرضية، إنسان قدم من كوكب الأرض! هل هناك من أستطيع التخاطب معه؟! تعالوا! أين أنتم؟ لا تخافوا مني فأنا لا أعض! مجرد آدمي، أتى يبحث عن سر حياته، وحياة جنسه البشرى... هالووووووو! أجيبوني! ألا تسمعون؟!".
كنت أنادي بأعلى صوتي، بعد أن دهمني شعور بالخجل! فكيف أركن إلى الدعة وبني جلدتي يواجهون الموت!؟ هل ثمة أحياء في هذا الكوكب الصامت اللعين؟!
ما كدت أتفوه بكلماتي، حتى برز أمامي كائنان لا أدري كيف دخلا عليَّ، مع أنني لم أرهما، يقرعان باباً، أو يدخلان من نافذة. صُعقت، شلني ظهورهما المفاجئ. كانا يبدوان في أحسن صورة، كما لو أنهما ملكان كريمان، لهما بسطة واضحة، وطول فارع. ما كدت أتبينهما، حتى أتاني صوت أحدهما، واضحاً عميقاً دافئاً، لا رنة فيه ولا نشاز
- هل استيقظت أيها الإنسان؟!!
رنت كلمته الأخيرة في أذني، وهو ثابت الجنان يحدق فيّ بثبات عميق النظرات؛ ألم يكن هو الآخر إنساناً، كما يبدو من شكله وتفاصيل جسده؟!
- لا، لست إنساناً، فأنت أصلك من طين، وأنا أصلي من ماء!
- هذا في الأصل، أما بعد الخلق الأول فكلنا من ماء، أعني نحن معشر البشر، وأضفت مستعجلاً هل أنتم ملائكة؟!!
وجدتني مدفوعاً للتوضيح، متناسياً خوفي، حتى قبل أن أعرف أين أنا بالضبط!
كان المخلوقان يحدقان في جسدي العاري بعيون جامدة شديدة الجمال. فانكفأت أحاول ستر عورتي، لكنهما لم يبديا أية ذرة اهتمام.
⦁ لا، لسنا ملائكة، ولسنا بشراً.
⦁ أجاب الثاني بنفس هدوء صاحبه، ولم يبدُ عليه أدنى دهشة من وجودي في تلك الحجرة، كما لو كان يعلم ذلك من قبل. عرفت هذا من تحاورهما معي بهدوء، وكأنهما قدما فعلاً لمقابلتي. وأكمل الثاني كلامه..
⦁ كما أخبرك رفيقي، لسنا ملائكة، ولسنا من جنسكم، فأنتم خلقتم فعلاً من الطين أولاً، ثم من ماء مهين، وكذلك الملائكة خلقت من نور. أما نحن فأصلنا من الماء حتى الآن!
⦁ على كل حال - قال الآخر مقاطعاً - أنت مذنب، وعليك أن تحضر وتمثل أمام مجلس حراس الماء وقائده الأعظم، لينظروا في أمرك، وحتى ذلك الحين أنت حر في الذهاب إلى حيث تشاء.
كانا واقفين أمامي مثل عملاقين من بلور، يتناوبان الحديث معي، دون تأتأة أو تلعثم، كما لو أنهما قد حفظا مسبقاً ما يجب قوله لي، أو أنهما يقرآن ذلك من ورقة مكتوبة.
لم أحرك ساكناً بدوري، كنت أنصت إليهما في خشوع، كما لو أنني في صلاة صامتة. أكمل الآخر، حيث رأيته للمرة الأولى يحرك ذراعه التي كانت تظهر كما أنها ثابتة في جسده..
⦁ لا ترفع صوتك إذا أردت شيئاً، ولا تتحامق أو تثير الفوضى، فثمن الحماقة وإثارة البلبلة في كوكبنا الأبيض المائي، كوكب الأمن والسلام والسكينة، هو تحويل الأحمق إلى ماء، كائناً من يكون.
كان كلامه يشبه الوعيد، لم يبدُ عليه أنه يمزح أو يتصنع التهديد، فقد كان يعني ما يقول، حدست ذلك من تلك الثقة المفرطة التي كانت تنبع من كلامه.
كنت أهز رأسي موافقاً، فالأمر برمته لا يبدو شيئاً مقلقاً جداً، خصوصاً مع حرية الحركة التي "منحناها لك". أكمل زميله بصوت ناعم لا ميوعة فيه، كما لو أنه يرحب بي، أو يعتذر مني على ما تفوها به من أوامر تشبه الوعيد:
⦁ نحن لا نكره الغرباء، مع أنك الغريب الأول الذي تطأ قدمه كوكبنا. وليس من صفاتنا الكراهية، ولكنها قوانيننا التي يجب عليك الالتزام والتقيد بها، إذا أردت ألاَّ يضايقك أحد. وإذا ما أردت شيئاً عليك أن تسأل أي شخص يقابلك، وسوف يخبرك ويجيب عليك بما تريد، في حدود ما يقدر عليه!
⦁ لكنني لا أستطيع التحرك عارياً!
شجعتني ليونتهما على التساؤل، ولم أتصنع شجاعة كاذبة، فقد كنت خائفاً منهما، فلم أكن أدري ماذا سوف يفعلان بي، خصوصاً وأنها المرة الأولى التي أحتك فيها بأحد سكان ذلك الكوكب، الذي أحنُّ إليه في بعض الأحيان، أحنّ إلى الهدوء والشعور بالأخوة، والحياة السهلة والممتعة والمدهشة. كانوا مخلوقات مائية رائعة، لا يوجد بينهم الحسد، ولا حب التسلط. كانوا متساوين في كل شيء، وكان كل واحد منهم يعرف ما عليه فيؤديه بدقة وأمانة. كانوا مجتمعاً وكائنات تشبهنا نحن البشر في أشياء كثيرة: الإيمان، والتكافل، والحب للأطفال، ولإناثهم، وكذلك في حبهم للحياة... كانت نظرتهم وفلسفتهم للأشياء بسيطة وخالية من التعقيد، رأيت ذلك في تجوالي الطويل بينهم، وفي مدنهم الجميلة. كنت أتمنى من صميم قلبي لو أن مجتمعنا البشري يصل إلى رقيهم الحضاري. كانت حضارتهم تعتمد على حب الفرد للآخرين، وعندما أسموا كوكبهم بـ"الكوكب الأبيض"، فقد صدقوا في تلك التسمية، فكل أفعالهم بيضاء، لا شوائب فيها ولا أحقاد، ولا يعرفون الحروب، لكنهم يعرفون جيداً كذلك كيف يستطيعون الدفاع عن أنفسهم أمام غزاة الفضاء والغرباء. وكثيراً ما كنت أحدث زوجتي "أنجل" عنهم وعن طيبتهم، بل إنني في مرات عديدة، كنت أجد لهم أعذاراً فيما صنعوه بنا من دمار، من جراء استيلائهم على مائنا بالقوة؛ فبقدر ما خلفوا وراءهم من كوارث، إلا أنني بت أعتقد الآن بعد مرور وقت طويل على ذلك التاريخ المروع، أن بقاءهم أحياء وحفظهم لوجودهم، رغم الثمن الباهظ الذي دفعه الإنسان، كان بقاءً ضرورياً لجنس مثلهم في الكون، على الأقل لما يمثلونه من حب ودعة، جديرين بكل المخلوقات العاقلة التي تعيش في مفاوز الكون السحيق.
لقد رأيتهم كما لو كانوا رسل السلام والمحبة إلى الكون قاطبة، مع أنني وقفت أمامهم في مرافعاتي العديدة دفاعاً عن حقنا في الحياة مثلهم تماماً، بل ونعتُّهم بأبشع الصفات. وعندما أرى حجم الخراب الذي خلفوه وراءهم نتيجة لغزوهم العاصف، أحاول تذكر ماذا صنع الإنسان بأخيه الإنسان عبر مئات وآلاف من السنين، من بطش وحروب، فأجدهم أعدل منا بمئات المرات؛ على الأقل لقد دفعوا تعويضاً ضخماً تعيش بفضله الإنسانية أزهى وأعظم أيامها منذ أن خلقت.
كان حنينا مشوشاً بعض الشيء، فعلى الرغم من صدق ذلك الحنين، إلا أنني لا أستطيع نسيان كوني كنت بينهم محض غريب لا جذور له ولا صفة مقنعة تخول لي البقاء بينهم. لقد كانوا مخلوقات أخرى أكثر تحضراً منا في كل شيء، على الأقل احترموا وجودي بينهم، وعلموني ما لم أعلم أو يعلمه إنسان من قبل. ولن أنسى ما حييت كيف أن بعض الأفراد والمؤسسات، بل والدول، حاولوا استقطابي إليهم، في محاولة منهم للاستفادة مما رجعت به من علوم تفيد الأرض. لقد عدت وكلي أمل في أن نتعاون جميعاً نحن معشر البشر، في إعادة الإعمار وتضميد الجروح، لكنني رأيت عكس ذلك تماماً، رأيت منطق القوة هو المسيطر والمحرك لكل نواحي الحياة. ولعل نظرتي هذه مرجعها إلى تأثير تلك الفترة التي قضيتها في كوكب البياض والصفاء، لكنني فوجئت بما رأيت وشاهدت وعاينته عن كثب. ولولا إصراري على التجرد من أنانيتي، لبعت نفسي رخيصة لمن دفع أكثر، لكنني كنت أراني مسؤولاً عن كل كائن حي، فواصلت عملي، مستفيداً مما تعلمته هناك من علوم ما كان الإنسان ليصل إليها إلا بعد ملايين السنين.
ولعل أهم تلك العلوم هو علاج الأمراض التي وقف أمامها عقل الإنسان عاجزاً عقوداً طويلة، وكذلك المثلث الصغير المبهر الألوان، الذي كان يستدر الأمطار في أي مكان، مهما بلغت درجة قسوته المناخية.
أشعر بحنين، نعم، لكن ذلك لم ينسني لحظة واحدة أنني إنسان أولاً وأخيراً، وحياتي لن تكون سليمة وحقيقية، بل وممتعة، إلا بين أبناء جنسي، مهما كانت الإغراءات وسهولة العيش في مكان آخر.
⦁ ليس في ذلك ما يضير، فالجميع هنا لا يعنيهم عُريك في شيء، لا تنسَ أنك لست منا، كما أنك لن تبدو محل فرجة من عملك هذا.
كانا عاريين مثلي تماماً، لا تبدو سوأتهما واضحة.
⦁ هل تريد شيئا ما قبل أن نتركك؟!!
⦁ ألن أتوه لو خرجت من هنا بمفردي؟ وألن يطاردني أحد أو يؤذيني شخص ما؟!
ليس من الخجل تصوير حالتي آنذاك، فقد كنت خائفاً بالفعل مما ينتظرني من أشياء، لذلك بادرت باستفساري دون إبطاء.
⦁ لا تقلق! فأنت تحت مراقبتنا أينما ذهبت. أما من ناحية الخوف من الاعتداء، فهذا ليس في قاموسنا. اخرج وتأكد بنفسك، إنك لن تجد أماناً كما تجده هنا، ولا حتى في كوكبك الأرضي نفسه.
هززت رأسي موافقاً. وما هي سوى طرفة عين حتى اختفيا كما لو أنهما لم يكونا أمامي قبل أقل من ثانية.
قمت من فوري استعداداً لمغادرة الحجرة، وجلت بناظري في أنحاء المكان، علّي أجد ما أستر به نفسي، فلم أجد شيئاً يذكر، توجهت للخروج. كان هناك ثمة باب في أقصى الحجرة من الجهة اليسرى، يفضي إلى شرفة واسعة، وقفت عليها أشاهد الإعجاز في الإعجاز العمراني. كانت تمتد أمامي مدينة خرافية لا توصف، شامخة البنيان، لها قباب ضخمة في غاية الإتقان. كان يوجد على يمين الشرفة الواسعة ثمة سلالم حلزونية التصميم، نزلتها، حتى وصلت إلى حديقة تشبه حقلاً واسعاً، رأيت فيها أطياراً عجيبة، مخلوقات بعضها لا أجنحة لها، وأخرى لها أكثر من جناحين، كانت جميلة وتبدو ودودة، أتى بعضها وحط على كتفي، فلم أشعر بوزنها، كما لو أنها خلقت من الهواء.
قلبت بصري في الحديقة، التي كانت مضيئة، نثرت على أرضها ما يشبه قطرات المطر، فزادت المكان روعة وجمالاً.
كانت الحجرة التي كنت فيها تقع في مبنى من طابقين، له قبة كبيرة بلون الماء. ويقع ذلك المبنى على تلة صغيرة تشرف على المدينة من بعيد. "يا رب السماوات!". كان كل شيء يبدو كما لو أنه بني من الماء. كانت مدينة سحرية، لم أرَ مثلها ولن أرى في مستقبل الأيام حين عودتي إلى الأرض. كانت تبدو كما لو أنها مدينة أرضية من حيث النظرة الأولى. لعل أحد الفوارق -إن جازت التسمية- هو تلك المباني الشاهقة، التي تعتليها قباب ضخمة، وذلك الضياء الخارق المريح للنفس والبصر، الذي يعم الفضاء، وأيضاً ذلك النقاء المذهل الذي يحيط بكل شيء.
كانت جغرافية أخاذة مترامية الأطراف.
لمست جدار المبنى الذي أسكن فيه، فوجدت الجدران شديدة الصلابة، كما لو كانت قُدَّتْ من فولاذ. كان مبنى حقيقي على يميني، مساحات متقنة التصاميم، تتحرك فيه مخلوقات تشبه المخلوقين اللذين زاراني في الحجرة، تتحرك في اتجاهات مختلفة كما لو أنها تتريض. توجهت إليها وأنا متوجس، فهذه أول تعامل مع الآخرين بعد ضيفَيِ الحجرة سأتعامل معهم. كنت قلقاً بعض الشيء، فشكلي سوف يلفت الأنظار. كنت أضع في رأسي احتمالات عدة لما قد ألاقيه في تجوالي، لكنني واصلت طريقي في درب مفروش بحصى أبيض يشبه الإسفنج، كنت أحسه تحت قدمي الحافيتين.
قابلت في سيري بعض الأشخاص، كانوا يبتسمون لي بود، فأنزل ذلك الطمأنينة في نفسي، زال عني الخوف والتهيب. عرفت الإناث من أجسادهن، فقد كُنَّ يشبهن نساءنا من حيث تفاصيل الأبدان، حتى مقاييس الجمال كانت متفاوتة من واحدة إلى أخرى، لكنهن في المحصلة النهائية شديدات الجمال.
كذلك كانت تفاصيل الذكور، تشبه أجساد الذكور البشرية، لكنهم أكبر منا وأكثر بسطة.
كنت أشعر بحرج عندما تلتقي نظراتي بعينَيْ أنثى تمر من جواري. كان عريي واضحاً للعيان، لكنني لم أرَ استغراباً أو تعجبا في عيونهن، فتوقفت عن الإحساس بالخجل، فعريي كما قال زائري الحجرة لا يعني شيئاً لأحد.
واصلت تقدمي باتجاه الملاعب، راقبت المتريضين، فوجدتهم يقومون بألعاب تشابه بعض ألعابنا، مثل الركض، أو المنافسة على شيء معين غير مرئي يعتمد على مبدأ رقمي محدد سلفاً، كما علمت فيما بعد أثناء ما كنت أقوم بطرح الأسئلة على البعض. الشيء المشابه في تلك الألعاب وجود فريقين متنافسين، يسعى كل منهما لهزيمة الفريق المنافس.
قضيت وقتاً لا بأس به في مشاهدتهم. وكلما وقعت نظرة أحدهم عليّ يبتسم في وجهي، سواءً كان ذلك من المتفرجين أم من اللاعبين. لكن أروع ما واجهني هناك، أعني على مدرج الملعب، قصدي أحد الملاعب، حيث كان يتقابل فريقان متنافسان، رؤيتي لطفل صغير يتقدم باتجاهي، لم ينهره أحد، وعندما أصبح أمامي هزني، كما يفعل أي طفل أرضي، يشده الفضول..
⦁ من أنت؟!
التفتُّ إليه بود. كانت المرة الأولى التي أرى فيها طفلاً من أطفال ذلك الكوكب. فيما بعد سيأخذونني إلى مدارس الأطفال ليشاهدوني ويطرحوا أسئلتهم عليّ. كنت أستمتع بتلك اللقاءات، فأنا بطبعي أحب الأطفال، حتى لو لم يرزقني الله ببنين أو بنات، كنت أحس بينهم بأبوتي، تلك الأبوة التي حرمت منها زمناً طويلاً، حتى تم علاجي على أيدي علماء الكوكب الأبيض، حيث سأرزق بخمسة صبيان وثلاث بنات.
كنت مستعجلاً على الأبوة بعد حرمان طويل، وأظن أنه كان مقدراً لي أن أذهب إلى ذلك الكوكب، كما لو كنت في رحلة علاجية. وعندما كنت ألعب مع صغاري، أتذكر الأطفال الذين قابلتهم في كوكبهم البعيد، فلا أجد فرقاً كبيراً، فالطفل هو الطفل برأيي، حتى لو اختلفت الجغرافية، أو تفرقت صلة التواصل بين الكواكب.
رزقت بثمانية أطفال، كانوا في غاية الجمال والذكاء.
وعندما أتذكر قصتي مع "سماثمانا" أبتسم في قرارة نفسي لغرابة تلك التجربة؛ أنثى، من سكان كوكب لا يعرفه أحد، تقع في حب كائن أرضي. ومع استحالة التقائنا جنسياً إلا أنني أتخيل في أحيان كثيرة متسائلاً: ترى لو أنه كان من الممكن التقاؤنا جنسياً عبر تزاوجنا، كيف كان أطفالنا سيكونون؟! وما هي الصفات التي سيولدون بها؟! هل كانوا سيأتون كأبيهم، أم أنهم سيشبهون أمهم؟!
كذلك لو تم مثل ذلك القران، هل كنت سأبقى في ذلك الكوكب، أم سأحضر زوجتي معي؟! وأيضاً كيف كان الحال سيكون عندما أعود بزوجة من كوكب آخر؟! كيف سيتقبلنا سكان الأرض؟!... كانت أسئلة تبعث على الضحك وأنا أتخيل زوجتي القادمة من الكوكب الأبيض، وهي تقف أمام زوجتي الأرضية، زوجتي "أنجل"، التي كنت أداعبها أحياناً بقولي إنني كنت على وشك الزواج من أنثى أكثر منها جمالاً، فترد عليّ متبرمة: "هل ذهبت كل تلك المسافة الهائلة وضحيت بحياتك من أجل زواج جديد؟! إذا كان الحال كذلك، لماذا لم تختصر المسافة والوقت وتبحث لك عن امرأة أرضية وتكفي نفسك عناء المشقة!؟ إنكم فعلاً معشر الرجال لا مأمن لكم، حتى لو كنتم في مجرة أخرى".
فأرد عليها ممازحاً، "لقد كانت جميلة، وأنت تعرفين ضعفي أمام الجمال!". فترد حنقة، وقد أخرجتها عن طورها كلماتي، "لعلك لم تعد تحبني، وهذا هو الأمر، لا أكثر ولا أقل! ". فيزداد ضحكي، لكنني لا أتوقف عن مماحكتها، "هل تعلمين يا أنجل أنها كانت تغار منك؟!".
وعند ما رأتني مستمراً في مماحكتها، ردّت عليّ بما يشبه الحكمة، "إن الأنثى منا تفضل الموت على أن يأتي رجلها بامرأة أخرى عليها، والأنثى الحقيقية التي تحترم أنوثتها هي التي تشعر بالغيرة على من تحب، ليس ذلك فحسب، بل وتستعد للقتال إن دعتها الضرورة إلى ذلك".
كان جواباً مفحماً بالنسبة لي، فقد شهدت هذا بنفسي مع "سماثمانا"، وكيف أنها كانت على استعداد لفعل أي شيء يرضيني، ليس حباً فقط، بل وغيرة من "أنجل" التي لا تعرفها إلا من خلال مشاهدتها عبر شاشة المراقبة التي كانت مسلطة عليّ عندما كنت
لا أزال على الأرض أحاول قصارى جهدي الوصول إلى حل أو طريقة تمكني من مطاردة من سلبوا ماءنا.
كل هذه الأفكار تداعت إلى ذهني عندما وخز ذلك الطفل يدي في فضول واستغراب، يسألني من أنا، والذي أجبته بدوري:
⦁ إنسان.
⦁ ماذا يعني هذا؟!
⦁ كائناً حيًّا من كوكب آخر.
⦁ أين يقع هذا الكوكب؟
احترت في الإجابة، فأنا لم أكن أدري بعد أين يقع كوكبهم حتى أستطيع تحديد الأرض وموقعها بالضبط.
⦁ في مكان بعيد.
⦁ وهل يوجد مثلك الكثير هناك؟
⦁ نعم.
⦁ ماذا أتيت تفعل هنا إذاً؟!
كان سؤالاً صعباً، لكن وقبل أن أجيبه، أقبلتْ أمه كما ظننت وأخذته بعيداً وهي تعتذر لي عن فضوله. في الحقيقة لم أتضايق، فقد كان بإمكاني الإجابة عليه، لكن ترى هل كان سيفهم لو أنني أخبرته أن قادة كوكبه سرقوا ماءنا، وعرضوا ملايين الكائنات للموت، منهم الأطفال!؟ هل كان سيفقه قولي لو قلت له إنني أتيت إلى كوكبهم لأطالب بما سُرق منا، حتى لا يموت المزيد من الأطفال!؟ وهل كان بمقدوره، وهو الطفل الصغير، أن يعي حجم الدمار الذي خلفه وراءه فعل السرقة الوحشي لماء الأرض!؟
كانت أسئلة لم أستطع الإجابة عليها حتى الآن، لكنني متأكد أنه عندما يكبر سيعرف كل ذلك لوحده، لكن ترى كيف سيكون حكمه على ما جرى؟! إنه سؤال حري بي أن أسأله لطفل أرضي، فإجابته هي الإجابة الحقيقية التي لها معنى. ولعل الطفل الصغير الذي أنقذته "أنجل" هو الوحيد الذي له حق الإجابة، فهو الذي تضرر وفقد أمه، وليس ذلك الطفل الذي لم يدفعه لطرح الأسئلة سوى الفضول، وشتان ما بين سؤال الفضول وسؤال المساءلة، إنه سؤال الزمن وحده يعرف الإجابة عليه!
ذهبت بعيداً في تلك المدينة، وفضول الصغير يدفع بعشرات الأسئلة إلى رأسي، لكن انشغالي بمراقبة الأشياء من حولي أنساني إياه وأنساني أسئلته التي قد ينساها عندما يكبر.
قابلت الكثير من سكان كوكب الماء. كانوا يتشابهون في اللطف. سرت في أماكن وشوارع وساحات. قضيت وقتاً طويلاً في التجول، ورأيت مركبات تطير، وأخرى تسير على طرق معبدة. لم تكن هناك إشارات مرور، ومع ذلك لم أشاهد حادثاً واحداً. صعدت عمارات ودخلت محلات، عارياً ما زلت، تقابلني الابتسامات أينما حللت. كنت مثل سائح أتى من دولة أخرى.
أدركني الجوع. وبينما أنا في تفكير عميق، كيف وأين يمكنني إيجاد طعام؟! فإذا بمن يدعوني إلى محله. كان مطعماً كما يبدو. دخلت، وباشرني بطعام لذيذ، ومشروب أعاد إليَّ حياتي. وعلى الرغم من قضائي ساعات طويلة في التجول، لم أشعر بالملل. كان كل شيء مبهراً بالنسبة لي، كل الشوارع والساحات، وأينما حللت، نظيفة، ولا يوجد أي أثر للفقر أو الفاقة. علمت ذلك عندما زرت أماكن أخرى لاحقاً، الحركة في كل مكان لا تتوقف. "ألا ينام هؤلاء القوم ؟!"، سألت نفسي. ثم أين الليل ؟!.
كان يومهم نهاراً كاملاً لا يتبعه ظلام. أدركني التعب، ففكرت في العودة إلى الحجرة التي وجدت نفسي فيها أول مرة، لكنني كما يبدو قد أضعت الطريق. كان موقفاً صعباً لرجل عارٍ يبحث عن مكان ينام فيه. وبينما أنا في حيرتي، إذا بامرأة تدعوني إلى البيات عندها. ما كان يدهشني حقاً فهمهم للفتى، مع أن حوارهم وحديثهم يدور بواسطة التخاطب بالذهن مباشرة. كانت أنثى جميلة. انتابني هاجس بشري دنيء، لكن حيادها في التعامل معي، جعلني أدرك خطأ اعتقادي. أدخلتني تلك المخلوقة إلى بهو واسع. أخبرتني أن ثمة آخرين ينامون. وعندما سألتها.. أين؟، أشارت إلى اسطوانات زجاجية ضخمة، رصت جنباً إلى جنب. وقبل أن أدخل أحدها تبعتها. لكن الفضول دفعني لألقي نظرة على بعض الأسطوانات. كانت فارغة إلا من ماء يبدو متجمداً رجراجاً، كما لو كان حلوى أذابتها حرارة فاترة. سألت السيدة عن ذلك، فأجابت:
- هؤلاء نزلاء نائمون.
⦁ لكنني لم أرَ سوى ماء الزجاج يشبه المطاط!
ابتسمت ابتسامة رائعة، بينما أحدق فيها ببله.
⦁ إنها طريقتنا في النوم، نذوب طوال السبات، وعندما يستيقظ أحدنا يعيد تشكيل نفسه من جديد.
⦁ أليس في هذا خطر على الحياة؟
⦁ لا، فأجسادنا كتلة واحدة غير قابلة للتشظي.
⦁ ماذا عني...؟! هل ستذوبوني أيضاً؟!
أعادت الابتسام مجدداً في وجهي، مثل معلمة تعلم تلميذاً لا يفهم بسرعة.
⦁ كلا، الوضع معك مختلف، أنت إنسان، وغير قابل للذوبان، لأن أصلك صلصال، وهناك فرق كما أرى، أليس كذلك؟
أومأت برأسي موافقاً. فتحت باب إحدى تلك الأسطوانات، ودعتني إلى الدخول، وقد فعلت. كانت الأسطوانات رحبة من الداخل، على عكس ما رأيت في الأسطوانات الأخرى، فردت مسرعة بعد ما قرأت أفكاري:
⦁ إنها مفصلة لتناسبك.
⦁ وكيف عرفت ذلك؟
⦁ نحن كلنا نعرف كل شيء عنك.
⦁ كلكم!؟ من تعني؟!
⦁ أعني كل سكان كوكبنا.
⦁ وتعرفون أنني أريد أن أقضي حاجتي إذا أردت؟
⦁ لن تحتاج إلى ذلك.
⦁ ماذا تعني!؟
⦁ لأن ما تأكله أو تشربه يتبخر في جوفك، مباشرة. بمعنى آخر أنت لست في حاجة إلى استخدام جهازك الهضمي. وكل ما ينتج عنك من فضلات، يخرج على صورة عرق.
ودّعتني وذهبتْ في غمضة عين. استلقيتُ على سرير كان أمامي، وأخذت أفكر في كل ما رأيت، حتى دهمني النوم، كان نوماً طويلاً هنيئاً، لم تراودني فيه الأحلام، فما رأيته كان يشبه التعريف بالكوكب، كان تعريفاً غير مزعج، كان يصب في دماغي مباشرة، رأيت آفاقاً واسعة من ماء، ومدن، ومخلوقات عجيبة لن تتاح لإنسان غيري رؤيتها. عندما استيقظت وجدت طعاماً بجواري، كان له لون الماء، وإن اختلفت تشكيلاته. كان لذيذاً، لذة لا تشبه ما ذقته أثناء تناولي لطعامي السابق. كنت أفكر بالاغتسال، فإذا بي محاطاً برغوة مائية كثيفة هجمت عليّ في مكاني، وأخذت تدور وتحتك بجسدي.
اختفى السرير إثر ذلك، وبدوت كما لو أنني أغتسل في حمام خاص بالاغتسال. وعندما رأيت وأحسست بأنني قد أخذت كفايتي توقفت الرغوة، واختفت كما أتت، مخلفة وراءها شعوراً عظيماً في نفسي بالنظافة والنشاط. خرجت إلى الشارع وكلي شوق وفضول لمواصلة الاستكشاف، فوجدت نفس الحركة ونفس الوتيرة التي رأيتها قبل ذهابي إلى النوم، وكأن هؤلاء القوم لا يتوقفون عن الحركة. عاودت تجوالي في قلب تلك المدينة الهائلة، التي لا يوجد فيها أثر للزحام، رغم كثرة المخلوقات. رأيت تماثيل ونصباً شديدة الجمال والروعة. وثمة أمن يلامس أعماق روحي. زالت مني الرهبة، وبدوت لا مبالياً تجاه أي خطر، فليس هناك ما يخيف.
أذكر أنني سألت أحد العلماء هناك عن حياتهم
⦁ هل كوكبكم هذا كوكب يوتيبي..!!، أعني كوكب فاضل؟
حاولت أن أوضح له مقصدي، لكنه قاطعني.
⦁ لا، ليس كذلك، نحن مجتمع عادي، فينا الغني والفقير، الشيخ والشباب. أنا أفهم قصدك، نحن على العكس من ذلك تماماً، فهناك نظم وقوانين تُسيّر نظام حياتنا بالعدل، والجميع متساوون في الواجبات والحقوق، فينا المعلمون، والحرفيون،والفنيون، والمبدعون، إننا نشبه مجتمعكم البشري في أشياء كثيرة تقريباً؛ لكن لا يوجد بيننا بؤساء أو مرضى أو ذوي عاهات. نحن مجتمع وأمة صحيحة، والجميع يسعون لأرزاقهم، كلاًّ حسب موقعه ودرجته، بمعنى أننا رغم العظمة التي تراها ما زلنا نسعى إلى الكمال، دون حروب أو عداوات أو أحقاد، وقوانيننا هي الفيصل في كل أمور حياتنا، وقوانيننا هي قوانين دينية، تتبع ما أراده لنا خالقنا الحكيم من جهة، بالإضافة إلى اجتهاداتنا الذاتية. إننا والجنس البشري نتشابه في أشياء كثيرة جداً مع بعض الفوارق بالطبع.
كنت كثير الأسئلة، وكانوا صبورين معي، ولا غرابة في ذلك، فلو كان أحدكم في مكاني لفعل ما فعلته بالضبط.
كان الجمال مقيماً في كل شيء أمامي، صغر ذلك أم كبر، مما جعلني أتساءل: "إذا كان الجمال صفة هذا الكوكب، فلماذا لجأ سكانه إلى زرع القبح والموت والخراب في أرضنا؟!".
ذلك السؤال لم أجد أحداً بجواري يجيبني عليه. كنت كلما توغلت في المدينة أكثر هاجمتني الأسئلة بضراوة، خصوصاً عندما كنت أشاهد ذلك الكمال الخارق، آفاقاً واسعة من ماء أو إبداع، وبياضاً آسراً يشع من كل مكان، بياض النعيم والرفاهية والشعور بالدعة والأمان. وفي إحدى المرات دهمني غضب عظيم، خصوصاً وأنني حاولت أن أبدو لا مبالياً، أو على وجه الخصوص، حاولت التظاهر بأنني قد نسيت ما جئت من أجله، وأخذت أطرح أسئلة، اجتهدت أن تكون عادية بريئة القصد والنية، عن الماء وكيف يمكن التحكم به، أو كيف يمكنني العودة إلى كوكبي، لكنني كنت أُجابه بصمت قاتل من كل شخص سألته، فأحسست بالغضب، وجعلني ذلك أظن أن تلك الطيبة والابتسامات التي كنت أجدها أمامي أينما ذهبت ما هي إلا محاولة لإلهائي عن مقصدي، فصرخت أثناء ما كنت أسير على ضفاف بحر عظيم من الماء العذب، تذوقته في شوق وفقد، كما لو أنه ماؤنا المسروق، فاض بي الكيل، فلم أقدر على التحمل، فخرجت الكلمات من فمي كالرصاص "يا قتلة، يا سفاحون، يا أبناء العاهرات! هناك جنس بشري برمته يتعرض للمحو، بينما أنتم في نعيم، ولا تحسون كبر وبشاعة جريمتكم، يا قتلة، يا قتلة! أعيدوا ماءنا، أيها اللصوص!".
ما كدت أنتهي من سورة الغضب التي اجتاحتني مثل كتلة من النار، إلا وذانك الشخصان، اللذان رأيتهما أول مرة في تلك الحجرة التي لا أدري أين تقع، يقفان أمامي، كما لو أنهما أتيا من الجحيم.
⦁ إلى هنا ويكفي! فقد حذرناك من إثارة الشغب، وها قد خالفت ما أمرناك به.
قال أحدهما واضعاً يده على كتفي، كانت ثقيلة، فقررت المقاومة، بل والعراك معهما، لكن ثقل تلك اليد اللعينة ثبتني مكاني، ورأيتني جامداً مثل لوح من ثلج. حملاني كصندوق فارغ، والغضب يشتعل داخلي، لكنني ما استطعت الحركة، كنت مشلول الأطراف. وضعاني في مركبة كانت محلقة بالقرب مني مع أنني لم أرها من قبل. وبمجرد أن أشار إليها أحدهما بيده أقبلت طائعة كما لو كانت دابة مروضة. حلقا بي لا أدري إلى أين. حاولت الصراخ، لكن لم يطاوعني لساني، كما لو أن فمي مغلق منذ مليون عام. عقلي وحده من مكان يعمل، فبدأت الحوار معهما بتوارد الخواطر..
⦁ إلى أين تأخذاني؟!
⦁ إلى مجلس حكماء الماء.
⦁ أعيدوا ماءنا أيها اللصوص!
⦁ ماذا تعني كلمة "لصوص"؟!
⦁ الذين يأخذون كل شيء غصباً.
⦁ لسنا منهم.
⦁ وماذا عن مائنا؟!
⦁ إنه ملكنا وقد استرجعناه.
⦁ وبأي حق فعلتم ذلك؟!
⦁ نحن نضع الحق المناسب لنا، ولا ننتظره من أحد.
بدا الأمر وكأن الحوار لا ينفع معهما، فهما مجرد مأمورين، ولا فائدة ترجى منهما، لكنني حاولت الاعتراض ولم أسكت، وعندما تماديت في ذلك نوّماني لا أدري حتى الآن كيف تم ذلك. وعندما أفقت وجدت نفسي في قاعة ضخمة تسلب الأبصار لروعتها. ونظراً لحالتي النفسية آنذاك، لم ألتفت إلى مقتنياتها النفيسة، فقد كان يجلس أمامي أشخاص ذوو هيبة لم أرها في أحد غيرهم. لم أقدر على تمييز أعمارهم ،لا أدري لماذا فكرت في سنهم في تلك اللحظة ، لكنهم على أية حال كانوا يبدون متقاربين عمرياً.
كانوا قد أجلسوني على كرسي ناعم. وعندما حاولت الحركة، لم أقدر. لكنني في المقابل أحسست بلساني طليقاً، ولم أرَ إلى جواري الشخصين اللذين أتيا بي إلى تلك القاعة. ولأن الغضب كان لا يزال يزمجر في أعماقي، اندفعت بالكلام خشية أن يخرسوني مرة ثانية:
⦁ أخبروني أيها السادة! كيف ترضون لأنفسكم العيش بينما آلاف وملايين البشر يموتون الآن!؟
كان عليّ أن أبدو متعقلاً في حواري معهم، على الأقل كما تقتضيه لياقة الحوار، فقد كنت أمام علماء، وليس مخلوقات عادية، على الرغم من الحنق الذي كان يعصف بي.
⦁ إنها المشيئة!
⦁ مشيئة من!؟
⦁ المشيئة وحسب!
⦁ لا تخبروني أنها مشيئة الله، فالله لا يصنع بعباده كما تصنعون أنتم.
⦁ لا تتحدث عن الله، فنحن نعرفه أكثر منك!
⦁ وهل معرفتكم هذه جعلتكم تضحّون بمخلوقاته وتقتلونهم عطشاً!؟
كنت أتحاور مع أكثر من واحد، كانوا ستة، يتوسطهم مخلوق يبدو أنه كبيرهم، عرفت ذلك من خلال سكوتهم عندما كان يتحدث. لم يفتحوا أفواههم، بينما صراخي الذي حاولت أن يكون عاقلاً يصم الآذان، فقد أدركت أنني أتحاور مباشرة مع الذين أمروا بأخذ مائنا. والذي كان يفت في كبدي ويدفعني إلى الجنون، هو أنني أدرك أنه في الوقت الذي أتحاور فيه مع أولئك الحكماء، كما يسمون أنفسهم، كان بني جنسي يتجرعون الأهوال، بينما أنا أقف للدفاع عنهم مشلول الحركة، لا حول لي ولا قوة، حتى "سماثمانا" تخلت عني وظلت صامتة لا تتفوه بشيء. كان هذا في المرة الأولى، أما في المرة الثانية فقد كانت محبوسة في سجنها الذي لم أعرف موقعه.
⦁ إنها ليست تضحية، كما تتصور أيها العالم - كانت المرة الأولى التي أسمع فيها أحدهم يدعوني بصفتي العلمية - إنه منطق البقاء.
⦁ بقاء من!؟
⦁ بقاء الأقوى.
كنت قد أدركت أن معركتي معهم، كانت معركة خاسرة، معركة لغة وذهن متقد ليس أكثر، مع معرفتي الأكيدة بقدرتهم المسبقة على قراءة ما يجول في نفسي قبل أن أنطق به، إلا أنها كانت الطريقة الوحيدة، التي أدافع بها عن كوكبي المسلوب. حاولت بلبلتهم وتشتيت أذهانهم، كانت مجرد محاولة مني لمعرفة مدى قدرتهم على قراءة أفكاري.
⦁ إن كنتم تؤمنون بالله كما تقولون حقاً، فاقتلوا أنفسكم.
كان سؤالاً صاعقاً، أدرك أنهم قرؤوه مسبقاً في مخيلتي، رأيت ذلك في تصلب وجوههم، وحده حارس الماء الأعظم بقي هادئاً، رغم صمت معاونيه. وواصلت هجومي دون هوادة. كانت المعركة معركة إقناع، لم يكن أمامي غير ذلك، الحوار وقوة الحجة.
⦁ الذي يؤمن بالله لا يخشى الفناء، فأين إيمانكم!؟
⦁ ماذا تريد أيها الإنسان؟!
نطق حارس الماء بهدوء يليق بمكانته، وسعة علمه.
⦁ الماء الذي وهبنا الله إياه، الماء الذي بسبب أنانيتكم، مات الملايين بعد أن استحوذتم عليه لأنفسكم، رغم أن كوكبكم ممتلئ به، ماءنا، سبب عيشنا، والذي سولت لكم وحشيتكم وأنانيتكم أخذه، مستغلين تطوركم العلمي للإضرار بنا، ودفعنا إلى حافة الانقراض دون أن ندري سبباً لذلك.
⦁ وإذا لم نفعل؟!
أجاب قرين وريثة العرش المنتظر بتحدٍّ، ذلك الشخص الذي كنَّ لي العداء طيلة مدة أقامتي في كوكبهم، فأجبت بتحدٍّ مضاد دون أدنى شعور بالخوف أو الرهبة. وقد كان جوابي آنذاك جواباً حقيقياً، لا خداع فيه
⦁ أقتل نفسي!
⦁ ليس هنا. بإمكانك فعل ما تشاء، لكن ليس على كوكبنا.
صرخ ذلك الشخص الذي كان يجلس مباشرة إلى يسار حارس الماء الأعظم، ذلك الشخص الذي سوف يعلمني ما أنفع به بني الإنسان حين عودتي إلى الأرض، والذي ما انفك يشيد بعقليتي المتقدة وحبي للتعلم، عندما أشرف بنفسه على فك أسرار كثيرة كنا نجهلها في الأرض، والتي لن أكون مجازفاً لو قلت إنه كان يلزمنا آلاف السنين لفكها وحل أسرارها. كان تصميمي قد هزهم، بمن فيهم حارس الماء شخصياً، وقد لاحظت أنني كلما ذكرت الله في سري ينقطع حبل اتصالهم بي عبر الخواطر، ربما لأنهم أرادوا الحوار معي بعيداً عن المعنى الديني، حتى لا أظهر عليهم، فاستحضرت كل الأدعية والآيات التي أحفظها من القرآن، بل وحتى الصلوات خاضت معي المواجهة، وبدا صراعي معهم على جبهتين: جبهة المطالبة باسترداد الماء، وجبهة التلاوة والأدعية والصلوات. كان مجهوداً جباراً، خصوصاً وأن من يناظرني يتفوق عليّ في نواحٍ عدة.
⦁ بل سأقتل نفسي!
⦁ لن نمكنك من ذلك!
⦁ أقول لكم الإنسان يموت في ذلك الكوكب التعس الذي خربتموه وقتلتم سكانه، بينما أنتم الآن تثنوني عن الموت! إنكم مضحكون، تبيدون المليارات دون شفقة، وتخافون موتي لمجرد أنني سأموت بينكم! ما أشد قسوتكم!
⦁ إنها ليست قسوة، لكن لا يموت أحد في هذا الكوكب، فكيف بالأغراب!؟
⦁ إذاً، أنتم لا تدركون معنى الموت!
⦁ لا.
أسقط في يدي، وأيقنت ساعتها أن الجنس البشري هالك لا محالة، فبكيت على أهلي، وعلى أسرتي البشرية. كنت أبدو مثل طفل صغير يُحكَم على أبيه وأمه وإخوته وكل أقربائه بالموت، دون أن يستطيع فعل شيء سوى مراقبتهم وهم يموتون أمام عينيه الواحد تلو الآخر. وبينما أنا في بكائي دخل القاعة ثلاثة أشخاص، تقدم أحدهم باتجاه الحارس الأعظم ووقف أمامه وأخذ يؤدي بعض الحركات التي لم أفهم معناها. وما هي إلا لحظات حتى سمعت ما أبكاني فرحاً، وجعلني أقع ساجداً شكراً لله.
⦁ سنعيدك إلى الأرض، وبرفقتك الماء المسلوب، بنفس الطريقة التي أتيت بها.
⦁ متى؟!
نطقت بها بكل فرح الإنسانية جمعاء، وأنا أكاد لا أصدق ما أسمعه، خصوصاً وأنني كنت قد تعبت ومزقني اليأس من مناظرتهم، دون أن أصل معهم إلى ما أريد.
⦁ ليس قبل أن نعلمك من علومنا، لتعوض بها ما حدث من دمار لكوكبكم، وتنفع بها بني جنسك.
شعرت بحب جارف للحارس الأعظم، الذي بشرني بعد أن أوشك اليأس على قتلي، فاندفعت متسائلاً:
⦁ لكن لماذا أخذتم ماءنا، مع أن كوكبكم مشبع به؟! لماذا عرضتمونا لفناء كاد يعصف بنا إلى الأبد؟!
لم أسمع إجابة على سؤالي، كما كان عليَّ أن أنتظر فترة من الزمن، حتى حوارنا الأخير.
أذكر أنني وجدت نفسي ملقىً على ضفة بحيرة أبحاثي، كما كنت أطلق عليها دائماً، والتي كانت ممتلئة حتى آخرها، وفي يدي قالب زجاجي على شكل مثلث صغير، موصول بسلسة صغيرة من حلقات براقة لا تقدر بثمن، وفي رأسي علوم جعلت البشرية تقفز قفزات عملاقة في أقل من عشر سنوات، كانت قفزات بكل ما تعنيه الكلمة، في مختلف نواحي الحياة، وعلى وجه الخصوص العلوم الطبيعة والفيزيائية والكيميائية، والرياضيات وعلوم الفضاء والهندسة، وغير ذلك من علوم كانت تُصبُّ في ذاكرتي صباً أثناء خضوعي لعمليات تعليم مكثفة، ما كان لي أن أتعلمها حتى لو عشت ألف سنة، لقد كان تعليماً يعتمد على المشاهدة والشحن المخصب لخلايا دماغي، حيث تصل إلى هناك وتبقى فيه إلى الأبد، حتى بعد موتي، يمكن للذين يأتون بعدي أن يستخرجوا تلك المعلومات القيمة، عبر الكهرباء الممغنطة؛ وقد حقنت حقناً عديدة تجعل جسدي منيعاً على التحلل الذي يصيب في العادة الجسد البشري بعد الموت، وقد كتبت كل ذلك في وصيتي.
لقد كنت الإنسان الوحيد الذي قدر له الخلود حتى يقضي الله قضاءه في عباده، حتى لو كان ذلك عبر جسدي الذي سيبقى مثل مكتبة مزدحمة بالعلوم. لكنني، ورغم هذه الزحمة التي أعيشها الآن في خدمة الإنسانية، لا أستطيع نسيان "سماثمانا"، وريثة عرش الكوكب الأبيض، أو كوكب الماء، كما كنت أسميه لتلامذتي. تلك الأنثى التي كانت على استعداد للتضحية بأي شيء لتثبت لي صدق حبها، لقد كان حباً لا يصدق. ولن أكذب لو قلت إنني ملت إليها، خصوصاً وأنني في تلك الفترة كنت أمر بحالة نفسية لا تصدق، ولا أكف عن التفكير بأحوال إخوتي البشر الذين كانوا يتخبطون في ضياع مروع. لقد أحبتني بكل جوارحها. وأستطيع الاعتراف الآن، كتأريخ للحدث ليس إلاّ، بالقول: نعم، لقد أحببتها، وبادلتها نفس المشاعر إلى حدٍّ ما، على الرغم من أنني كنت أحاول استغلالها واستغلال نفوذها كوريثة لعرش كوكب الماء، حتى أستطيع العودة بمائنا إلى الأرض، لكنني وقعت -دون قصدٍ مني- في هواها. وإذا ما كان ثمة سؤال يراودني في هذه اللحظة فهو: هل ترى لا تزال تلك الأنثى الخارقة الجمال تتذكرني؟! وهل لا يزال حبها لي ساكناً في ذاكرتها؟!

 

 

***

 

 

الفصــــــــل السابــــــــع

 

 

 

عقد قران محتمل في الشارع الشمالي للكون


هذا الأرضي يبدو شهياً، لا أدري لماذا تخيلته كذلك، هل لأنه من جنس آخر؟! ما أدريه هو أنني وبمجرد أن وقعت عيناي عليه وجهاًَ لوجه أثار إعجابي من الوهلة الأولى؛ قوامه المصبوغ بلون لذيذ، عيناه، شعره، التفافاته الحادة الشديدة الثقة بالنفس. لقد حاولت التقرب منه كثيراً، لكنه كان يتمنع. لا أستطيع وصف شعوري، وما الذي أتى بي، أنا بنت حارس الماء الأعظم، عندما رأيته أمامي جسداً وروحاً أوشكت على الذوبان. أنا مدركة جيداًَ أنه مخلوق آخر، لا يمتُّ إليَّ بصلة، لكن ماذا عن مشاعري المتأججة في صدري تجاهه؟! ماذا عن هذه الأنوثة المستسلمة لتقاليد هذا الكوكب الذي أعيش عليه؟! هل هي محض اختلاق، من بنات الخيال صنعتها لنفسي وصدقتها تحت تأثير الإعجاب به؟! ثم هل تمنعه عليَّ هو سر انجذابي إليه؟!
لم أستطع أن أصل إلى تفسير معقولٍ واحد يجعلني أنجذب إليه بهذه الصورة الصبيانية. إني حقاً متذبذبة، مع أن هذا ليس من طبعي، فكيف يمكنني القيام بواجباتي على أكمل وجه كوريثة لعرش الحراسة المقدسة إذا كانت مشاعري هي التي تقودني رغم أنفي إلى ما لا أقدر على مقاومته أو الفكاك من أسره؟!
ذات مرة دخلت عليه، دون سابق إنذار، ورأيته يقوم بحركات وانحناءات يفعلها لأول مرة، على الأقل أمامي. وعندما حاولت التحدث معه لم يرد. وحين ألححت في ذلك صوتياً وذهنياً، أوقفني بإشارة من يده، وساعة انتهائه من حركاته تلك التفتَ ذات اليمين وذات الشمال، متمتماً بكلمات جديدة عليّ. وحين التفت تجاهي كان وجهه صافياً، يشع نوراً هادئاً. ولولا معرفتي بجنسه، لظننت أنه واحد منا. "ماذا تفعل أيها الأرضي؟!"، سألته بلقبه مع أني أعرف اسمه، إلاّ أني كنت أحب مناداته بالأرضي، ربما لوقع الكلمة في نفسي. أجاب أنه كان يصلي.
⦁ لمن تصلي؟!
⦁ لله الواحد، خالق الكون وما فيه.
⦁ وما هي صفات هذا الإله الذي تعبده؟!
أجابني بصفات كثيرة، كانت هي نفس صفات الإله الذي نعبده. "هو الله، أي الإله الواحد الذي لا شريك له في ملكه، والذي لا شبيه له"، وقد كانت صفة إلهنا الرحيم، الذي نعبده منذ أن عرفنا أنفسنا أحياء.
كنت أحاول لمسه، لكنه كان يبتعد عني، مما كان يثير حنقي عليه. أنا لا أريده كما يتخيل، فديني يمنع ذلك، كما يمنعه دينه هو، فشرحت له أنني أريده شريكاً لي، لكنه سكت وأطرق برأسه، ودخل في تفكير عميق. لماذا لم يحرص علماؤنا على عدم ترك أي أثر وراءهم، عندما أخذوا ماء الأرض. لو أدركوا ما قد يصيبني من جراء ذلك من معاناة، لما تركوا ذرة هواء تدل عليهم. وبينما ينظر إليه سكان كوكبنا كتحفة تستحق الفرجة، كنت أنا أريده لنفسي.
لقد عرفته من خلال مشاهدتي له على شاشات العرض المائية، وعرفت كيف أنه بذكائه قد استطاع معرفة نوايانا تجاه مائهم، حتى ولو لم يتيقن من ذلك من الوهلة الأولى. كان ذكياً، لكني لم أظن ولم أتخيل أن ذكاءه سيمكنه من متابعة الماء إلى كوكبنا بنفس الطريقة التي سحبنا بها ماءهم، لكننا عند ما رأينا كيف فطن للحيلة العلمية المعقدة التي لا يقدر عليها سوانا، عقدت الدهشة أفكارنا، وانقسمنا جراء ذلك إلى قسمين أو فريقين، فريق العلماء الذين قالوا بضرورة منعه بأي وسيلة من بلوغ مرامه، والفريق الثاني، وأبي وأنا معهم، رأينا إتاحة الفرصة أمامه ليأتي، "لعلنا ننال من علمه، أو على الأصح لعل ثمة مقدرة ذكاء غير عادية في عقله، قد لا نملكها نحن رغم تقدمنا المبهر في العلوم".
كان هذا رأي أبي، حارس الماء الأعظم، وقد وافقناه على ذلك، وها قد وصل، وها هو بيننا، ليقضي فترة قصيرة كانت وبالاً عليّ وحدي، وظلت ذكرى موجعة، تؤرقني أزمان طويلة، حتى وقد مات، ولم يعد منه سوى جسده، الذي كلما اختلست النظر إليه خفية عن قريني، تتجدد مشاعري وسحب ذراتي، كان حباً مستحيلاً لا يصدق، لو كنت أعلم أنه سيشغلني إلى هذه الدرجة لكنت منعته من الوصول بأي وسيلة كانت، حتى لو اضطررت إلى قتله، مع أنني ما كنت لأقدر على قتله على أية حال، أو أقوى على ذلك. ذات مرة صارحت أبي عن سر انشدادي إليه، إلى الأرضي الوافد، فثارت ثائرته، وكاد أن يفقد بعض مائه من شدة الغضب، رغم حلمه الواسع ورحابة صدره، وصرخ في وجهي "لا يمكنك ذلك أبدا ً، فهو من جنس آخر، وإذا ما عاشرته فستقتلينه، أو تذوبين وتتحولين إلى بخارٍ إلى الأبد". كان تحذير أبى لي واضحاً لا لبس فيه، وأنا أتفق معه فيما قال، فلقاؤنا المستحيل بعينه فحاولت نسيانه. كانت أفكاره وحركاته واضحة في ذهني مثل ضوء لا قدرة لي على إطفائه. كان مجيئه إلى كوكبنا صدفة قاتلة أصابتني في عمق روحي. انكببت في أبحاثي وشغلت نفسي طوال الوقت، لكنني ما قدرت، ولم أفلح في مسعاي. وحده الله يعلم صدق مشاعر أنثى تعيش في كوكب بعيد في قلب الكون الفسيح. وكم أوشكتْ ذوباناً وكلفاً بذكر غريب استحوذ عليها، حتى دون أن يحاول هو ذلك. هل هي لعنة أصابتني أم ماذا؟!
أخيراً أعلنت استسلامي، واعترفت لنفسي بألاَّ طاقة لي بالبعد عنه، فكنت آتيه في منامه، وأجعل من جسدي غلالة شفافة تقع عليه أثناء نومه، دون أن يشعر بما أفعله به. كان دافئاً، ونبض قلبه المتواصل يهز ماء جسدي حتى آخر قطرة.
انسبت بين شفتيه، ونمت على صدره. وعندما كان يوشك على الاستيقاظ كنت أشوش جهازه الذهني، حتى لا يضبطني نائمة بين ذراعيه. ومما كان يثير غيرتي عندما كنت أقرأ أحلامه وأجد أنثى أرضية تأتيه بين الفينة والأخرى. لم أكن أدرك ما الغيرة من قبل. بل إن مشاعر البشر في هذه النقطة بالضبط لا توجد في نفوسنا، كالكراهية والحسد والغيرة، وإلى آخر هذه المسميات، لكنني كنت أحمل بذرة الغيرة في صدري دون علمي، خصوصاً عند كنت أقرأ عقله الباطن كما قلت، وأرى شكل كائن أرضي ساكن فيه. وعندما دققت في ماهيته، عبر قراءة مركز ذاكرته، أدركت وعرفت أن ذلك الكائن لم يكن سوى أنثاه، أو زوجته. ورغم علمي المسبق بها في السابق من خلال رؤيتي لها في شاشاتنا المائية العملاقة التي وجهناها إلى الأرض أثناء عملنا على استجلاب الماء، إلا أنني لم أتوقع أنه سيتذكرها، وهو في ذلك البعد الكوني السحيق.
لا أظن أنني سأكون مدعية لو قلت إنني ورغم ذكائي الشديد لم أفهم الفهم الحقيقي مشاعر هؤلاء الأرضيين. فرغم جنونهم وقسوتهم وبطشهم بعضهم ببعض، لكنهم عندما يحبون، لا يستطيع كائن من كان أن ينتزع ذلك الحب من صدورهم حتى لو ماتوا أو جنّوا.
كنت أراقب أنثاه وهي في صراعها المرير من أجل البقاء، تنتظر رجلها حتى يعود، لا تدري من أين، لكنها لم تيأس من عودته. وللأمانة أقول إن ما رأيته قد هزَّ ذراتي المائية حتى أصغر جزيء فيها، تلك الدماء الغزيرة والدمار والأوبئة التي خلفها وراءه غياب الماء. لكن لم يكن أمامنا خيار آخر في المقابل؛ إما هم وإما نحن. بالطبع لم أخبر الأرضي بما تعانيه زوجته وبنو جنسه. أنا متأكدة الآن أنني لو فعلت ذلك لكنت قضيت عليه لا محالة. وقد أحسن أبي صنعاً عندما أمر بإغلاق شاشات العرض التي تصور الأرض. وهنا سوف أسمح لنفسي بطرح سؤال: "هل كان علماؤنا يعلمون النتائج الكارثية لغياب الماء عن الأرض؟". أعتقد أن نعم. أعترف أنهم كانوا قساة فيما قرروه، لكن هل يمكنني القول إنهم كانوا أيضاً على حق فيما فعلوه؟ فجنسنا كان مهدداً بالفناء، فبعد خمسين مرحلة مائية من الزمن (المرحلة المائية الزمنية الواحدة، تقدر بعشرة ملايين سنة أرضية. انتهى)، خصوصاً بعد أن مرت مراحل مائية زمنية طويلة على خلقنا، بدأ ماؤنا يفقد خواصه الفيزيائية على لغة أهل الأرض، وأوشكنا أن نذوب ونندثر في الفضاء, لذلك لم يكن أمامنا وسيلة أخرى، سوى ماء الأرض، بعد أن فشل علماؤنا في التوصل إلى حل بخصوص تلك المعضلة الخطيرة، فكانت الأرض هي هدفنا، وماؤها هو غايتنا وسر إنقاذنا من الاندثار.
عندما تعبت من مكايدة مشاعري تجاهه، صارحته برغبتي في البقاء إلى جواره وأكون له، على الرغم من تحذيرات والدي، أكبر علماء كوكبنا، وهو المدرك لما يقول؛ إلا أنني صارحته بانشدادي إليه، وحقيقة مشاعري ناحيته، "أريد أن أكون لك كما هي بالنسبة إليك، أنثاك في الأرض!". لم يقل شيئاً، لكنه حدق في وجهي، وبعد فترة، خلتها مرحلة مائية كاملة، نطق بانكسار زلزلني حتى الأعماق، "أي نوع أنتم من الكائنات، البشرية جمعاء إخوتي من ظهر أبينا الأول وكل المخلوقات الأرضية تتعرض للفناء، أو لعلها قد فنيت، وأنت تتوسلين إليَّ الاقتران بك!
من أنا أمام من ماتوا ، كيف أستطيع فعل أو تلبية ما تطلبينه مني، وأنت ابنة واحد من قتلة أهلي وجنسي، ابنة أعدائنا الذين أحالوا وطني الأرض إلى حفرة جافة لا حياة فيها ، كيف يمكنني فعل ذلك.. كيف؟!".
كان جارحاً في رده، حتى أنني لحظتها لم أستطع قول شيء. وانخرط في فعل لم أره من قبل، كان جسده يهتز ويتهدج، وثمة قطرات صغيرة كانت تنحدر من عينيه، فعلمت أنه فعل يدل على الخوف وعدم الرضى. في تلك اللحظة عرفت وتيقنت أنه لن يكون لي، فمنحته حرية مطلقة في الذهاب إلى حيث يشاء في أرجاء الكوكب. وقد كنت أتبعه كغمامة مزقتها الخيبات، تارة، وكتمثال يقف أمامه تارة أخرى.
كنت قريبة منه أينما ذهب وحيثما حل، وفي كل مكان نام فيه، أغطيه بروحي وأحتويه بجسدي ولوعتي وشوقي إليه. كان يتجول كمن فقد تركيزه. لكنني عندما كنت أتوغل في تعاريج دماغه عبر قراءتي العميقة لخلاياه، كنت أراه يسأل نفسه عن كيفية، أو بشكل أدق، عن ماهية الطريقة المناسبة التي تمكنه من إرجاع الماء المسلوب إلى أمه الأرض. كان ينظر إلى ذلك الماء يكتسح الآفاق أمام عينيه، مثل أمٍّ ذاب وليدها قبالة ناظريها ولا تستطيع فعل أي شيء لإنقاذه.
مرة يلمس بأصابعه ويقدر سماكة كل ما يراه ، وأخرى يحدق في السماء، كما لو كان يبحث فيها عن منفذ يهرب منه. كان مشغولاً بأمر جنسه، دون أن يعلم ألاَّ فكاك ولا خلاص له من قبضتنا مهما فعل، أو حاول!
مرّ وقت لا بأس به وهو بيننا. ازداد نحولاً وشحوباً، رغم اهتمامنا الزائد بتغذيته. وكان يعاود صلواته لربه، وكله أمل في استجابة تخرجه من كربه؛ ذلك الرب الذي أظنه ربنا كذلك، بل أنا متأكدة من هذا الظن الى درجة اليقين.
مرات كثيرة رأيته يفرز الماء من عينيه. لم يكن خائفاً، فقراءتنا لخلاياه العصبية أخبرتنا أنه لا يخاف على نفسه، بقدر ما كان خوفه على من كانوا هناك، في الأرض، لا يعينهم أحد على مصيبتهم التي وقفوا أمامها عاجزين لا حول لهم ولا قوة، رغم محاولاتهم المتكررة التي لم تؤدِّ إلى شيء ذي بال. وكمن فقد القدرة على الصبر، دهمني بسؤال لم يخلُ من ذكاء مبطن كما هي عادته
⦁ هل تتقربون من إلهكم؟
فرددت عليه بالإيجاب
⦁ إن ذلك من شرائعنا!
⦁ هل تخافونه؟
كان جوابي سريعاً ولا يقبل التأخير
⦁ نعم
⦁ إذاً، ألا تخشون عذابه وسخطه عليكم؟ إنكم بسلبكم ماءنا إنما تقومون بقتل متعمد لمخلوقاته!
كانت تلك حجته التي ما انفك يرددها في كل مكان، والتي كنا لا نقدر على مجاراته فيها، فقد ضحينا فعلاً بالبشر من أجل بقائنا، وأقولها بصراحة إن هذا ليس عدلاً على الإطلاق، وكانت أفكاره لاتزال تطاردني في كل مكان، كما لو أنه كان يستغيث بي ويطلب نجدتي. مرات متكررة كان يحاول الوصول إلى أماكن لا يصلها أحد سوى حراس الماء العظام، وأنا بصفتي وريثة العرش، فينهروه بقسوة كما هم مأمورون بذلك، أولئك الواقفون على الحراسة، فلم ييأس، وعاود محاولاته دون خوف.
كان يذهب إلى هناك كما لو أنه ذاهب إلى الحرب ولن يعود. وقد أمرت الحراس أن يكفوا عن القسوة عليه، والاكتفاء بإبعاده كلما اقترب منهم. كان مقاتلاً عنيداً، يزيد في عناده شعوره بالمسؤولية تجاه سكان الأرض. طبعاً لم تمر علاقتي بالأرضي بسهولة، فقد علم شريكي المنتظر، الذي من المفروض أن أكون أنثاه بقية عمره، فبدأ بالإساءة إليه. كان النسخة الوحيدة من أبيه، نائب أبي الأول، وقد كان قاسياً لا يرحم، ولولا خشيته من إغضابي، لفعل ما لا أرضاه بحبيبي الأرضي، ليس أقل من قذفه خارج كوكبنا ليلاقي مصيره المحتوم.
كم مرة توسّل إليَّ أن أساعده على الخلاص، وإنقاذ كوكبه الذي كان يضج بالحياة ذات يوم، وتنهمر فيه الأمطار، وتسيل في أوديته وسهوله وجباله المياه، "بيتنا، حيث كتب لنا أن نعيش نموت فيه. ساعديني، بحق الإله الواحد الأحد والذي لا إله لنا جميعا في هذا الكون، حيث نعلم ولانعلم غيره أو سواه !!".
كان رجاء حارا مريرا متوسلا بكل روحه وبكل نبضة في قلبه وذرة في كيانه الذي كان يتهدم أمامي وأنا عاجزة على تلبية أمنيته الأخيرة ، يشلني عجز جبان قضيت حقبا طوال اكرهه وأتبرأ منه ولازلت، " ليس من أجلي أو من أجل الأرض ومخلوقاتها ولكن من اجل الإله الذي تؤمنين به مثلي تماما، إذا كنت فعلا كذلك كما تقولين او خشية منه فيما فعلتموه بنا ، ولو كانت حياتي ثمنا لذلك!!" .
كنت أتعاطف معه ومع بني جنسه، وأشاركه هواجسه الذهنية، لكنني فعلاً لم أكن أقدر على مساعدته، فمعنى ذلك إفنائي بالتبخير. كان الأمر فوق طاقتي، ففي كوكبنا لا مجال للمجازفة بمصير الماء.
كان تعاطفي معه قد شجعه على الاستمرار في توسلاته. بل إنه في إحدى المرات صدع بها في وجهي بصراحة وبشكل مفاجئ أربكني رغم تلهفي لسماعها منه، "سأكون لك، وإذا أردت أن تكوني أنثاي كما تتمنين فساعديني على إعادة مائنا المغتصب إلى مكانه، وسأبقى معك هنا حتى آخر يوم في عمري!". قالها بقوة وصدق ودون مواربة وقد صدقته، رغم معرفتي بما يدور في خلده، وأنه ما كان ليقدم على مجازفة قد تقتله، إلا لينقذ الآخرين.
استعداده للتضحية بحياته في سبيل أبناء الدم والجنس الواحد، جعلني أتمسك به أكثر. وبعد أن تعبت من التفكير، فقد رضخت أخيرا لطلبه ووافقته عليه. كان هاجس الاقتراب منه وعناقه وجها لوجه يجعلني أتجاهل حقيقة المخاطرة التي أقدمنا عليها معاً. لقد اشترط عليّ أن أعيد الماء أولاً ثم بعد ذلك نتم القران على طريقته هو.
⦁ وما يدريني أنك قد تتراجع عن كلامك!
⦁ اسمعيني يا سماثمانا - ما أعذب اسمي في لسانه! - أنتِ تعلمين جيداً أنني لا أقدر على الكذب عليك، فأنت على كل حال تقرئين كل ما أفكر به، إنه شرطي الوحيد.
⦁ وأنا موافقة.
عندما أعيد ذاكرتي إلى الوراء، أراني مجرد أنثى حمقاء أعماها حب مستحيل. كنت أعلم أن قراني منه يعني موته في أول لحظة لقاء جسدي بيننا، لكنني قبلت التحدي، كان تحدٍّ لنا فيه نصيب، والحب الذي خاتمته خسارة حبٌّ أنانيٌّ لا قيمة له.
كانت إعادة الماء إلى الأرض أمراً سهلاً بالنسبة لي، وقد شرعت فعلاً في الاستعداد لإعادته. كنت أتصرف كأنني لم أولد في كوكب الماء الأبيض. لم أسأل نفسي كيف سيكون مصير جنسي لو قمت بإعادة الماء الأرضي؟ كذلك فات عليّ أنني مراقبة، وما كدت أفعل، أو أوشك على الفعل حتى تم إلقاء القبض عليّ. وكم كان فوران والدي عظيماً، إلى حد أن درجة حرارة مائه كانت كفيلة بحرق كوكب الأرض ونسفه من الوجود في لمح البصر.
⦁ إن التصرف بعيداً عن مشورة الجماعة أو دون علمهم يعني الخيانة، والتضحية بأرواح جنسنا خيانة عقوبتها التبخير. ونظراً لأن الماء لم يغادر الكوكب، فسنقوم بتذويبك ووضعك في صندوق القصاص،
إلى أجلٍ مسمى.
روّعني غضبه، فناديته متضرعة
⦁ أبي!
⦁ إنه مصير جنس بأكمله، ولن نسمح بالتفريط أو التهاون فيه، وسنغلظ العقاب لكل من تسول له نفسه محاولة العبث بمصيرنا.
⦁ لكنكم ضحيتم بمصائر الآخرين!
لا أدري كيف خرج مني ذلك الاحتجاج، فأحسست بأن أبي يوشك على التبخر من هول المفاجأة، لكنه تجاهل ما قلته، وعاود هجومه ..
⦁ أما ذلك الأرضي الغريب، فسوف آمر بإعادته إلى كوكبه ليواجه نفس مصير إخوته هناك.
⦁ لا تفعل ذلك، أتوسل إليك ، لقد وافق على طلبي أنا، لأنني ألححت عليه، لقد ضحى بنفسه من أجل إنقاذ أهله هناك، إنه مثلك تماماً يا أبي، يحاول تخليص سكان كوكبه مما صنعناه بهم، وأنت تعلم صدق ما أقول، عاقبني، لكن لا تؤذه، أتوسل إليك!
وجثوت على ركبتي أمامه، تنهمر من عيني قطرات صغيرة من الماء تشبه تلك التي كانت تخرج من عيني الأرضي. فيما بعد، سيذكر تاريخ كوكبنا أن وريثة عرش الماء قد بكت في سبيل الصفح عن مخلوق بريئ، وسيكون ذلك تقليداً نتبعه إلى الأبد؛ البكاء من أجل الآخرين، كنا نسميه "يوم البكاء من أجل الحبيب"، وقد صار مع مرور الفترات المائية من الزمن واحداً من أكبر أعيادنا.
صمتَ، لكنني كنت أعتقد أن صمته دليل موافقة، لكن قراره القاضي بتذويبي قد نفذ. وهكذا كان، إذ يقوم أحد العلماء بتفكيك ذراتي المائية التي تقوم بحفظي غير قابلة للذوبان، في جسدي، وأعادني إلى صورتي الأولى، وتم وضعي بعدها في صندوق القصاص الكبير، كان حبساً لا يميت، أجد فيه كل ما أريد، لكنه كان يحد من حركتي. وكذلك كان الحال مع الأرضي، حيث تم تنويمه لفترة يتحملها جسده، وعندما حاولت الاتصال به ذهنياً لم أفلح، فلقد تم فصل الاتصال الذهني بيني وبينه.
كنت أسأل نفسي كيف يعيش بعد غيابي. وماذا يفعل. وقد استطعت بواسطة بعض وصيفاتي المخلصات أن أتتبعه وألاحق أخباره وجولاته في أرجاء الكوكب.
كان لا يزال يبحث عن وسيلة للخلاص، لكنه لم يصل إلى شيء، لقد تم تجميده أكثر من مرة، نظراً لمخالفته لما كان يؤمر به، وأيضاً كان يتم تنويمه لفترات متقطعة، كما كانت وصيفاتي يخبرنني، لكنه لم يلن، وقد علمت بأنه في إحدى المناظرات، مع أبي الحارس المائي الأعظم، قد أفحم علماءنا بجملة هزت كيانهم، "إن لم تعيدوا ماءنا المسروق فسأقتل نفسي!".
لقد كنت حاضرة هناك بصورتي، دون أن أستطيع النطق أو التخاطب معه، ولم أعرف بقية التفاصيل، فقد أعيدت صورتي عند دخول ثلاثة من قادة الكوكب إلى القاعة، وقيامهم بتبليغ خبر مهم إلى والدي.
كذلك تم القبض على وصيفاتي المخلصات، وتم تبخيرهن.
كان عليّ أن أقضي وقتاً مائياً طويلاً رهينة محبسي. لكنني عندما خرجت كان حبيبي الأرضي قد اختفى، وكانت آخر مرة رأيته فيها في مناظراته الأخيرة التي حضرتها كصورة أرى وأسمع، لكنني لا أستطيع التواصل مع أحد، كما قلت سابقاً. لم يخبروني ماذا حل به. لكن من خلال عملي علمت بأن علماءنا قد أعادوا الماء المسلوب إلى أصحابه؛ فهل أعادوا حبيبي الأرضي معه أم أنهم قد نفوه إلى كوكب آخر نكاية بتصلبه ؟!
فيما بعد سأعلم أنه قد عاد إلى الأرض، وبصحبته الماء الذي أتى يبحث عنه. الآن أتذكر المرات التي سرت فيها معه في شوارع وأماكن وميادين وقاعات بحث، ومراكز متعددة، وفي كل مكان من أماكن مدينتنا الكبرى مائيا. كم كان شغوفاً ومتعطشاً لكل شيء! كم طرح عليّ من أسئلة تتعلق بكل شاردة، وكنت أسأله أحياناً متمنية بكل جوارحي لو يكون ذلك فعلاً، "لماذا تطرح كل هذه الأسئلة والاستفسارات، وكأنك واثق من عودتك إلى الأرض؟!".
لا أخفي أنني كنت أود لو أنه يبقى بيننا إلى الأبد، لكنه سرعان ما كان يرد على ما أقول بحزم يدل على ما يعتمل في نفسه ويتمناه، بسؤال معاكس..
⦁ هل تظنين أنني سأبقى هنا حتى آخر عمري؟!
⦁ ولم لا!؟
⦁ أخبريني، ما الذي يجعلني أفعل ذلك؟ اعطيني سبباً معقولاً واحداً!
فأحتار في الرد عليه، لأنني أعلم ألاَّ سبب مرجح يجعله يفعل ذلك.
⦁ أنا مثلاً، ألست سبباً معقولاً ؟!
كان لطيفاً معي. وكنت قد فسرت لطفه ذاك بأنه حب من طرفه، لكنه كان يمانع في الإفصاح عنه. ولن أكون مخطئة لو قلت إنه قد أحبني فعلاً، لكن ما تركه وراءه كان يلح عليه. لقد أحببته لصفات كثيرة فيه، ولعل انشغاله بكوكبه النائي، كان يزيد تمسكي به.
نعم أنا وريثة عرش حضارة تتقدم على ما حولها بفترات مائية لا تصدق، وكنت حارسة الماء القادمة، وكل جنسي سيدين لي بالولاء والطاعة، كما أنني أنبغ بنات كوكبي؛ لكنني في أمور عاطفتي كنت مجرد أنثى صغيرة تتحكم بها مشاعرها، وتوشك أن تفقدها عرش عظيم؛ مع ذلك الأرضي شعرت بأحاسيس غريبة عليّ، مشاعر أحببتها وتمسكت بها حتى أوشكت معها أن أخالف ناموس وقواعد مملكتنا المائية التي لا تتغير حتى في سبيل وريثة العرش نفسها.
حدق في عيني، بتلك النظرات التي توشك على إذابتي بها عيناه ذواتا اللون الذي لا يصدق، ويمسك وجهي بين يديه، كما كانت عادته عندما تغلبه عواطفه. كان مهزوماً مثلي، لا يدري ماذا يفعل، ممزقاً، وأحس تمزقه في كلماته المرتعشة. كنا مهزومين ومرهونين لحب محال، لن يتحقق، ويبقى أحدنا حياً. كان حباً قاتلاً بكل ما تعنيه الكلمة.
لقد كان حباً فاتناً، حب الطين والماء، حب الحياة والموت، حباً صنعته صدفة عمياء بين مخلوقين من كوكبين بعيدين لن يلتقيا أبد الدهر.
كنت أحبه ذلك الحب الذي لن تكون له خاتمة. كان أروع ما فيه التقاء عواطف جياشة لكائنين مختلفين، وحدت بينهما رقة المشاعر.
رغم اختلاف نوعية الجنس، وتركيبته، وطريقته المختلفة في العيش،
أحببته وأحبني، بت متأكدة من هذا، مع علم كل منا بأنه حب خارق للعادة ولإستحالة الواقع البيولوجي والعلمي وبداهة المنطق، يمثل مثلاً كونياً خلاقاً لإمكانية الحب بين كل المخلوقات التي خلقها رب هذا الكون السحيق المساحة، رغم تباعد المسافات، وبثور الاختلاف، وتنافر الأزمان والحقب. إنني متأكدة أن هذه المشاعر التي تعيش داخلي ستبقى مضيئة في نفسي حتى ألاقي خالقي، بل وغذاءً روحياً يمدني بالطاقة التي لا شبيه لها مهما اختلفت الأمكنة وتقادمت الأوقات.
كان يمسك وجهي بين يديه القويتين، ويغوص في ماء عيني الساحرتين، كما كان يسميهما، فأحس بنظراته تخترقني وتوشك أن تقضي عليّ..
⦁ إنك جميلة جداً يا سماثمانا، بل إنك في نظري أجمل وأروع أنثى في هذا الكون ولكن...!
كم قتلتني تلك الـ" لكن " التي كانت تقف كجدار بيني وبينه!
تلك الـ" لكن" التي تعني لي وله الكثير، أهله، وكوكبه، و... زوجته، تعني له الموت الذي يعصف ببشر ينتظرونه، دون حتى أن يعرفوه. وعندما تخنقه العبرات، كان يضمني إلى صدره. في المرة الأولى التي فعلها، تمنيت لو أنني أعرف طريقته في البكاء، لأبكي على صدره خوفي من رحيله، من أن أفقده، فلو عاد إلى كوكبه فلن أراه ثانية.
ضمني وهو يرتجف، وقبّلني على جبيني. فعل ذلك في لحظة انفعال عاصفة. كان يبحث هو الآخر عمن يحتوي أحزانه. لقد ضمني بلهفة كما لو أنه يضم أنثاه الأرضية، فزاد ذلك في التياعي ورغم علمي، بما تعنيه تلك الـ"لكن". إلا أنني واصلت أسئلتي التي أعرف جوابها مسبقاً. يا إلهي! لقد كان حباً أعاد خلقي من جديد، كما لو كان هبة أتت من الجنة، ولا قدرة لي على ردها، أتى ذلك الحب ليبذر بذوره، وليعلمنا كيف نحب بكل حواسنا، ذهب الأرضي، وبقيت آثاره واضحة ومؤثرة في تاريخ كوكبنا لفترات قادمة إلى الأبد.
⦁ لكن لماذا لا تنظر إلى الواقع بنظرة مختلفة، نظرة جديدة لا يؤثر عليها شيء مما خلفته وراءك؟
⦁ حتى لو بقيت معك، فلن أكون لك، وكذلك أنت.
⦁ يكفي أن نبقى معا!
⦁ هذا مناف للعقل والمنطق، ثم إنني لم آت إلى هنا للبقاء، لقد أتيت لأعود بما يعيد الحياة إلى الخراب الذي صنعته قدرتكم.
عندما كنت أطيل حواري معه كان يرد عليّ بجفاء مصطنع، لكنه في واقع الأمر حقيقي، لا شك فيه، لكن من يستطيع إقناع أنثى تعرف كل شيء لكنها تتمادى في تصنع عدم الفهم، كما لو كانت أتت من كوكب يعمه الظلام، ولم تخلق في كوكب الضياء والماء والحكمة وسطوة العلم!
كانت استفساراته وتساؤلاته، متتابعة وكأنه على عجلة من أمره، فقد أدرك بذكائه ضرورة الإحاطة ببعض علومنا حتى يفيد بها ناس كوكبه عند عودته، وقد عاد بأكثر مما طمح وسعى إليه، بعد أن قرر والدي الحارس الأعظم تعليمه ما ينفع البشرية، كنوع من التعويض عما حاق بها من خراب، بسبب السطو على الماء هناك.
كانت أسئلته تعني محاولة كشف قدرة جنسنا ومدى قوته، ومبلغ علمه، وإلى أين سيصل في نهاية المطاف. لقد كان يبدو مثل طفل صغير يتلقى علومه للمرة الأولى في حياته، وهنا كان عمق الأسئلة وشموليتها، وبدوري لم أبخل عليه بإجابة.
⦁ كيف تتناسلون؟
⦁ تناسلنا يختلف عن تناسلكم البشري ويتقاطع معه، حيث يخرج الواحد منا إلى الحياة وشريكه قد حدد سلفاً عبر قراءات ومتابعات تحدد الصفة والطريقة المثلى للتزاوج فيما بيننا، بحيث يكون كل فرد له الزوج المناسب، ولا يكون هناك ضعف جسدي أو عقلي للأجيال القادمة.
⦁ حسنا، ماذا عن قضية التكاثر؟! هل يتم عبر لقاء جنسي، أي الذكر مع الأنثى، أم أن هناك طريقة أخرى للتناسل؟
⦁ بل يكون اللقاء بين الذكر والأنثى، حيث يذوبان معاً مشكلين ومكونين كتلة مائية واحدة، أعني يتم تماهي الزوجين بعضهما في بعض إلى أقصى درجة، كما لو كانا كتلة مائية واحدة، تأخذ مداها في
النشوة الجنسية، تحت إشراف مباشر ومسير من قبل عقلَيْ كلٍّ من الزوجين، وتأتي تلك النشوة عبر الوصول إلى كل ذرة مائية في جسد الآخر، حينئذٍ يتم التلاقح في لحظة سطوع وذروة النشوة الحسية والروحية معاً.
⦁ ومن يحمل في جوفه بذرة الجنين القادم؟
⦁ بالطبع الأنثى، فعند الانتهاء من الالتقاء الجنسي بين الزوجين يعود كل واحد منهما إلى حالته الأولى، بعد لحظات قليلة من المعاشرة الجنسية، وما هي إلا بضعة شهور - أقول "شهور" حسب لغته وثقافته الزمنية التي يعرفها - حتى تضع الأنثى كتلة مائية صغيرة غير محددة المعالم، تظل تنمو كما ينمو أي طفل رضيع عندكم، وتتحدد تفاصيلها الجسدية إلى أن تصل إلى ما يصل إليه كل سكان كوكبنا، سواءً أكان ذكراً أم أنثى.
⦁ وماذا عن الموت والعمر؟
⦁ العمر بالنسبة إلينا مفتوح لأوقات طويلة جداً. وعندما يهرم الواحد منا يأتيه الموت، فيذوبه ويحيله إلى ماء. أما الروح فإنها تعود إلى خالقها، في انتظار اليوم الذي يجمع فيه الإله الواحد كل مخلوقاته للمساءلة، وأنت تعرف البقية.
كانت معلوماتي تبهره، وكان يندهش من لدونة أجسادنا التي كان يشبّهها بالبلاستيك الرخو الممتلئ ماءً. وكانت جملته الأثيرة التي يرددها باستمرار، كلما احتوته الدهشة "سبحان الذي أحسن كل شيء خلقاً !". عندما أسأله عن معنى ما يقول، يخبرني بأنه يمتدح الخالق الحكيم على حسن خلقه، فأوافقه على ذلك، وأنا أحتويه بنظراتي، "لقد أحسن خلقه فعلاً".
ورغم كثر أسئلته ودهشته مما يرى ويسمع، إلا أن الحياء ما فارق محياه، بل إنني كثيراً ما كنت أسمعه وأراه يكلم نفسه بصوت مسموع، مع أنني أقرأ ذلك في عقله مباشرة قبل أن ينطق به، خصوصاً عندما يرى الدعة والسكينة، وأيضاً - يؤسفني أن أقولها - عدم الاهتمام بما يجري في وطنه الأرض، واضحاً في وجوه سكاننا، و"إخوتي يتجرعون الموت وأنا هنا لا أحرك ساكناً! من لي سواك يا رب الكون يعينني ويعينهم على ما ابتلينا به؟!".
كنت أرى في عينيه رؤى غريبة، أحسها رؤى كائن متعب مهموم لا يقدر على صنع ما يرغب فيه. " لو أن لي قدرة على اختراق المسافات لكنت عدت إلى الأرض لأنهمر عليها ماءً وحياة " ، فكنت أضمه إلى صدري كي أواسيه وأنعم بحرارة جسده تدغدغ كياني. ولم يكن يمانع، خصوصاً في أيامه الأخيرة بعد أن مزقه اليأس وخيبة الانتظار. كان بين ذراعي مثل طائر جريح، يبحث عمن يداوي جروحه. حاولت أن أشاهد الأرض ثانية، لكنني كنت ممنوعة من ذلك، لكي أطمئن عليه وعلى بني جنسه من البشر، لكنني ما فلحت في ذلك. كانت آلامه تجعله يذوب أمامي، فكنت أحدث والدي وأصارحه بكل أفكاري ومشاعري، نصرةً للحبيب الذي يوشك على الموت أمامي..
⦁ أبي! نحن نعرض مخلوقات عاقلة إلى الفناء! ماذا سيقول عنا الإله الذي نعبده ؟! إنه نفس الإله الذي يعبده أولئك الأرضيون، نحن إخوة يا أبي في الرب الواحد، أعيدوا ماءهم لأجل من خلقنا وخلقهم!
فكان يجيبني بإجابة هو نفسه وأنا نعلم أنه لايؤمن بها، إجابة يريد من خلالها إسكاتي وضرورة تفهمي لواقع لا أقره ولا أستسيغه "يجب أن تدركي أننا مخلوقات أكثر ذكاءً وتحضراً منهم، لذلك عندما يكون الخيار بين من يستحق البقاء، فنحن ولا شك من يستحق ذلك". لم تكن إجاباته لتقنعني، فأعاود توسلاتي بضرورة ، "أن ذكاءنا وتحضرنا لا يجيزان لنا محو الآخرين من خريطة الخلق، من يفعل ذلك هو الذي خلقهم وحده، وليس نحن، لمجرد أننا أكثر تفوقا وقوة أو عدداً ".
كنت أحاول مخاطبة مشاعره الحية التي أعرفها فيه بكثرة استرحامي وتوسلاتي، لكنه يجيب بغضب لا يستطيع أياً كان في كوكبنا مقاومته أو الرد عليه رداً يحاول الإفصاح والتبرير، لا مجرد الغضب. "أخبرتك مراراً أن هؤلاء الأرضيين البدائيين يعاملون بعضهم بعضا بقسوة لا مثيل لها، كما لو أنهم ليسوا إخوة، ألم تريهم كيف يقتلون بعضهم، ويفتك القوي فيهم بالضعيف، وكيف يمحون مدناً بأكملها من الوجود إذا ما اختلفوا، ويحولون إخوتهم إلى عبيد؟! ألم تشاهدي كيف يعيش الموسرون في رغد بينما يأكل الفقراء من القاذورات؟! عودي إلى الذواكر المائية وانظري بنفسك إلى تاريخهم البشري من أوله وحتى الآن وسوف ترين الظلم والقهر والبطش والقسوة التي لا يتحملها مخلوق، منذ أن وجد الإنسان على الأرض، ذلك الكوكب التعس الموبوء بالكراهية والأحقاد والضغائن عبر مختلف العصور! نعم، عودي لتتذكري، لعلك قد نسيت ذلك كله!".
من يقدر على إقناع أحكم حكمائنا، بتغيير رأيه، فكل ما قاله هو ما حدث بالضبط. "وهل الحل يا أبي يكمن في إبادتهم، بدلاً من محاولة إنقاذهم من أنفسهم؟! هل العمى يواجه بعمى أشد فتكاً من سابقه؟!".
كانت مجادلات لا تنتهي بيننا، لكنه صدمني في إحدى المرات بما لم أقدر على الإجابة عليه "أخبريني يا وريثة العرش، هل كان سيكون موقفك هو نفسه الآن لو لم يكن هذا الأرضي بيننا، أم أن حبك له قد أنساك مسؤولياتك تجاه أمتك قبل أي شيء آخر، على الرغم من معرفتك باستحالة تكامل مثل هذا الحب من أساسه؟ وعلى كلٍّ فنحن أرحم عليهم من أنفسهم، وربما قد نساعدهم إذا ما توصلنا إلى ما نصبو إليه. ثم يجب ألاَّ تنسي أو تتناسي أن المصير الذي حاق بهم قد يحيق بنا ويهددنا بالزوال، فنحن لم نفعل ما فعلناه حباً في إزهاق الأرواح، بل كنا نحاول إنقاذ أنفسنا مما كان يتهددنا، وأنت على علم بذلك، هل تفهمين!؟ إنها مسألة وقت، وإذا ما نجحنا فيما نحن عاكفون عليه، فستحدث ترتيبات أخرى، لصالحنا جميعاً".
في الحقيقة إن كلام والدي كان عقلانياً، مما جعلني أسأل نفسي فعلاً هل كان الأمر سيختلف لو لم ألتقِ بالأرضي؟ لم تكن الإجابة تعنيني، رغم أهمية السؤال، فالشعور بالذنب تجاه ما حدث في الأرض كان يعذبني ويجعلني أسائل ذاتي مساءلة قاسية أثناء ما كنت أهيم على وجهي في فضاء كوكبنا المفتوح الآفاق، هل سيعاقبنا الخالق على ما فعلناه؟.
لقد علمت متأخرة أنهم أعادوا ما نهبوه من ماء، لكن ما كان يعذبني هو.. ترى كم إنساناً مات قبل أن يرى الماء ثانية ؟!
فأدرك حينها سر تلك الدموع التي كانت تنهمر من عيني ذلك الأرضي الذي شغفني حباً. كذلك ما الذي كان سيحدث لو أن علماءنا فشلوا في إيجاد حلول لمشكلتنا المائية؟ هل كان سيكتب على البشر الفناء الأكيد؟ وكيف كان سيكون وضعي لو أن ذلك الحبيب بقي بيننا إلى الأبد، بانكساراته المريعة أي حزن كان سيغلف كوكبنا ، وكيف سوف نستطيع مواصلة الحياة، وضحيتنا تعيش بيننا؟ لقد كان الرب رحيماً بنا جميعاً، ولولا رحمته، ربما ماكنت لأدوِّن هذه الحروف والأشكال الكتابية أبداً، ولتم تدمير كوكب كان حيًّا ذات يوم تدميراً كاملاً، ولانطفأ ضوؤه من سماء الكون إلى الأبد.
واصلت الحياة بنا مسيرتها التي لا ندري متى نهايتها. وغدت زيارة ذلك الإنسان إلى كوكبنا مجرد ذكرى ستتناقلها أجيالنا جيلاً بعد جيل، والحدث الأبرز في تاريخ كوكب الماء الذي وطأته قدما كائن غريب للمرة الأولى عبر تاريخه الطويل.
تم تزاوجي بإبن نائب أبي، ورُزقنا ذرية من الإناث والذكور. وذات مرة توسلت إلى شريكي في الماء الواحد، أو بالأحرى تمنيت في داخلي لو تتاح لي فرصة لرؤية فتاي الأرضي، حيث كان شريكي قد علم من العلم الذي لم يكن يسمح لأحد بتعلمه، كون قائد قواتنا شريك وريثة العرش المائي، ومما علم قدرة الإطلاع على شؤون الكواكب الأخرى، في مجاهل الكون السحيق، وكأنه قرأ ما يجول في خاطري، فلم يكن من المسموح له قراءة أفكار الملكة القادمة، كما لم أكن أستطيع مراقبة الأرض، بمنع خاص من أبي. "أظن أنك تريدين أن تعلمي مصير ذلك الذي كان هنا". فأجبت متلهفة دون تردد "نعم!". فقام من فوره بفتح إحدى الشاشات العملاقة التي تجوب قفار الكون، والتي سلبت أسرارها ومنعت من التعامل معها، فأراني ما لم أتخيله، فماذا رأيت؟!!
لقد رأيت ما جعل مائي يضطرب في جسدي. وكنوع من العزاء قال شريكي المائي "هل عرفت الآن سر رفضنا جميعاً اقترانك به - قطعاً كنت أعرف ذلك، كما يعرف هو، لكنه كما بدا لي كان يعاتبني على تصرفاتي مع ابن الأرض الذي لن أنساه أبداً - انظري إنه يموت، بعد أن حان أجله". كان ذلك يتم أمام بصري. وعلى الرغم مما شاهدته، إلا أن ذكراه كانت ما زالت ولا تزال ساطعة في ذاكرتي؛ ضمّي إلى صدره، نظراته التي كانت تفتنني، وصوته المتهدج الذي كان يخرج عندما يدهمه الحزن والحنين إلى الأرض، كلماته، إصراره، وإيمانه الكبير بالعودة التي كنت أنا شخصياً لا أعتقدها. "يجب عليّ العودة، ليس من أجل نفسي، ولكن من أجل الآخرين، الذين يموتون بلا حساب. لقد كنت عزائي في هذا الكوكب الغريب، وهذا ما لن أنساه لك مدى عمري. إنك جميلة جداً، لكن لقاءنا مستحيل، وحبنا أكثر استحالة وضد قانون الخلق نفسه. عليّ العودة، فمصيري هناك، بين أبناء جنسي، وليس في مكان آخر".
عندما كنت أشاهد جثته، التي لا تقبل التحلل، أتخيل أنه سينطق، لكنه لم يفعل ولن يقدر على ذلك، لأنه كان قد مات. وحدها كلماته ظلت عالقة وحية في ذاكرتي حتى الآن. "الأرض نجمة كونية، أراد لها الله البقاء إلى حين يشاء، والإنسان كائن عظيم نفخ الله فيه من روحه، ولن يقبل أن يطفئ نور إبداعه أو أن يدمر كائناً من كان، أحد أدلة خلقه الكبرى والباهرة، فالأرض قصيدة الله الخالدة والإنسان لحنها العظيم!".

 

 

 

***



الفصــــــــل الثامن

 

 

 

 


ماذا قال حارس الماء الأعظم عن زيارة الغريب؟


حقاً لا أستطيع إخفاء دهشتي وإعجابي بكيفية وصول ذلك الأرضي إلى كوكبنا! لقد كنا نراقبه لحظة فلحظة، أثناء اشتغالنا على محاولة جذب الماء إلى كوكبنا. وحاولنا إيصال رسالة معينة إليه للابتعاد عن طريقنا. ولعل تلك الضربة المضغوطة التي تلقاها على رأسه، في معمله، كتحذير منا إليه، لم تفلح، بل لقد كانت النتيجة على عكس ما توقعنا، فقد ازداد عناداً وبحثاً، وأنا شخصياً لا أختلف معه، بل أتفهم دوافعه وأقدرها فيه، فهمُّه كان منصبًّا على إنقاذ شعبه البشري من خطر يتهدده، كما كان همّنا جميعاً هنا إنقاذ سكان هذا الكوكب، ولن أشرح الأسباب، فلا أرى داعياً لشرح أحداث مر عليها وقت طويل، فما قمنا به كان خيارنا الأخير. وما شد انتباهي هو شبه معرفته بما يدبر لمائهم، على الرغم من عدم تأكده بالضبط ما هو الخطر، ولا من هم خصومه. وأكثر ما شغلني عند وصول الغريب إلينا، هو ضرورة وضعه تحت رقابة دقيقة، فهو ليس شخصاً عادياً، وأعترف الآن أنني لم أكن أتصور أنه قد يستدل علينا أو يصل إلى حيث نعيش، لقد ظننت أنه سيبقى مكانه، تمزقه الحسرات وأمارات الغضب لغيره من بقية جنسه، وعلى أكثر تقدير إذا ما نجح في محاولته اللحاق بنا، فقد يتمزق في الفضاء الوسيع، لكننا رأيناه يقترب من حدودنا على شكل ذرات ضوئية مشبعة بالماء، وبنفس الطريقة التي أخذنا بها ماءهم، لم يمت نتيجة لذلك التشظي، فقد كانت ذرات جسده تشكل كتلة واحدة، تقبض عليها روحه التي قاومت الموت، فكان أمامنا خياران: إما السماح له بالوصول إلينا، وإما تشتيت اتجاهه إلى مكان آخر، وذلك يعني قتله؛ كان الأمر أشبه بالصاعقة، فقررنا إنقاذه، وجعله يهبط على كوكبنا كأول غريب يستطيع اختراق نظامنا الجوي الصعب الاختراق. وفور وصوله أخضعناه لعملية فحص كاملة، خشية أن يكون جسده يحمل أوبئة أو أمراضاً كامنة فيه، فنحن نعلم من أية بيئة موبوءة أتى، وهذا ما حدث بالفعل.
لقد لبث وقتاً معلوماً خاضعاً -دون أن يدري- لأبحاثنا وفحوصنا الدقيقة، حيث قرأنا خريطته الوراثية خلية خلية، وعندما وجدنا بعض الأمراض في جسده، رغم موتها، نظراً لأن جهاز مناعته كان قوياً بدرجة كافية لقتل كل ما يغزو ذلك الجسد، إلا أننا وزيادة في الحيطة قررنا تخليصه منها، بل لقد قمنا بإعادة تنقية دمه قطرة قطرة، لتطهيره من كل أسباب انتقال الأمراض في المستقبل.
ظننت أن الأمر سينتهي ببقائه بيننا إلى حين يموت، متخيلين أنه أتى هارباً من العطش، فإذا به يثبت لنا عكس ما توقعناه.
لقد استفدنا منه في أشياء كثيرة. ولعل نجاحه في اللحاق بنا قد جعلنا نعيد النظر في أمور عدة، عن قوة نظامنا الجوي، والأخذ بعين الاعتبار مدى ذكاء المخلوقات الأخرى، وإعطائها حقها، حتى نستطيع فهمها والتعامل معها في المستقبل، فما بالك بشخص ذي مجهود عضلي محدد، لم يكن منه خطر على الإطلاق، فهو لا يزيد عن كونه خصماً ضعيفاً، ضعفاً قد لا يدركه هو ذاته، لكننا كنا ندرك أن قوته في عقله. ذلك الغريب جعلنا نرى قوة الإنسان الذهنية والحسية. كان مفيداً لنا -إلى حد ما- في تغيير بعض مفاهيمنا السابقة. ولعل التقارب الذي حدث بينه وبين ابنتي "سماثمانا"، دليل آخر على إمكانية الالتقاء بالآخرين، حتى ولو عاطفياً.
بعد الانتهاء من فحصه والتأكد من سلامته الصحية تركناه حراً طليقاً يذهب إلى حيث يشاء. كان بالنسبة لنا مخلوق تجارب، وقد تكفل بذلك قرين وريثة العرش المنتظر، الذي كان حاداً معه وغير متساهل، كما تمليه عليه واجباته الأمنية. كذلك لا أنكر أن تلك القسوة غير المبررة من قبل قرين الوريثة، كانت تزيد عن حدها بعض الأحيان، خصوصاً بعدما تعلقت "سماثمانا" به، ذلك التعلق الذي أدهشني. لقد كان مجيئه إلينا قفزة علمية استفدنا منها في كيفية التعامل مع بعض المعايير التي لم نكن نعرفها من قبل. وكنت أسأل "سماثمانا"، عندما كانت تسترحمني بإعادة الماء إلى الأرض، فترد عليّ بالإنكار تارة، مع معرفتها بمدى المراقبة التي تحيط بمعجبها، وأخرى تدعي عدم الإدراك، وأنها لا تستطيع تفسير ذلك. ولعلّي قد أولت الموضوع على أساس إعجاب أنثوي بزائر ذكر لم تلتق به من قبل؛ إنه إعجاب الفضول، أكثر منه إعجاباً آخر. ولعلنا قد توصلنا إلى نتيجة مفادها أن الانجذاب الروحي والعاطفي بين ذكر وأنثى أمر وارد، ويمكن حدوثه لو كانا قريبين في الشكل. لكن قد لا يعني ذلك التقاءهما جنسياً، فالمسافة الزمانية بينهما بعيدة بعداً ينعكس على طبيعة خلق كل منهما بدنياً، ناهيك عن الاختلاف القطعي في أصلهما وأصل نشوئهما خلقياً، لذلك كان أي التقاء بينهما التقاءً كاملاً كذكر وأنثى لا يصدق ولن يحدث، لكن الجدير بالاهتمام فعلاً تشابه مشاعرهما العاطفية إلى درجة شبه متكاملة.
أتذكر عندما قابلته للمرة الأولى، وجها لوجه، في مجلس حماة كوكب الماء، كان يبدو أليفاً، تعلوه علامات الدهشة. لم يكن يعلم أننا قد طهرناه وجعلناه أكثر استعداداً للتخاطب بطريقتنا في التخاطب عبر قراءة الأفكار، تلك الطريقة التي يحبها، خصوصاً عند شعوره بالحزن. كان يتلفت مبهوراً في أرجاء القاعة الهائلة الشديدة الروعة والإتقان بالنسبة لنا نحن الذين قمنا بتشييدها، فما بالك بكائن يأتي من كوكب متخلف كالأرض، لا يزال سكانه يحْبُون في فضاء الهندسة ولم يصلوا بعد إلى فك أسرارها المذهلة!
كان من طبعنا الإنصات لمن نحاور، وهذا هو أسلوبنا فيما بيننا، ولذلك فلم نكن قاسين معه. أعطيناه الفرصة كاملة ليقول ما يشاء، فنرد عليه بهدوء. كان مخلوقاً ذكياً، يمتلك حاسة قوية وبديهة حاضرة لسرعة الرد. ولم تبدُ عليه أمارات الخوف، على الأقل في وجهه، بقدر ما كان مندهشاً مما يراه. كنا هناك في استقباله، أنا حارس الماء الأعظم، و"مائمان" القرين المستقبلي لوريثة العرش، وكبار حكماء وعلماء الكوكب. وكان وحيداً إلا من رغبة عنيدة في المقاومة.
"أين أنا؟!" كان سؤاله الأول، وهو يحدق فينا فرداً فرداً. لم ترعبه أشكالنا المهيبة، التي تختلف من حيث السن والوقار عن الأفراد الآخرين من السكان، فكمالنا الجسماني وأشكالنا الوقورة لا ترعب أحداً، بقدر ما قد تدهشه تلك الأجساد المائية الفارغة المتقنة الخلق والشديدة الجمال، والذكاء إلى درجة لا يستطيع استيعابها. كنا نعلم ماذا سيقول، وتركنا له الخيار في طريقة التخاطب معنا كيف يشاء، فبدأ باستخدام فمه. وعندما أدرك أن إجاباتنا عليه تصل مباشرة إلى دماغه دون أن يسمع أصواتنا، عرف أن التخاطب بالعقل مقارنة بالصوت أسهل وأسرع وأكثر استيعاباً ووضوحاً، وقد تبدو هذه الطريقة صعبة للذين لم يتعودوا عليها من قبل، لكنها تبدو مقبولة من وهلة التجربة الأولى.
⦁ أنت في كوكب الماء، نبض هذا الكون. وأما من نحن، فهذا شأن لا يعنيك، بل من أنت، وماذا أتيت تفعل هنا؟
⦁ أنا إنسان، وأعتقد أنكم تعرفون من أين أتيت. أما لماذا فمن أجل استعادة مائنا المنهوب من قبل قراصنة الفضاء!
أقولها بصدق، إن ثمة مفاهيم، على الأقل لغوية، كان علينا أن نفهمها منه، لكي يستمر الحوار بيننا، وقد كان متجاوباً. لقد صدق حدسنا في السماح له بالوصول، فسوف نستفيد مما عنده على قلته، فهو عالم على كل حال غير عادي، وإلا لما كان يحاورنا في تلك اللحظة في عقر دارنا. كما أذكر أنه كان يطيل التحديق في وريثة العرش.
⦁ لم نفهم إجابتك بالضبط، لماذا أنت هنا؟ وكيف استطعت ذلك؟
لم يكن متهيباً عظمة الحضور، وقد أعجبتني شجاعته.
⦁ أنتم تعلمون كيف استطعت ذلك. وها أنا أعيد الإجابة على سؤالكم: لقد أتيت لإعادة الماء الذي سرقتموه منا، وعرضتم جنسنا البشري للموت والفناء.
⦁ إنه منطق القوة الذي تؤمنون به!
كنا نحاوره بالتناوب، فلم يتشتت ذهنه من سيل الأسئلة والأجوبة التي كانت تصله من عدة أفراد.
⦁ هل منطق القوة يعني إبادة جنس إبادة كاملة دون أي ذنب، هل هذا المنطق الذي جعلكم ترتكبون جرمكم الفاضح، أم أنها مجرد نزوة دفعتكم قدرتكم إليها ؟!
⦁ إنها ليست نزوة أو ادعاء قوة، إنها محاولة للإنقاذ.
⦁ ألم تكن هناك ثمة محاولات أخرى غير تلك التي دمرتنا؟!
⦁ لقد كانت الوسيلة الوحيدة.
⦁ لماذا لم تطلبوا منا التعاون، أعني ألم يكن الأجدر بكم محاولة التفاهم معنا، دون الإضرار بكوكب يضج بالحياة والأحياء؟
⦁ لم نطلب الحوار لأن مقصدنا لا يحتمل تعقيدات، أو بطء مسألة التفاهم، فقد كان المطلوب هو كل مائكم، ولذلك فلم نطلب الحوار، لأنكم لن تقبلوا به.
⦁ هذا أكيد.
⦁ إذاًَ لم يكن أمامنا وقت لنضيعه، ففعلنا ما تعرفه.
كان حواراً طويلاً في مجمل اللقاءات التي تمت بيننا وبينه، تخللته لحظات صراخ من قبله، كان صراخاً موجوعاً. وعندما كان يحاول الاقتراب منا في لحظة من لحظات غضبه كنا نقوم بتجميده في مكانه، ليس خشية منه، بل خشية عليه، فهو بقوته البدائية الضعيفة لا يقدر على فعل شيء يذكر.
لم نصل معه إلى أي حل. كان يصر على استعادة الماء دون أن يتوقف أمام ما نقوله، شجعه على ذلك تبسطنا في الحوار معه. وقد كنت في قرارة نفسي أشاركه نفس مشاعره، ليس وحدي، بل وسائر أبناء الكوكب؛ لكن ماذا كان يجب علينا أن نفعل، وليس أمانا خيار آخر؟! فعلى الرغم من تقدمنا العلمي، إلا أن معضلة الماء المفاجئة لنا أرهقتنا، وجعلتنا نتصرف كما لو أننا فعلاً مجرد قراصنة كونيين، لا يملكون أدنى شفقة بين جوانحهم. لقد كان الغريب يظن أننا توجهنا مباشرة إلى أرضه وسلبناها ماءها وعُدنا. لم يكن يعلم أننا قد قمنا باستكشاف مجرات عديدة، في أرجاء متفرقة من الكون، وإلى حيث استطاعت مقدرتنا أن تأخذنا إليه، بحثاً عن كنز مفقود، وما وجدناه في استكشافنا لم يكن سوى كواكب ميتة، أو أخرى متجمدة الغازات، أو كواكب أخرى تعتمد مخلوقاتها على نظم حياتية مختلفة جداً عنا.
كان الكنز الذي نبحث عنه موجوداً في الأرض، ذلك الكوكب المشابه لكوكبنا من حيث توفر الماء والهواء الذي يناسبنا.
إننا لم نقرر في لحظة طمع الاستيلاء على لقيتنا الغالية دون تدبر أو مساءلة، بل لقد قمنا بعمل اقتراحات ونظريات عديدة لما سوف تسفر عنه محاولتنا لأخذ الماء بكامله، وأدركنا مسبقاً وعلمنا ما هي نتائج ذلك، لكننا لم نجد خياراً آخر، غير أخذ اللقية كاملة رغم كارثيتها، فالموت كان يحدق بنا أيضاً. أنا متأكد من أقواله هذه ربما، وقد قالها شخص آخر غيري، لكنني أوردها للعظة وللاستفادة من عبرها ليس أكثر.
لقد آلمني وأثار امتعاضي ما حدث هناك من وحشية مفجعة. آلمني الذين قضوا عطشاً، وزاد في حنقي تسلط الأقوياء من ذلك الجنس على الضعفاء منهم. كانت أهوالاً تذيب أصلب رجالنا. لكن أمام الموت وقسوته تنهار كل المثل، وتتزعزع مصداقية الإيمان نفسه، وهذا ما فعلناه، متناسين كل ما يعوقنا عن إنجاز ما ذهبنا من أجله.
أدرك أن مشاعري هي مشاعر الذي لم يصبه الأذى، لكنني أقول كنوع من إراحة النفس إن الذي حدث في الأرض ربما كان قد حدث عندما كانت تدهمهم الكوارث، أنا متأكد من ذلك، مثل تأكدي أن الماء قد عاد إلى موطنه الأصلي.
كانت لقاءاتنا مع الغريب مثمرة، رغم صخبها في أحيان كثيرة، منه هو بالذات، لكن وعلى الرغم من كل ثوراته واحتجاجاته، كان يواصل النظر إلى "سماثمانا"؛ لقد أعجب بها هو الآخر، كما أعجبت به، كان يأمل منها مساعدة ما، وقد أوشكت على ذلك فعلاً.
كما لا أنسى أن نظراته تلك كانت تثير تعجبي، أنا أعظم حكماء هذا الكوكب، مع أنني كنت أقرأ أفكاره، إلا أن إثارتي ليست في النظرات، فقد يكون وراءها والدافع إليها نوع من الفضول، لكن علمي بما بينه وبين الوريثة كان يجعلني أتعجب من فعل النظرات، كأفعال تدفعها أفكار تعرف ماذا تريد بالضبط. حتى هذه اللحظة لا أستطيع تخيل ما حدث. لقد آمنت بأنه لا يوجد ذلك المخلوق الذي يعلم كل شيء، فأنا من كلفت "سماثمانا" بمراقبته والاقتراب منه والتحاور معه، على الرغم من نفوره منها بادئ الأمر، لكن تلك العناقات بينهما فيما بعد، وجنون "سماثمانا" به أثار استغرابي، لقد انجذبت إليه بشكل حقيقي، كان حباً صادقاً، وقد كان ذلك مضحكاً بعض الشيء بالنسبة لي، فقد عرفت وتعلمت أن الأنثى هي الأنثى في أي مكان، بغيتها محاولة الظفر بالذكر الذي تراه مناسباً لها، لكن ذلك الغريب الذي كان اسمه على اسم آخر رسول بشري، لم يكن مناسباً لوريثة العرش، لقد صرخت في وجهها مرات عديدة وأمرتها ألاَّ تنساق وراء كذب العواطف.
وقد كانت تعترف لي أنها لا تستطيع ذلك. ويعلم الله أنني قد صدقتها، لكن انسياقها الأعمى وراء مشاعرها قد دفعها إلى التمرد، وذلك يعني لنا الخيانة من أي شخص عادي، فكيف إذا كان الأمر متعلقاً بوريثة عرش وقائدة جنس كامل في المستقبل. حذرتها، لكنها كانت تمشي إلى حيث لا تدري، مغمضة العينين. فقررت اعتقالها وإيداعها معتقل الصندوق الكبير، وهذا ما حدث بالضبط، بل إننا اضطررنا إلى تبخير بعض الوصيفات، لخيانتهن لواجب المسؤولية.
أما "محمد"، الأرضي، أو الغريب كما كان يطلق عليه، فقد حاولت شرح موقفنا أمامه، وأننا لن نستحوذ على مائهم إلى ما لا نهاية. لم أكن قد صارحته مباشرة بما ننوي فعله، ففي ذلك الوقت كان علماؤنا يسابقون الزمن لإيجاد طريقة مناسبة وعادلة يستفيد منها جنسانا، كلاًّ في كوكبه، وأن العملية برمتها ليست أكثر من إيجاد طريقة مناسبة لعملية شحن هائلة لمائنا تجدد شبابه وتنقذه، وبالتالي تنقذنا نحن من الضمور والذوبان، ولم يكن ليحدث ذلك لو لم نلجأ إلى الاستعانة بفتوة الماء الأرضي الحديث العمر، رغم تلوثه، لكن قضية التلوث لم تكن مشكلة بالنسبة لنا، فالتطهير كفيل بالقضاء على أي تلوث مهما كان حجمه.
⦁ لا أظن أنكم على حق، فتجاربكم هذه تبيد ملايين البشر، وحتى تعيدوا الماء، ربما يكون الإنسان قد اختفى من سطح الأرض!
كانت حججه قوية وواضحة، يدفعه إلى ذلك انتماؤه الشديد إلى بني جنسه واعتزازه بأصله البشري.
⦁ نحن لسنا بصدد التعامل مع الحق الذي تعتقده، فالحق يعني لنا البقاء بأي وسيلة، وما عدى ذلك لا نرى فيه غير تعبيرات لا تهمنا ولن تغير في الواقع شيئاً.
رد عليه "مائمانا" بجفاء، لكنه لم يجفل أو يتراجع.
⦁ أنا أدرك أنني قد أدفع حياتي ثمناً لما أقول، لكن إذا كان ذلك في سبيل المحاولة لإعادة ما نهبته أيها السيد فسأفعل، ولن أتراجع عن ذلك. أما أنت أيها الموقر فلن تخيفني بغضبك، ولن تقنعني تبريراتك التي لا أرى فيها سوى الإصرار على القتل.
كان رداً لاذعاً وجريئاً شد انتباه "سماثمانا"، وأظن أن جراءته قد جعلت وريثة العرش تعجب به، أو بمعنى آخر يزداد ذلك الإعجاب.
- أيها الإنسان، أريدك أن تعلم أننا سوف نعيد ماءكم، لكننا نريد قليلاً من الوقت...
كنت أخاطبه بود وليونة، لكنني لا أنكر أنني كنت أتحاور مع فارس حقيقي، يؤمن بما يقاتل في سبيله.
كذلك أريد القول أيضاً إننا كنا قد قررنا إعادة الماء إلى مكانه الأصلي، خصوصاً بعد ما أنبأنا علماؤنا أنهم يوشكون على الانتهاء من تخصيب مائنا، فنحن في حقيقة الأمر لا نريد ولا نستطيع أن نستوعب أكثر من حاجتنا الفعليّة، فعلى ضوء ما قاله العلماء، أن ما سوف نحصل عليه من طاقة مائية ستكفينا ملايين المراحل المائية ، أي الى أن يندثر هذا الكون بأمر من خالقه ذات يوم أو عصر لايعلمه أحد سواه، لكن من يستطيع إقناع غريب ضحى بحياته في مغامرة لا يعلم نتائجها بتفهم أعذارنا.
⦁ يبدو أننا لن نصل إلى حل، وأنا حقيقة لا أستطيع تخيل كيف تتحدثون عن حضارتكم بأنها حضارة حياة، بينما هذه الحياة تقوم في الأساس على فكرة إلغاء حياة أخرى. إنني أضعكم أمام مسؤوليتكم الكاملة، أمام الخالق الذي هو وحده القادر عليكم، ولا أبرئكم مما اقترفتموه في حقنا أبداً.
كان قد مر وقت طويل لم تشهد قاعدة الماء المقدس لغطاً مثلما حدث بعد أن انتهى من كلامه الذي زلزلنا حتى الأعماق؛ لقد توعدنا بقدرة الله، التي لا يقف أمامها أحد، مهما بلغت قوته وعظمة شأنه العلمي. ولن أخالف الحقيقة، أن خشيتنا من غضب الخالق قد راودت عقولنا، لكننا استطعنا تبرير ذلك، وهو تبرير أجوف آمنّا به رغم إيماننا الكامل ببطلانه، وقد كان ذلك يقوم على فرضية حالة حرب مشروعة للدفاع عن النفس، ضد احتكار سكان الأرض للماء الذي يمكن أن ينقذنا، ومن الطبيعي أن يكون هناك منتصر ومهزوم، كما هي قاعدة الحروب في أي مكان، بل وذلك ما كنا نراقبه عبر سنين طويلة في كوكب الأرض نفسه، من حروب مدمرة لا تبقي ولا تذر. لقد رأينا وتابعنا عبر فترات موغلة في القدم، حضارات تنهض وأخرى تموت أو تنتحر، ورأينا فظاعة تلك الحروب المرعبة، التي خاضها الإنسان ضد أخيه الإنسان.
كل ذلك صنع لنا مبرراً أخلاقياً نسير عليه، ولم نغفل أيضاً عدد الذين سيموتون من العطش، وتقلبات المناخ العاصفة، ووضعنا في الحسبان تعويضاً مناسباً عمّا سببناه من أذى لم يكن مقصوداً لذاته على الإطلاق. وقد رأينا أن أكبر تعويض يمكن أن نقدمه لسكان الأرض، هو تمكينهم من السيطرة على المناخ، عبر إرسال مثلث مائي صغير غير قابل للكسر أو للضياع، بالإمكان وضعه في جيب شخصٍ عادي، تكمن قوته الفيزيائية الخارقة في مقدرته على إسقاط المطر في أي بقعة من بقاع الأرض وتغيير مناخها إلى الأفضل. لم ننس واجب القيام بإعادة الإعمار هناك، بحيث يستطيع ما تبقى من البشر مواصلة الحياة، والتناسل مرة ثانية، في رفاهية تستمر إلى الأبد. لكنه، ذلك الغريب العنيد، كان يرفض كل ما نمنيه به، وقد كان محقاً، فالوقت كان مهمًّا بالنسبة له ولسكان الأرض، فكلما تأخرنا في إعادة الماء، كان الموت يواصل زحفه الماحق في رقاب ضحاياه.
⦁ أريد الماء الآن، وكلما كنتم أسرع تجاوباً، أنقذنا مزيداً من الكائنات الحية. أما الإعمار فلا أمانع في مساعدتكم لنا، بل هذا هو المفروض عليكم كونكم من سبب الخراب.
كان فعلاً قد أوصلنا إلى طريق مسدود بإصراره، ولم نكن لنسمح لأنفسنا بإعادة قطرة واحدة قبل التأكد من تأمين ما نريده أولاً لبقائنا مهما توعد، فهو لن يقدر على فعل شيء في المحصلة النهائية، حيث بإمكاننا قذفه في الفضاء وليذهب إلى الجحيم.
⦁ أنصت إليّ جيداً أيها الأرضي ولا تتحامق! ما قد قُرر لا تراجُع عنه، لكنك يجب أن تعلم أننا في أقرب فرصة ممكنة سوف نعيدك إلى كوكبك وأنت في غاية الرضا. وإلى أن يتم ذلك ويحين موعده، سوف أسمح لك بالتجول، وزيارة معالمنا، وسنعلمك ما لم تعلمه أنت وبني جنسك، فاستفد من هذه المنحة ولا تضيّعْ الوقت، فما سوف تتعلمه هنا سوف ينفع تقدمكم، ليس هذا وحسب، بل لقد باشرنا منذ اللحظة الأولى حمايتكم من مفاعلاتكم النووية خشية انفجارها. كما أننا استطعنا فسخ مكمن الخطورة في أسلحتكم الفتاكة، تلك الأسلحة التي صنعها الإنسان للقضاء على نفسه، حتى لا تنفجر وتدمر كوكبكم. واسمح لي بالقول إنكم معشر البشر قد ضيّعتم أوقاتكم وجهودكم في صنع وتخزين أسلحة أضرارها تفوق منفعتها، إن كان لها منفعة تذكر سوى القتل. ونحن سنحاول التكفير عمّا بدر منا بخصوص الماء، وسنقوم بتعليمك طرقاً ناجحة للتحكم بتلك الكوارث المؤقتة، المضغوطة في معاملكم. سنطهر أرضكم من أي إشعاع ضار. وسنعلمك أنت شخصياً كيف تستطيع تحويل تلك المركبات القاتلة إلى مركبات طاقة لا ضرر منها، هل تفهم ما أقول؟
كان ينصت باهتمام، وقد بدا الارتياح على وجهه. وواصلت كلامي "سوف نقوم برتق الثقب الموجود في غلافكم الجوي، ونجعل ذلك الغلاف منيعاً أمام أي كوارث تتهددكم من الفضاء، وأيضاً سنساعدكم على تكاثر المخلوقات التي تتعرض أو تعرت فعلا للانقراض. أليس في هذا تعاونٌ معكم، واعتذار علني أقوله الآن أمامك، وعليك أن تدرك صعوبة موقفنا؛ إننا نقدر مشاعرك، وعليك أيضاً تقدير دقة وضعنا كجنس كان معرضاً للهلاك".
لم يقل شيئاً سوى جملة قصيرة مليئة بالمرارة والألم
⦁ إنني أقدر مشاعرك أيها الحارس الأعظم، لكنك لو علمت أي رعب صنعتموه لنا، وما هو طعم الدمع الذي سفحناه، وكم هم الذين ماتوا لا ذنب لهم، لأدركت أن حجم أي تعويض لن يقدر على إعادة من ماتوا. وما أدريه بالضبط أنكم لا تدرون ماذا يعني الظلم الذي وقع علينا، وماذا تعني رعشة طفل يموت بلا ذنب دون أن يدري لماذا ومن كان السبب في موته.
ظلت كلماته ترن في ذاكرتي مثل قصف الرعود. لكنه ورغم فجيعته انكبَّ على تلقي العلوم بشغف عظيم. كان سريع الفهم، مما جعل علماءنا يعجبون به، وبعقليته الفذة. والآن وبعد مرور وقت طويل على عودته إلى كوكبه وإعادة إعماره من جديد، وشهرته الفائقة التي حاز عليها هناك كمخلص للبشرية، أسأل نفسي سؤالاً واحداً لم أقدر على الإجابة عليه " ترى لو أن الإنسان تفرغ للسلام وإشاعة الحب والأمان، بعيداً عن الحروب والمآسي، ووجَّه كل جهده للبناء والإعمار، إلى أي مدى يا ترى كان سيصل؟!" .

 

***



الفصــــــــل التاسع

 

 

 


ذكر ما جرى لــ"أنجل"بعد سفر زوجها إلى حيث لا تعلم

 


تلاشى "محمد" أمامي مثل حزمة ضوء، واختفى في الفضاء، في أقل من ثانية. كان قد حدثني بهواجسه. ولن أكذب لو قلت إنني لم أتجاهل تلك الهواجس، فما كان يخبرني به أقرب إلى الهذيان منه إلى الواقع؛ ماء يتعرض للسرقة، وبهذه الكمية المستحيلة التخيل، واللصوص، مخلوقات قادمة من مكان مجهول في الكون، لا ندري موقعه على وجه التحديد! كان كلامه يجعلني أتخيل نفسي في حلم مروع، لكنني ما قدرت قط أن مثل هذه الكوابيس والتخيلات قد تتحقق معنا، وهنا في بيتي، وزوجي هو المسؤول الوحيد عن الدفاع. فعلاً لقد كانت أحداثاً لا تعقل، لكنها حدثت وأمامي!
لا أنكر كذلك أنني كنت أحياناً أشعر بالخوف على "محمد" مما يقوله ويتخيله، بل لقد ظننته قد وقع فريسة هاجس نفسي. فالجهد الذي كان يبذله فوق طاقته، خصوصاً بعد اكتشافه لتلك الكائنات المجهرية في إحدى بحيرات الولاية. كان اكتشافاً مذهلاً بالنسبة له، وهو العالم بما يفعل. وعلى الرغم من تناسيه لذلك الاكتشاف، كما كان يصر على تسميته أثناء تحضيره للدكتوراه، إلا أن أحد تلامذته أعاده وأعادنا إلى النقطة الأولى، إلى تلك اللحظة التي رأى فيها الكائنات الدقيقة، فإذا به يأخذ منحة تفرغ، ويأتي بنا إلى هذه القرية النائية في "آب نورث"، للكشف والمتابعة وللتحقيق والتأكد مما عثر عليه ذلك الطالب. وها هو الآن بعد شهور مضنية، يتابع ويلاحق ويتقصى كل شاردة وواردة وكل حركة، ويقضي الليالي الطويلة في مراقبة ومشاهدة مخلوقاته الصغيرة التي لا ترى بالعين المجردة، أو حتى بالمجهر العادي، ويدوّن ملاحظاته واستقراءاته ونتائجه التي كانت تدفعني إلى حافة الجنون. فالسيناريو الذي كان يتوقعه لما سيجري أكبر من التخيل، وأوسع مما يتصوره أي إنسان على هذه الأرض. وكلما حاولت أن أسأله عماذا أو في ماذا يفكر وماذا سوف يفعل، كان يتوسل سكوتي، وقد فعلت ذلك مرغمة والقلق عليه يعصف بي.
أشهد أنه قبل اختفاء الماء لم يوفر وسيلة إلا واتخذها للتعريف بالخطر القادم، ولا مكان إلا وقصده وشرح فيه تخوفاته مما قد يحدث، مدللاً على أقواله وهواجسه بعشرات البحوث. ذهب إلى كل مكان استطاع الوصول إليه شخصياً، أو عبر الاتصال، بمختلف الأدوات وطرق المواصلات الممكنة، المعاهد العلمية، مراكز البحوث، الأمم المتحدة، الجامعات، خابر العلماء، بل لقد وصل به الأمر إلى دق أبواب البيت الأبيض؛ لكن كل الأجوبة التي كان يتلقاها على ما يقوله ويحذر منه، سخرية فجة وتشكيك في عقليته، بل لقد وصل الأمر ببعض الصحف إلى نشر رسوم كاريكاتورية تظهره كمجنون يقف أمام المحيط يحذره من بعض اللصوص الذين سيأتون لسرقته، فيرد عليه المحيط "لا تخف لقد أمنت على حياتي في إحدى شركات التأمين!".
لقد أوشك أن يُجنّ فعلاً، حيث أخذ يكلم نفسه كمن فقد عقله "يا أغبياء نحن نواجه أكبر خطر يواجه البشرية، وأنتم لا تحركون ساكناً!". ويؤسفني القول انني صدقت أنا أيضاً أنه قد أصيب بخلل في عقله، فزاد ذلك من خوفي، فأنا الوحيدة التي تدرك حجم ومقدار الجهد الذي كان يبذله، "لن أقف مكتوف الأيدي، وسأقاتل وحدي، فإما أن أنقذ الماء وإما أن أموت دونه".
كم مرة نصحته بالذهاب إلى طبيب، أو على الأقل أن يخلد قليلاً إلى الراحة. لكنه كان يرد عليّ بألم، "أنجل! لم يعد إلى جواري سواك، فلا تخذليني بعدم إيمانك بما أفعل، لكنني لا ألومك، فما قد يحدث فعلاً لا يصدق". وقد حدث ما حذر منه، ساعتها عرفت أن كل ما قاله وشدد وهدد بحدوثه قد وقع. وعندما أخبرته أن يعاود اتصالاته مع الذين حاول إقناعهم من قبل، أجاب بحسرة ، "يا عزيزتي، إن البحوث والتصورات التي قدمتها إليهم تجعل الطفل يصدق، لكن يبدو أن مصيرنا جميعاً وبقاءنا يقع على عاتق السرعة التي سأقررها أنا وحدي للأسف، وعليّ سرعة التحرك، فالوضع لم يعد مجرد تصور أو تخيل، بل لقد صار أمراً واقعاً لا مهرب منه إلا بحسن التصرف، وسرعة المبادرة".
والآن ها هو قد ذهب لا أدري في أي اتجاه، أو إلى أين سيصل. كان حنوناً في عناقه الأخير لي؛ ودّعني كأنه لن يراني مرة ثانية إلى الأبد. بكيت خوفاً عليه، وحاولت قصارى جهدي إثناءه عما اعتزمه وقرر فعله، لكن لا دموعي ولا توسلاتي أثرت فيه؛ "نحن محكوم علينا بالموت، هذا مؤكد بدون ماء؛ فإذاً، لمَ لا أحاول المحاولة الأخيرة
ولن نخسر شيئاً إذا فشلت المحاولة، على الأقل نكون قد حاولنا قدر المستطاع".
كنت أعلم أنه يكلمني من وراء قلبه. لقد كان يحبني بجنون، ولم يتركني لوحدي ولو لمرة واحدة طيلة سنوات زواجنا، حتى في رحلاته التعليمية التي كان يقوم بها بدعوة من بعض الجامعات ومراكز البحوث سواءً داخل أمريكا أم خارجها، كان يأخذني معه، في حله وترحاله؛ إلا في تلك الرحلة المرعبة التي لم يكن يدري إلى أين ستنتهي به. "أستودعك الله! كوني حذرة على نفسك! فلا أحد يعلم كيف ستكون حالة الناس بدون ماء. إلزمي البيت ولا تغادريه إلا للضرورة القصوى". ضمني إلى صدره، وقبّلني على جبيني، كما هي عادته، وانحدر في البحيرة الجافة. وعندما صار أمامي مباشرة، أمرني بفتح حنفية الخزان المائي الذي وضعناه فوق حافلة صغيرة، لكنني ترددت في ذلك، فصرخ بأعلى صوته في وجهي، وهو الذي ما فعلها من قبل أبداً ، "افتحي الحنفية الآن أيتها الحمقاء، فليس أمامنا وقت لنضيعه". انهمرت دموعي، ورفعت صوتي بالبكاء ، "لا، لا أستطيع، لا أقدر على ذلك يا محمد!".
وجثوت على ركبتي في نحيب موجع ، "أوه يا إلهي! ماذا فعلنا لنواجه هذا البلاء ؟!". أقبل مسرعاً كالمجنون، ورفعني من كتفي، هازاً إياي بعنف ، "البكاء لن ينقذنا، علينا التضحية ما دام الآخرون قد تقاعسوا، هل تفهمين ، هل تفهمين ، الناس يموتون، وليس لهم بعد الله سوانا!".
ضمني إلى صدره بقوة وصدره يوشك على الانفجار، هزني بعنف عندما واصلت البكاء. "عندما أقف أمامك رشيني بالماء، فهذا ليس وقت النواح". عاد أدراجه بأقصى سرعة، ولهاثه العالي يصل إلى مسمعي، كان غاضباً من كل شيء، يفت في كبده خوف بحجم الماء المنهوب. وعندما صار أمامي صرخ بأعلى صوته "الآن!". فتحت الحنفية باتجاهه، وما كاد الماء المنطلق من الخزان يبلله وتلامس قطراته الكثيفة الأرض الجافة، حتى تحول إلى كتلة ضوئية شديدة التوهج، اختفت في لمح البصر، آخذة معها زوجي إلى المجهول، فدهمتني وحشة مرعبة بعد أن غدوت لوحدي تحت ضوء ذلك القمر الشاحب مثل جنية أسطورية تقف متوحدة أمام خراب العالم.
أحسست بالخوف، فقمت بإغلاق الحنفية، وصعدت إلى شاحنتي ، مرتجفة الأطراف وكأن هناك من يطاردني، وانطلقت بأقصى سرعة باتجاه البيت. وفي تلك الليلة البعيدة، تخيلت أن الأشباح والأشجار والقمر المريض تلاحقني للفتك بي، وثمة حرارة لا تطاق تتمدد في السهول والقفار وفي كل مكان، مثل تنين خرافي ينفث حممه وألسنة لهبه الحارقة فوق رأسي. "كوني حذرة من كثرة الحركة، ومن بذل مجهود فوق طاقتك، حتى لا تتعرضي للتعرق، وتفقدي سوائلك". كانت نصائح "محمد" تئز في عقلي أثناء هروبي من أشباح لا أراها، بعد أن غمرني العرق، وأعمتني الدموع. "اقتصدي في ما تبقى معك من ماء قصارى جهدك، واعلمي أنه لن يكون معك أحد ليساعدك".
أدخلت الشاحنة الجراج، بجوار سيارة "أسكورت" صغيرة كنا نستخدمها في مشاويرنا الخاصة في القرية عندما كنا نذهب لتسوق ما نحتاج إليه من مؤن. وتأكدت من إغلاق جميع النوافذ والفتحات، باستثناء النوافذ العلوية القريبة من السقف والمحاطة بأسلاك معدنية قوية تمنع دخول الحشرات، وتسمح للهواء بالمرور. مع أن الجو كان جامداً، إلا أنه لم يكن أمامي خيار آخر. وحده باب الجراج رفض الانغلاق، نظراً لانقطاع التيار الكهربائي عن البيت والمنطقة بأكملها، فتركته لوقت آخر واكتفيت بإغلاق بقية الأبواب: باب الشرفة والباب الخلفي والباب الأمامي، ووضعت عليها مزاليج وأقفالا من حديد غير قابل للكسر.
كانت ليلة عصيبة مزقني فيها الخوف، فلم أكن أدري ما الذي سيحدث لي في غياب زوجي، أو كيف سأتصرف إذا ما واجهتني بعض المخاطر. تلك الليلة المخيفة لم أنم من شدة الرعب، وقضيت أغلب الليل في الصلاة والدعاء إلى الله أن يحفظ رجلي المسافر إلى عالم لا يدري ماذا ينتظره فيه. وعندما كنت أغفو كانت تهجم عليّ كوابيس مزعجة، فمرة أرى "محمد" عالقاً في شبكة عنكبوت ضخمة يستنجد بي، وثمة عناكب عملاقة تهجم عليه وتغرس أنيابها وقرونها الجهنمية في جسده، ومرة أخرى أراه في كوكب قاحل يموت عطشاً وثمة مخلوقات بشعة الصورة ترقص حوله في جنون وهو يحتضر لا يسقيه أحد شربة ماء. كانت ليلة من الرعب والكوابيس لا تنسى، استيقظت فيها عدة مرات مذعورة باكية يحيط بي ظلام دامس، لقد ظننت حينها أن الفجر لن يطلع، وأنه قد كتب عليّ العيش في الظلام إلى يوم يبعثون. لكنني ورغم خوفي من معاودة هجوم الكوابيس، نمت كالقتيلة من شدة التعب، أضم إلى صدري سكيناً ضخماً من سكاكين المطبخ، خشية أن يهاجمني أحد، خصوصاً وأنني وحيدة ليس لي معين سوى نفسي وعليّ أن أدافع عنها بكل ما أوتيت من قوة، ففي ظرف كهذا لا يُعرف الصديق من العدو!
حاولت تشغيل جهاز التلفزيون، علّي أشاهد أو أسمع ما يعيد الطمأنينة إلى نفسي، لكنه كان ميتاً لا حرارة فيه؛ لقد نسيت انقطاع التيار الكهربائي. حاولت استخدام الهاتف، لكنه كان أيضاً ميتاً لا نبض فيه ولا روح.
كل الأدوات التي كانت تعتمد على الكهرباء توقفت. ألقيت نظرة من نافذة غرفة نومي، فلم أرَ أمامي سوى وحشة لا تطاق، فدهمني الخوف مرة ثانية، خصوصاً بعد أن نظرت من نافذة المجلس باتجاه البحيرة، لأجدها فارغة جافة لا أثر فيها لأية حياة أو خفقان قطرة ماء. تخيلت نفسي وحيدة في كوكب مهجور لا يسكنه أحد منذ مليون عام. لم أدرِ ماذا أفعل، خصوصاً في ذلك الحرّ الذي لا يُطاق. كنت أتعرق رغماً عني حتى ولو لم أبذل أي جهد. لم أشعر بالجوع، كان فمي جافاً وحلقي ملتهباً، فصببت لي كوب ماء، وتجرعته مرغمة، فقد كان حاراً. بعد ذلك فتحت علبة تونة، وتناولتها بدون شهية، تلك العلبة ستعلمني أن لحم السمك يزيد من وتيرة الظمأ، وأنا لست في وضع يجعلني أبذّر بمخزوني من الماء حتى لو كان بغرض الشرب، فكل كوب كنت أشربه أخسره بالضرورة رغم أهميته لبقائي.
بقية اليوم قضيته في تصفح كتب مكتبة زوجي الصغيرة، وبعض المجلات النسائية، التي كان بعضها يتحدث عن أفضل السبل للمحافظة على نظارة البشرة، وذلك بتناول كميات كبيرة من الماء، وأيضاً البقاء أكبر وقت ممكن في الماء، فجعلني ذلك أضحك حتى اغرورقت عيناي بالدمع، وأنا أتخيل نفسي أفرغ خزاني الماء الصغيرين اللذين بحوزتي لأستحم. كان "محمد" قد اشترى خزاناً آخر ووضعه في البدروم وملأه حتى آخره بالماء. كذلك كان هناك صفائح بلاستيكية، مُلئت هي الأخرى بالماء، وعشرات القوارير المختلفة الأحجام؛ تحسباً لما قد يحدث، وقد أفادتني كثيراً، في بانيو الحمام، حتى أستطيع المحافظة على نظارة جسدي المزعومة.
كانت ضحكة مريرة تسخر من غرائبية ما يحيط بي. وعندما أقبل الليل تأكدت من إغلاق الأبواب، وخلعت كل ملابسي، وبقيت عارية تحت رحمة حرٍّ خانق يكاد أن يمنعني من التنفس. كانت رائحتي حامضة، رغم استخدامي لبعض المراهم العطرية الرائحة. ففكرت في أخذ حمام يعيد لي بعض حيويتي، فرأيت في ذلك عبثاً لا معنى له. ولأنني كنت مجهدة، فقد نمت بعمق تلك الليلة، بعد أن أقنعت نفسي بألاَّ فائدة من الخوف والبكاء، فهما لن يعيدا لي "محمد"، فتوقفت عن البكاء الذي كان يدهمني على حين غرة. أما الخوف فقد ظل رفيقي حتى آخر يوم من أيام العذاب التي لا تنسى.
لم تدهمني الكوابيس كما كنت أظن، بل نمت مثل ميتة ماتت منذ أمدٍ بعيد، رغم سيول العرق ودرجة الحرارة العالية. استيقظت باكراً صبيحة اليوم التالي، وأنا أشعر براحة جسدية كنت أفتقدها. صنعت لنفسي قهوة، دون أن أقوم بتسخين الماء، الساخن أصلاً، أضف إلى أن غاز الفرن كان مقطوعاً هو الآخر. وتناولت بضع قطع من البسكويت، وقررت الخروج من البيت في محاولة مني لاكتشاف أي شيء، أو ربما لعلّي ألتقي بعض الناس الذين كنت أعرفهم، فلا فائدة من القعود في غرفة نومي للندب والبكاء، وهذا ما فعلته. ركبت السيارة وتوجهت إلى القرية، وقد فاجأني خلوها من السكان. كانت مقفرة عن بكرة أبيها وأجدادها، يحيط بها صمت قاس. "أين ذهب الناس ؟!".
كنت أتلفت يمنة ويسرة أثناء قيادتي للسيارة، فلم أرَ أحداً. وما كدت أصل إلى وسط القرية حتى رأيت ما أفزعني. "يا إلهي!". كان ثمة جثث آدمية منتفخة، ملقاة في الشوارع، تنهش فيها كلاب مسعورة. "كيف مات الناس بهذه السرعة، ولم يمر على اختفاء الماء بضعة أيام ؟!".
فكرت في العودة إلى البيت، فما كنت أشاهده وأشمه جعلني أتقيأ على ثيابي. كنت خائفة جداً من منظر الكلاب وقد أستذأبت وزادت توحشا وضراوة ، وهي تنهش جثث من كانوا أسيادها حتى الأمس القريب. نسيت القيء على ثيابي لهول ما رأيت. وبدلاً من قرار العودة إلى المنزل، قررت التوغل قليلاً بين البيوت المهجورة، لعلّي أجد من يحتاج المساعدة. ضغطت على منبه السيارة عدة مرات، علّي أسمع صوتاً، ولكن لا حياة لمن تنادي. كنت في حيرة حقيقية، لا أدري ماذا أفعل، أو بمن أستنجد إذا ما حدث لي مكروه، هل سيكون مصيري كمصير أولئك الذين تمزق أجسادهم، المتورمة من أثر الموت، كلاب مجنونة؟!
أخافني ذلك التخيل، فاستدرت بالسيارة في محاولة للعودة إلى بيتي، على الأقل إذا متُّ فسأكون في مأمن من افتراس جثتي من قبل بهائم جنت من الجوع والعطش. وأثناء مروري بالقرب من أحد البيوت التي كنت أعرف ساكنيها، ضغطت على المنبه ضغطات متتالية، فلم يصلني أي صوت. فتحت زجاج النافذة بحذر، وناديت بأعلى صوتي بعض الأسماء، فلم يجبني مخلوق. تقدمت تجاه إحدى النوافذ المطلة على الشارع، أعدت ندائي، كررت الضغط على منبه السيارة، فما وصلني سوى صمت قتيل. ويئست وهممت بالتقهقر صوب الأمان الذي أحسه في منزلي، كان معي من الماء والغذاء ما يكفيني لفترة لا تقل عن ستة أشهر، إن لم يكن أكثر، في ظل النظام الصارم الذي أتبعه في عملية التقنين التي أتبعها.
كان خزان الشاحنة الصغيرة الرابضة في الجراج ممتلئاً تقريباً، والأغذية المعلبة كذلك تكفي لنفس المدة، ناهيك عن خزان البدروم الممتلئ عن آخره، وعدد لا بأس به من العلب البلاستيكية وعشرات القوارير الطافحة بالماء أيضاً. كنت في وفرة غذائية ومائية أُحسد عليها، وكل ذلك بفضل حرص زوجي الذي استعد للأمر مبكراً. "لكن هل سيمكنني العيش كل هذه الشهور؟!"، هذا هو السؤال الذي لا يعرف إجابته سوى الله!
فجأة تناهى إلى سمعي بكاء طفل. انقبض قلبي لسماع ذلك البكاء، فأوقفت السيارة وهممت بالنزول، فإذا بقطيع من الذئاب يتقدم باتجاهي بسرعة وحشية هائلة. وما كدت أغلق باب السيارة بالكاد، إلا وقد أحاطت بي من كل مكان. كنت أرتجف في مقعدي، خصوصاً عندما أخذت تلك الحيوانات الكريهة تحاول نهش الإطارات، بل كانت تحاول نهش السيارة كما لو أنها بقرة ضخمة. كنت أصرخ من الرعب، لكنني عندما رأيتها وقد اعتلت سقف المحرك، ورأيت لعابها يسيل على الزجاج، تمالكت نفسي وأدرت الموتور. كنت أرى عيونها مثل جمر متقد. ماذا لو أنها أفلحت في كسر الزجاج ، لا شك أنها ستمزقني إرباً إرباً. أنساني رعبي بكاء الطفل المنبعث من ذلك البيت، وهممت بالهروب، لكن البكاء وصلني أشد حرقة من السابق، سمعته واضحاً رغم ضجيج الذئاب حولي، أسقط في يدي، واحترت في أمري؛ كيف يمكنني الوصول إليه وإنقاذه ؟!
وبينما أنا في تفكيري وسط دوامة الرعب تلك، إذا بالذئاب فجأة تتوقف عن مهاجمتي وتتجه صوب الصوت، بعد سماعها للصراخ، سقط قلبي في جوفي. "يا إلهي!". لو وصلت تلك الوحوش إلى الداخل، فستفتك بكل من تقابله. أصبت بالشلل، ماذا أفعل ، فلو ترجلت عن السيارة فستهجم عليّ، وإن بقيت مكاني فقد تصل تلك الضواري إلى مصدر الصوت، والله وحده يعلم ما الذي قد يحدث. كان الجو لا يطاق، زاد من حرارته سخونة ما أراه. وثمة رائحة كريهة تتمدد في الفضاء، مثل سحابة كبيرة من لحم بشري ميت. كنت في موقف لا أُحسد عليه. أسرعت بالسيارة ودرت دورة كاملة حول البيت، وعندما رأيت الأبواب مغلقة هدأت نفسي قليلا فتلك المخلوقات القبيحة لن تستطيع الدخول.
فجأة وما أكثر الفجاءات والمفاجآت التي صادفتني في تلك الأيام المضنية ، طرأت في رأسي فكرة، قمت بتنفيذها على الفور، عدت إلى الطريق العام أو الشارع الرئيسي، مثل طلقة غاضبة، حيث دهست في تقدمي عدداً من تلك الكائنات، فكادت أن تتسبب في انقلاب السيارة، لولا تمسكي بعجلة القيادة، وانطلقت كالمجنونة لا ألوي على شيء. كان "محمد" يحتفظ على الدوام بسلاح ناري مرخص، وعندما كنت أسأله عن فائدة أو جدوى وجود السلاح في البيت، يجيبني بحكمة أراها سديدة الآن ، "يا زوجتي العزيزة، لا أحد يدري ما الذي قد يواجهه المرء في حياته، ولذلك فالسلاح ضروري في البيت لساعات الخطر والدفاع عن النفس إذا اقتضت الضرورة ذلك، وأنا كرجل عربي لا أستغني عن سلاحي الشخصي حتى لو كنت أعيش في الولايات المتحدة، وليس في بلادي". كان لك منذ زمن طويل. كنت في سري أدعو الله أن أجد ذلك السلاح، فقد أتت الضرورة التي تجعلني أضطر لاستخدامه. وعندما وصلت إلى مقربة من المنزل رأيت أمامي قطعاناً من حيوانات متنوعة، ذئاباً، ثعالب، أيائل وغيرها لم أستطع تحديدها، لأنها كانت في عراك ضروس، كانت في معركة ملتهبة، يؤججها العطش والجوع، وحرارة قاتلة لا ترحم، من أجل بقاء لن يدوم طويلاً للمنتصر مهما بلغت قوته.
كانت تلك المعركة المفزعة تدور في محيط بيتنا، مما جعلني أستغرب وجودها هناك وليس في مكان آخر. بعد فترة سأعلم أن الحيوانات عندما يفتك بها العطش، تستطيع أن تشم رائحة الماء حتى ولو كان في باطن الأرض. لقد تأكدت من ذلك عندما رأيت آثار محاولة اقتحام للبيت، الذي لحسن الحظ كانت أبوابه قوية بما فيه الكفاية. وعندما أتخيل الآن كيف لو أن تلك الحيوانات استطاعت الدخول واقتحام البيت، أُصاب بالذعر، فمعنى ذلك موتي جوعاً وعطشاً بلا أدنى شك.
كنت في تلك اللحظة مشغولة بمصير الطفل الذي سمعت صوت بكائه في أحد بيوت القرية، ولم يكن معي وقت لأضيعه في مراقبة معركة بائسة بين حيوانات أهلكها انعدام الماء، فضغطت على دواسة البنزين وزدت من سرعة السيارة، بطريقة جنونية كان يمكن أن تؤدي بي، خصوصاً لو اصطدمت بأحد الأيائل الضخمة، تاركة ليدي اليمنى حرية التصرف بصوت المنبه الذي كنت أطلقه بهستيريا صاخبة وأنا أتلفظ بشتائم لم تدون في قاموس بعد، ولم أطلقها في حياتي ولو لمر واحدة. انحرفت بالسيارة عدة انحرافات حادة، جعلت الحيوانات المشتبكة تجفل وتولي الفرار. ولم أكتفِ بذلك، بل قمت بمطاردتها مسافة ليست قصيرة حتى أخوفها من محاولة العودة ثانية، وقد نجحت في ذلك. عدت بعدها بالسيارة إلى المرآب الذي كان بابه لا يزال مفتوحاً، ودخلته، أشهق شهيقا أجشا كما لوكنت أعاني ربوا قاتلا ، وما كدت أضع قدمي على الأرض، حتى تناهى إلى سمعي صوت حيوان نكير، جفلت من رعب وعدت إلى مكاني مغلقة الباب ورائي بسرعة، كان ثمة حيوان بشع تلمع عيناه لمعان الموت، كانت أنثى ساقها العطش إلى بيتي هي وجراء كانت راقدة عليها. "هذا ما كنت أريده بالضبط حتى تكتمل كوارثي!".
أدرت المحرك وضغطت على مفتاح النور الأمامي، فبهر تلك الأنثى شلال الضوء الذي انهمر على وجهها، لكنها لم تحرك ساكناً من مكانها، كانت تبدو منهكة، بينما لا يزال صراخ الطفل يرن في أذني، وهاهي هذه القبيحة تسد عليّ الطريق. هجمت عليها محاولة دهسها، فانتصبت في مكانها، لكنني قبل أن أفعل ذلك، رأيتها تتهاوى ميتة. وعندما تأكدت من موتها ترجلت عن مكاني بأقصى سرعة، وقلبي يكاد ينفجر بين أضلعي من شدة الخفقان. فتحت الباب في عجالة وأغلقته ورائي، ونزلت مباشرة إلى البدروم، حيث كان "محمد" يضع سلاحه هناك.
فتحت أحد الصناديق فوجدت بغيتي. أخذته. كان ملقماً جاهز للاستعمال، عرفت ذلك من وضع مخزن الرصاص المثبت في مكانه المعتاد. كان رشاشاً صغيراً سريع الطلقات من فئة الكلاشينكوف، غدا فيما بعد رفيقي الدائم في جولاتي المستمرة بين المدن والقرى الخالية من سكانها. تأكدت منه ثم سحبت مخزناً آخر حيث وجدته محشوراً أيضاً، وضعته في بطني، أقصد دسسته بين بطني وسروالي الجينز، مثل مقاتلة شرسة في فيلم لرعاة البقر، وعدت أدراجي مرة ثانية، كنت أنهب الأرض نهباً، والكلاشينكوف إلى جواري على الكرسي، وكان أشد ما يخيفني أن أصل متأخرة.
فتحت نافذة السيارة عسى أن أستقبل نسمة عليلة، لكن لم يصلني غير حرارة جامدة لا ريح فيها. وصلت أخيراً والعرق يتصبب من كل مسامات جسدي، كما لو أنني ركضت مئات الأميال دون توقف. أوقفت سيارتي أمام البيت الذي انبعث منه صراخ الطفل، وأنا مصممة ومستعدة لخوض حرب طاحنة مع تلك البهائم المجنونة التي تنتظرني. اندفعت بعد أن تأكدت من إغلاق باب السيارة ورائي دون تردد ممسكة بسلاحي الجاهز للإطلاق، لكن يا للعجب لم أجد أمامي ما كنت أخشى منه، فتوجهت بحذر وصمت صوب الباب الخلفي، وقبل أن أصل إلى هناك هجم عليّ ذئب لا أدري من أي جحيم أتى، وقفز على صدري، ونظراً لشدة المفاجأة فقد وقعت على الأرض، دافعة بكل ما أملك من قوة ذلك الحيوان ورائي، بمجرد اصطدامه بي، سقطت في مكان، والرشاش في مكان آخر، على يميني مباشرة تفصلني عنه بضع خطوات.
عاود الذئب هجومه وبدا الوضع مصيرياً، كنت أواجه الموت، وكان عقلي يعمل بسرعة، لم يكن أمامي خيار آخر سوى المواجهة بيديَّ العاريتين، وهذا ما فعلته بالضبط، نهضت مسرعة، وبدلاً من الهرب، هجمت عليه بكل الجنون الذي تملكني في تلك الساعة، صرخت بأعلى صوتي حين هجمت، كانت صرخة خوف وغضب، لم يكن أمامي سوى لحظات قليلة للتصرف، قبل أن ينتبه باقي القطيع، فكرت في ضربه بين عينيه حتى أعميه، كانت تعوزني بضعة ثوانٍ فقط حتى أستطيع التقاط الكلاشينكوف من الأرض، وإلا فإنها النهاية، لكن الذي حدث كان غريباً، فبمجرد أن رآني الذئب أهاجمه، حتى ولى الفرار، لم أصدق عينيّ، لكنني لم أضيع الوقت في تفسير هروبه، التقطت الرشاش وصعدت مسرعة درجات قليلة أوصلتني إلى الباب، حاولت فتحه لكنه كان مغلقاً بإحكام، لم يكن ينقصني غير لك، تراجعت قليلاً إلى الوراء وأطلقت زخة من الرصاص على مكان القفل، فتطايرت ذراته في الهواء، رفست الباب، ودخلت يسبقني صوتي المتهدج ، "هل هناك أحد في البيت؟".
فلم أسمع أي جواب، توجهت بحذر صوب الصالة الداخلية، لأراها تعج بالثعابين المتجمعة فوق جثة رجل ازرقَّ جلده من أثر السم القاتل. أرعبني المنظر وكاد يغمى عليّ من شدة الرائحة الكريهة التي تملأ المكان.
أطلقت زخة ثانية من الرصاص باتجاه تلك الديدان السامة، فمزقت بعضها واختفت البقية تحت الكراسي. عاد الصراخ من جديد بصوت واهن، كان يأتي من غرفة تقع في نهاية بهو يقع بين عدة حجرات. تقدمت ويدي على الزناد. عالجت قفل الباب لكنه كان مغلقاً من الداخل، ناديت بكل صوتي المرعوب، والخوف يعصف بي، "يا إلهي! هل يوجد أحد هناك؟!". كان الجواب بكاءً حاداً.
دفعت الباب بكتفي، بكل ما تبقى فيَّ من قوة، فانفتح على مصراعيه. "يا رب السموات!". كان ثمة طفل رضيع محجوز في سريره، بينما امتدت أمامه على طولها جثة امرأة، كانت الأم وقد كنت أعرفها من قبل. ناديتها باسمها لكنها لم ترد، جسست نبضها، لكنها كانت قد شبعت موتاً. كان الوقت يمر سريعاً، وكان ينبغي عليّ سرعة الحركة، قبل أن يحدث ما لا تُحمد عقباه. عدت إلى السرير وأخذت الرضيع الذي كان في حالة مزرية ووضعته تحت يدي اليسرى، وبيدي اليمنى كنت أحمل الرشاش، وبدأت رحلة العودة، وما كدت أصل إلى الصالة الأمامية حتى رأيت أربعة ذئاب مسرعة تجاهي، طرحت الصغير على الأرض بسرعة وفتحت نيران خوفي وغضبي وسخطي على ما أمامي. توقفت، أو بمعنى أدق أفقت من سورة جنوني على توقف الطلقات، فقذفت بالمخزن الفارع واستبدلته بالمخزن المحشو، حملت المخلوق الصغير الذي لم يتوقف عن البكاء من شدة الرعب، وهرولت به إلى السيارة.
كان الطفل متشبثا بصدري ، والكلاشينكوف في يميني، وإذا ما أقبل الموت فلن أستسلم له. كنت في هيئتي تلك أشبه بقاطعة طريق متمرسة، مع أنها المرة الأولى التي أحمل فيها السلاح، لكن الظرف لم يكن يحتمل غير ذلك، موت أو حياة، وإذا كان زوجي "محمد" قد ذهب إلى حيث لا أدري لإنقاذ الجنس البشري، فلن أكون أقل تضحية منه، وسوف أدافع عن الرضيع مهما كانت التحديات، بل حتى لو لقيت حتفي. عندما أعود إلى تلك الأيام، أستغرب كيف أمكنني القيام بتلك البطولات، مع أنني فيما سبق كنت أخاف من ظلي.
فعلاً إن الإنسان وقت الخطر يتحول إلى مارد لا يُقهر، وقد كنت كذلك، حتى "محمد" عندما أخبرته أبدى استغرابا مصطنعا "يبدو بأنك يا عزيزتي أخطر وأقوى مما كنت أتصوره، فيجب عليّ الحذر منك إذاً"، وكان يتضاحك بسخرية مقصودة، فأرد عليه "الحقيقة يا سيدي القائد أنني كنت أحمي نفسي حتى تعود وتجدني سليمة، فربما قد ترجع وفي رفقتك مخلوقة جميلة تنسيك عزيزتك أنجل!".
كنا نتماحك ضاحكين لسوداوية ما مر علينا، فيرد عليّ بدوره وكان يبدو جاداً في مزاحه مما يثير حنقي "لقد أوشكت على ذلك فعلاً، لكنها رفضت أن تكون لها ضرة وها قد عدت لأخبرك بما سأفعله". كنت أبكي حينها مصدقة ما يقول. "كلكم خونة أيها الرجال، خونة!"، فيأخذني بين ذراعيه ضاحكاً "يا لك من حمقاء صغيرة سريعة التصديق!". يواصل ضحكه وأنا أكاد أنفجر من الغيظ. وكان الرضيع يوشك أن يموت بين يديَّ من شدة الهزال والرعب، ويبدو أنه لم يذق طعم الماء منذ أيام.
وصلت إلى السيارة غير مصدقة نجاتنا. وضعت رفيقي الجديد على الكرسي الخلفي، وأدرت المحرك وانطلقت كالصاعقة، مخلفة ورائي عاصفة من الغبار الكثيف.
لم تكن الساعة تقارب الثانية عشرة ظهراً، إلا وقد أنهيت مهمة شبه مستحيلة، لم أظن لثانية واحدة في حياتي كلها أنني قد أخوضها.
كان كرهي يتعاظم ويتحول إلى حقد مدمر تجاه أولئك الذين سلبونا ماءنا، وأحالوا حياتنا إلى كابوس طويل لا تبدو له نهاية قريبة.
تراءى لي منزلنا من بعيد مثل رحم أمين أحتمي به من الموت الذي يتربص بي في كل مكان. دخلت بالسيارة إلى المرآب، وأوقفت المحرك، وأصخت السمع لعلّي أسمع صوتاً أو أرى حركة. وعند ما لم أجد ما يخيف اطمأننت لذلك وحملت الطفل الموشك على الموت، والذي كان صوته واهناً إلى درجة خشيت أن يضيع من بين يدي، فلقد كان يبدو كما لو أنه يحتضر، وأسرعت به إلى الحمام حيث وضعته في البانيو وأفرغت عليه بعض القوارير، وبمجرد أن أحس بالماء يحيط به ويلامس جلده فتح فمه بعطش الموشك على الموت، تركته هناك وعدت من فوري إلى المرآب، حيث ألقيت خارجاً بجثة الحيوان الميت، وحاولت إغلاق البوابة، لكن ونظراً لعجلاتها التي لا تتحرك إلا بالكهرباء فقد فشلت في إغلاقها، كان يجب فعل ذلك، لأقطع الطريق على أي حيوان قد يفكر بالمجيء إلى زيارتنا زيارة غير مرحب بها.
تلفتُّ يمنة ويسرة، فرأيت فأساً معلقة على الجدار كنا نستخدمها في تكسير حطب المدفأة فتناولتها، وأخذت أهوي بها على جهاز التحكم الموصول بأكرة البوابة الحديدية، وأخيراً وبعد جهد جهيد أفلحت في كسرها، فانزلقت البوابة مغلقة الفتحة الكبيرة، كان ذلك عملاً مهماً حتى لا يتحول المرآب إلى زريبة، كذلك لأن خزان الماء لا يزال فوق الشاحنة، ولست على استعداد للمغامرة في كل لحظة أريد فيها الماء، بتعريض نفسي لخطر أنا في غنى عنه. وبعملي ذاك تحول البيت إلى قلعة صغيرة شديدة التحصين، صحيح أنني كنت أواجه تحدياً مستمراً في كل مرة أخرج فيها للبحث عن ناس، برفعي لتلك البوابة، لكن كل ذلك كان يهون أمام أي احتمال مفاجئ.
عدت إلى الداخل وحممت الصغير في محاولة لتخفيض درجة حرارته المرتفعة، وعندما انتهيت صنعت له عصيدة صغيرة من حليب مجفف ودقيق الفواكه، كما سقيته الماء على جرعات، حتى لا يقضي عليه بعد فترة عطشه الطويلة. ونظراً لأن درجة الحرارة كانت لا تحتمل، فقد عمدت إلى تهويته بتحريك بعض الأوراق التي جعلتها على شكل مروحة ورقية على جسده، وعندما أحس ببعض البرودة أخلد إلى النوم.
ازدادت مسؤوليتي جسامة بعد مجيء الطفل للعيش معي، والذي صار شاباً يافعاً الآن، بعد أن قمنا بتبنيه، خصوصاً وأننا لم نعثر له على أقرباء، وغدا أحد أفراد عائلتي وأخاً أكبر لأولادي.
كنا اثنين تتجهمنا أخطار لا ندريها، ليس هذا وحسب، بل صرت أمًّا أيضاً مسؤولة عن عدم التفريط بالماء تحت أية ذريعة ولو كان بقارورة ماء صغيرة، كان ينبغي عليّ الحرص على الماء بما يكفي للعيش، وإذاً فلا حمامات اغتسال ولا يحزنون، ولتصل رائحتي إلى القمر.
كنت شديدة الإرهاق، شربت قليلاً من الماء، وهجمت على كنبة في غرفة الضيوف، ويبدو أن النوم قد سرقني فنمت نوماً عميقاً، ولم أستيقظ إلا على صوت الطفل وبكائه، كان الظلام قد لف الفضاء، ولم أكن أستطيع رؤية أي شيء أمامي، فزحفت إلى غرفة النوم حيث كان زميلي الصغير الذي لا يدري ماذا حدث بأهله يناغي نفسه، فقد كنت له الأم والأب، وبصراحة فقد أفرحني وجوده إلى جواري، على الأقل ليسليني ويشغلني بحضوره عن وساوسي. أخذته في حضني، فهدأ قليلاً، كان الحر لا يطاق، وهو في يدي مثل صابونة لزجة. صنعت له طعاماً وسقيته بعض الماء، وما كاد يشعر بالشبع حتى أطلق ضحكة صغيرة أنستني همومي.
تذكرت تلك الحيوانات الصغيرة التي تحتل الجراج فقررت طردها، فمن الذي في مثل وضعي يمكنه أن يشعر تجاه جراء صغيرة ماتت أمها بأي مسؤولية كانت، مما حتم عليّ التفكير بروية وبدون عاطفة بطردها، فبقاء تلك الحيوانات معنا، يعني مشاركتنا غذاءنا وماءنا، ولم أكن على استعداد للتخلي عن أية قطرة ماء لها في مثل تلك الظروف القاسية، ولذا فقد اتخذت قراري، بعد أن استغفرت الله كثيراً، فنحن أهم وأبقى من بضعة جراء. كذلك لم أكن مستعدة على الإطلاق لتربية كائنات ومخلوقات تنمو بسرعة، وقد تتحول عند كبرها إلى شر مستطير، لذلك فقد أخذتها وألقيت بها خارجاً وعدت لأستريح قليلاً ممنية نفسي بأخذ حمام مفتخر.
لكنني وما كدت أن أخلع ملابسي استعداداً للاغتسال، حتى وصلني ثغاؤها الذي مس شغاف قلبي، فقمت بإرجاعها إلى المرآب، وليفعل الله ما يريد، ونتيجة لذلك فقد عملت على إلغاء مشروع الاغتسال. أما صغيري فما كاد يشعر بالشبع حتى بدأ هوايته المفضلة كأي رضيع في مثل عمره، لقد أطلق ضحكة نقية أثلجت صدري، أنستني خوفي وهمومي، أحسست كما لو أنه ولدي، ضممته إلى صدري وأخذت أناغيه في ذلك الظلام، فيزداد ضحكه وكركراته. تمددت على السرير، وهو إلى جواري يثرثر بلغته التي لا يفهما سوى الله، وحاولت النوم، فلم يكن أمامي حل آخر في ذلك السواد.
هدأت حركته وعاد إلى نومه، وما كدت أفعل ذلك حتى سمعت ما جعل قلبي يفر مذعوراً من بين أضلعي؛ كان هناك ثمة من يحاول الدخول من بوابة المرآب، أصخت السمع وتسللت على رؤوس أصابعي لاستطلاع الخبر، كانت هناك بعض الحيوانات اليائسة تحاول الوصول إلى الماء، فأخذت تنطح البوابة برؤوسها، ولحسن الحظ أن البوابة كانت قوية، وإلا لحدثت كارثة، فليس هناك أخطر من مواجهة حيوان
جائع أو عطشان، وعندما يئست من الدخول، عادت أدراجها بحثاً عن ماء لن تجده.
أضف إلى ذلك عواء الذئاب طوال الليل، كان عواءً يائساً. وليلة بعد ليلة كانت المداهمات وأصوات العواء تخفت قليلاً قليلاً حتى توقفت نهائياً، لم أكن أريد مزيداً من الذكاء حتى أعرف أنها قد نفقت عطشاً. كان أكثر خوفي على الطفل، ولطالما خشيت لو أن مكروهاً يحدث لي؛
فمن سيعتني به.
أجدني الآن مندهشة من كل ما مر. لقد كان خوفي على الصغير أكثر من خوفي على نفسي، كنت أشعر أنه يجب أن يعيش، حتى لو مت أنا؛ كان بمثابة الأمل الوحيد في نظري لمواصلة الحياة. كانت أوقات رتيبة لا حراك فيها، خصوصاً بعد توقف إزعاج الحيوانات وتهديدها لنا. لكنني وعلى الرغم من بعض لحظات السكينة التي كانت تنتابني في بعض الأحيان، إلا أنني كنت أقضي الليالي الطويلة في البكاء والدعاء للنجاة مما يحيط بنا من خراب، أنتظر في يأس حارق عودة زوجي بالماء لينقذنا مما نحن فيه، أسائل نفسي "ماذا لو نفد الماء،
ماذا لو نفد الطعام القليل الذي في حوزتنا ؟!"، كانت أسئلة تزيد في خوفي ولا أجد لها جواباً.
كنت والطفل وحيدين في كوكب أحسسته فارغاً، مقفراً، لا حياة فيه، لم أرَ إنساناً واحداً، والحرارة في اتقاد كما لو كنا نعيش على مبعدة بضعة أمتار من الشمس. لقد قمت بزيارات استكشافية عديدة إلى أماكن مختلفة، لكنني كنت أخشى من التوغل بعيداً، فلا أدري ما الذي ينتظرني هناك. ذهبت إلى آن آربور، وإلى ديترويت، فلم أقابل كائناً حيًّا، فأعود برفقة الرضيع الذي كان يرافقني في كل مكان، فلم يكن من المعقول تركه وحيداً في البيت. ذات مرة نفد الحليب المجفف، ولم أكن مستعدة لذلك الحادث، فلم أظن أنني سأستقبل في بيتي طفلاً في مثل تلك الظروف غير المعقولة، حاولت إطعامه من الطعام الذي كنت أتناوله، فتمنع في بداية الأمر، لكن عندما نهشه الجوع بأنيابه بدأ يستجيب لما أقدمه له، كان ينبغي عليّ التحرك وإيجاد حل سريع، فما أقدمه للطفل وللجراء، وكذلك ما أتناوله أنا بدأ يقل، فقررت العودة إلى القرية مرة ثانية، وقد فعلت ذلك فعلاً، وخشية التعرض لأي أذى محتمل تركت الصغير في البيت، وكنت أخشى أن يحدث لي مكروه، فعلى الأقل يبقى حيث هو إلى حين. لكنني عندما وصلت إلى هناك رأيت الأمر مختلفاً، فلا حيوانات مسعورة ولا يحزنون، بل لم أجد أي كائن حي، كانت رائحة نتن صدئة تملأ المكان، وثمة جثث آدمية وحيوانية لم يعد يرى منها سوى العظام. توجهت إلى محل كنت أتسوق منه قبل الكارثة، فوجدته مفتوحاً، ناديت بصوت خفيض ويدي على زناد الكلاشينكوف، رفيقي الأمين، فأجابني صمت كئيب، أدرت بصري في كافة الأرجاء، فرأيت الرفوف مليئة بالمعلبات والحاجيات، وكأنَّ صاحبها سوف يعود بعد قليل، فبدأت في تخيّر بعض المعلبات التي رأيت أنها لا تزال صالحة للاستخدام، بحثت عن شمع وكبريت، فوجدت كمية لا بأس بها.
حمّلت السيارة عن آخرها بكل ما قد نحتاجه، كانت لُقية لا تقدر بثمن، رغم سخونتها، وقد أفرحني عثوري على حليب مجفف بكمية كبيرة، وكذلك طعام حيواني معلب، كان يقدم للقطط والكلاب، لعله سيفي بحاجة الجراء من الطعام أيضاً.
وجدت بعض قوارير الماء المعدنية، فبدا وكأنّ الحظ قد ابتسم في وجهي. بعد ذلك توجهت إلى محطة البنزين الوحيدة في القرية، حيث لم أرَ أحداً أيضاً، فملأت السيارة بالبنزين، وعدت إلى البيت لأجد صغيري نائماً غير مكترث بما يجري من حوله. بعد ذلك توغلت كثيراً في الطرق، بل إنني فكرت في إحدى المرات بالذهاب إلى ولاية أخرى، لعلّي أجد تجمعاً بشرياً استأنس به، لكن بُعد المسافة وسخونة الجو أرغماني على تبديل رأيي، فما يدريني ماذا قد أجد أمامي! ثم أن مخاطرة كتلك قد تعرض الطفل للخطر، ففضلت البقاء، فربما قد يعود "محمد" إن عاد ولا يجدني.
كنا وحيدين في كوكب شاسع الآفاق سُرق ماؤه غيلة ذات ليل، لا نعرف لنا غريماً محدداً. تساءلت عن بقية البشر في أماكن أخرى من البلاد، ومن العالم، كيف يعيشون، ما هي أحوالهم، كم عدد الذين لاقوا حتوفهم عطشاً وجوعاً ؟!
ما كنت أعلمه في حقيقة الأمر أن الموت يعصف بالجميع عصفاً لا هوادة فيه.
زال خوفي من الضواري التي شبعت موتاً، لكن الوحشة كانت تدب في دمي مثل النار؛ إلى أين المهرب؟!
فعلاً، وفي هذه اللحظة التي أتذكر فيها ما مر عليّ، أكاد لا أصدق أنه حدث فعلاً، وأن هؤلاء الناس الذين يمرون أمامي لم يكن لهم وجود يذكر، أين اختفوا فجأة ، وكيف عادوا فجأة ، وكأنَّ الذي حدث ما كان، وهذه الأرض بيتنا الكبير، كيف عادت من الموت والخراب مثل فينيق ينهض من الرماد؟!
إن كائن كالإنسان وكوكب كالأرض من المستحيل القضاء عليهما من قبل خصوم مهما بلغت قوتهم، ومن يشاهد الأزهار تحيا مجدداً والطيور تعاود تحليقها، سيدهمه سؤال كبير بكبر ما مرّ " هل فعلاً أوشكت الأرض على أن تغلق أبوابها أمام وهج الحياة، وتغدو كوكباً فارغاً لا قيمة له، والإنسان يندثر وكأنه لم يكن؟!
ذلك ما لن يصدقه عقل، خصوصاً بالنسبة للذين سيأتون بعدنا بقرون طويلة.
أسابيع طويلة خانقة، كانت تزحف ببطء وكألاَّ نهاية لها. ومما زاد من خطورة الوضع شح الأوكسجين، الذي أوشك على النفاد في تلك الأيام المرعبة، عندما كنت أنهج لأقل مجهود أبذله، أدركت أن الموت لم يعد أمامه سوانا، أنا ورضيعي الصغير، لقد كنا نتنفس بصعوبة، وبدأت فعلاً الاستعداد للموت اختناقاً، ويا لها من نهاية تعسة!
حتى أطل ذلك اليوم بوجهه الصبوح، والذي صار فيما بعد يوماً عالمياً يحتفل فيه البشر في كل بقاع الأرض بذكرى نجاتهم من الفناء. في ذلك اليوم السعيد غطت السماء سحب سوداء هائلة كثيفة، فبدت مثل الجبال. ولأول مرة منذ أسابيع وشهور طويلة تداعب وجهي ريح ناعمة باردة. لم أصدق نفسي وقطرات المطر تنهمر على رأسي. "مطر!!". قلتها مثل طفلة ضاع أبوها وأخيراً عاد إليها بعد أن يئست من عودته. كان مطراً لم تشهد له الأرض مثيلاً من قبل. استمر دقائق معدودة انهمر فيها على شكل سحب ضخمة. لقد شعرت كما لو أن زلزالاً قد حدث. وسمعت ضجيج الماء في كل مكان، كان ضجيجاً هائلاً لم يسمع من قبل.
اختفت السحب السوداء فجأة، وبدت السماء صافية، شديدة الزرقة. انخفضت الحرارة، وأصبح الجو نديًّا مشبعاً ببخار الماء. حدث ذلك أثناء ما كنت في إحدى جولاتي، فعدت، وبرفقتي رفيقي الصغير إلى البيت، وقلبي يكاد يتوقف من شدة الخفقان. "لقد نجونا! نجونا!".
وهناك رأيت أجمل منظر في حياتي، إنساناً يقف أمام البيت عارياً، والماء يبلل الآفاق. ضغطت على دواسة البنزين، "إنه هو يا صغيري من كنا ننتظر عودته". يا فرحة العمر! كان زوجي يلوِّح لي عند ما رآني أقترب منه، فأسرع ليستقبلني، لكنه تعثر ووقع على الأرض والماء ينضح من جسده العاري.
أوقفت السيارة بعنف، وركضت إليه بكل حنيني وخوفي وشوقي ولهفتي، "محمد.. محمد!". نهض ليجدني أقذف بنفسي بين ذراعيه. "الحمد لله.. أوه يا إلهي الرحيم!"، وبكيت بكل الدموع التي اختزنتها لياليَ طويلة لمثل تلك اللحظة الخرافية التي لن أعيش مثلها ما حييت. أحسست كما لو أنني خلقت من جديد. رفعت رأسي وأمسكت بوجهه بين يدي، وأخذت أصرخ بكل فرح البشرية جمعاء، "هل أنت حقاً محمد هل عدت بالماء يا حبيبي؟!".
لم يرد، لكنه ابتسم؛ تلك الابتسامة التي لا يوجد أجمل منها بين كل نسل آدم حتى تقوم الساعة، وهز رأسه متمتماً "نعم يا حبيبتي، نعم، عدت بالماء وعدت إليك"، ثم ضمني مرة أخرى إلى صدره، وأنا أرتجف من الفرح، لا أستطيع إيقاف سيل دموعي المنهمرة، ومن السيارة أقبل بكاء طفلي وأنيس وحدتي الحبيب وكأنه يذكرنا بوجوده.

 

***



الفصــــــــل العاشـــر

 


 

 

خصومة المــاء والـــتراب

 


لقد كنت دائماً على حق، فقد كنا في غنى عن السماح لذلك المخلوق البشع بالحضور إلى كوكبنا. كلا، أنا لست حقوداً، ولا أعرف معنى الحقد، فكلنا في الأول والأخير مخلوقات الله، لكنني أؤمن بأن لكل كائن طريقة مختلفة في الحياة قد لا تتفق مع كائن آخر من نفس الجنس في نفس المكان الواحد الذي يعيشان فيه، فكيف سيكون الحال إذا كان هذان الكائنان موجودين في فضاءين مختلفين، يبعد كل منهما عن الآخر بمسافات هائلة تصعب على الذكر؟!
كانت هذه نظرتي للأمور كقائد دفاع يفكر بعقله وليس بعواطفه، بينما الغبية "سماثمانا" تظن أنني كنت أكره مخلوقها الأرضي لمجرد أنها تهتم به، وهذا ليس صحيحاً على الإطلاق، ففي النهاية لن تكون له أو يكون لها، وأيضاً لا تقدر على العيش إلى جواره أبد الدهر، ولن أقوم بشرح الأسباب، يكفي أنه يتنفس من أنفه وله جهاز تنفسي يستقبل به الهواء الذي يحتاجه ليبقيه حياً، بينما نحن نولد والهواء مذاب أصلاً في تكويننا المائي، ولعل المدرك لحقيقة مثل هذه الأمور سيدرك الفارق بين أجساد تعيش بواسطة الاحتراق الحراري الداخلي، وبين أجساد لا تمتلك هذه الصفة، مما يؤثر بالتالي على التكوين الداخلي لكلا الجسدين في احتياجاتهما الحياتية، وقضية الخلق والنشوء والتطور. كما أنهم، أعني البشر، يشربون الماء، أما نحن فالماء أساس تكويننا الجسماني والبدني، ومخلوقات هذه صفاتها لن تلتقي أبداً.
ورغم علم وريثة العرش بهذه البديهيات العلمية، إلا أنها انجذبت إليه كما لو أنه خرج من ظهرها. وكلما حاولت ردعها من الاقتراب والتودد، تظن ذلك غيرة مني، مع أني شخص لا أعلم ماذا تعني هذه الغيرة. لكن الصحيح هو أنني كنت أنظر إلى الموضوع من زاوية مختلفة؛ كنت أخشى عليها من الصدمة، خصوصاً وأن ذياك الأرضي كان على استعداد لفعل أي شيء يمكنه من إنقاذ جنسه. وقد يسألني سائلي" ما الخطأ في ذلك، خصوصاً وأنه لم يأت إلا لذلك الغرض، استرجاع الماء المنهوب، وتجنيب سلالته البشرية الانقراض؟!".
هذا صحيح وأصدقه، لكننا ،وهذه شهادة مني لمن سوف يأتي بعدنا ذات يوم في بقعة من بقاع هذا الكون الواسع، كنا نقدر مشاعره ونتفهم ظروفه النفسية، لكننا أيضاً لا نريد أن ينظر إلينا كما لو أننا حاولنا سلب الآخرين حقهم لمجرد السلب؟!
وإذا ظن أحدهم أن ذلك ما حدث بالضبط، فستكون القصة حينئذ مبتورة وغير كاملة، هذا إذا لم تكن قصة مختلفة. لكن الحقيقة دون زيادة أو نقصان أرويها بصفتي قائد تلك الحملة، والشخص الثاني مباشرة في الإشراف عليها، بعد حارس الماء الأعظم، أننا لم نقدم على ما أقدمنا عليه إلا بعد أن أخضعنا المسألة برمتها للبحث والحوار، وبعد أن حسبناها بالأرقام بل وبالإيمان، وبحسب قدرتنا على الاجتهاد. لقد كنا أكثر من سكان الأرض بأحد عشرة ضعف، أضف إلى أن كوكبنا مخزن كوني للماء، لقد كنا المخزون الأعظم مائياً في عموم الكون، وهو كل حياتنا وتكويننا، وقد فشلنا في تجديده، وفساده يعني ذوبان جنس بأكمله، وانهيار كوكب بحجم الأرض بألف ضعف، ولو حدث ذلك فستكون كارثة كونية مروعة قد تصيب كوكب الأرض ذات يوم حتى ولو كان بعد آلاف السنين، ولكان خطر الانهيار سيصل إلى هناك، مسبباً ربما إخراج الكوكب الأرضي من مداره، أمام السيل الهادر القادم من أقصى الكون، وبذلك سينتهي الإنسان في لحظات معدودة، مرة واحدة وإلى الأبد.
كنا نواجه كارثة محققة هنا وهناك، الفارق الوحيد هو التوقيت. لقد قمنا بتجارب لتصنيع الماء لكنها لم تثمر، بينما كان الإنسان يواصل تدمير بيئة الأرض بقصد أو بدون قصد. لقد لوثوا الماء وأفسدوا الهواء. لذلك لم يكن أمامنا غير التدخل للحصول على ما يمكن الحصول عليه. فما دام الإنسان ينعم بكوارثه التي يصنعها لنفسه بحماقة، فلا ضرر إذاً من اتخاذ ما من شأنه أن ينقذنا .
طبعاً كانت هناك مبررات قمنا بوضعها، ربما للتنصل الأخلاقي مما قد يحدث في الأرض، والذي كنا نعرف حجمه مسبقاً أعترف بهذا، فقمنا بسحب الماء، وصببناه في محيطاتنا الاستراتيجية، لتجديد شبابه وقد تم ذلك بنجاح. وهنا أعترف - يبدو أن شهادتي هنا عبارة عن اعترافات - أننا قد قررنا إعادة الماء، وقد فعلنا ذلك، وتلك حكاية طويلة لا أرى مبرراً لذكرها في هذا السياق.
إن واحدة من أهم النقاط التي عجلت في نهبنا الماء، هي تلك النقطة، أقصد بشكل أدق هو ذلك السؤال الذي هجم علينا في أحد اجتماعاتنا، في مجلس حكماء الماء المقدس" ترى لو استطاع الإنسان أن يصل إلى نفس درجة تقدمنا العلمي، ما الذي كان سيفعله بنا لو واجهته نفس مشكلتنا؟!". لقد كانت الإجابة على السؤال هي التسريع في عملية سحب الماء.
لقد قمت مرات كثيرة بمحاولة إقناع "سماثمانا"، وكذلك فعل والدها حارس الماء الأعظم، لكنها لم تنصت إلينا، فحبسناها وواصلنا معاركنا الكلامية مع ذلك المخلوق حتى تم ترحيله إلى كوكبه.
ما أريد قوله هنا أنني حاولت قصارى جهدي التقرب إلى الغريب ومحاورته كصديق، بل لقد تدخلت أكثر من مرة لصالحه في بعض الأمور، وكنت من ضمن الذين وافقوا على إتاحة الفرصة أمامه للتحرك بيننا. وقصدي من وراء ذلك جعله يتشرب قليلاً، وحسب قدرته، مما توصلنا إليه من علوم، خصوصاً وأن عودته كان قد بُتَّ فيها. لكنه كان ينفر مني، وله العذر في ذلك؛ فقد قيدت حركته في مرات عديدة، وأمرت بمنعه من الاقتراب من بعض النقاط الهامة؛ كنت أقوم بواجبي ولن يستطيع مخلوق أن يلومني، خصوصاً وأن الإنسان طموح بطبعه، وما يدريني ما الذي قد يفعله، على الرغم من قراءتنا المسبقة لأفكاره!
إنها الحيطة، فالإنسان كائن مزاجي يكره بعمق ويحب بعمق، وأحياناً بدون إبداء أي سبب معقول.
أعجبني فيه ولاؤه الكبير لكوكبه. وأدهشني تكوينه الداخلي البديع والشديد الدقة والتصميم. تمنيت لو كنا أصدقاء. لكن تقربه الدائم من وريثة العرش كان يقلقني، رغم أنه تمنَّعَ عنها في البداية عندما بادرته هي بعواطفها التي لا أستطيع تفسيرها.
لقد بهر بني جنسه عند عودته إليهم، فلقد وضعنا في دماغه معلومات هائلة كانت له نعم العون في إعادة إعمار الأرض، لقد جعله ذلك النجاح مخلداً في تاريخ الأرض عبر العصور.
وها قد مر وقت طويل لا يستهان به على هذه الأحداث، وما زلت أشعر بأنني قصرت في عدم الاقتراب منه كما ينبغي. لكن ثمة نفوراً مشتركاً كان يمنعنا نحن الاثنين من ذلك؛ إنني لا أظنها خصومة بين الماء والتراب، بقدر ما أعتقد بأن الظروف نفسها لم تكن مواتية للتقريب بيننا، وكان الوقت غير منصف لكلينا، لقد كان في رأس كل واحد منا ما يشغله.
لقد مات ذلك الأرضي القبيح، هكذا كنت أطلق عليه، مع أنه لم يكن قبيحاً، بل على العكس كان جميل الخلق، ودفعني موته للتساؤل مجدداً ماذا لو قدر للجنس البشري البقاء على قيد الحياة لمدة طويلة مثلنا، ترى ماذا كان سيفعل ، وإلى أين سيصل هل يستطيع أحد الإجابة.. أنا شخصيا لا أستطيع ذلك ؟!!

 

***



الفصــــــــل الأخيــــر

 

 

 


الذي حدث هناك ولم يره أحد

 


سأعتبر أنها شغلتني قليلاً، وأنستني بعض ما جئت من أجله وخاطرت بحياتي في سبيله. ما الذي شدني إليها؟ خصوصاً وأن ظرفي الصعب كان يحتم عليّ عدم التفكير في أي شيء آخر، باستثناء ما أتيت للبحث عنه، وقد يظن أحدهم ربما لأنها جميلة، وهذا صحيح، ولست في حاجة إلى إعادة ما قلته سابقاً عن جمالها المبهر الذي لم أر ولن أشاهد مثله، إلى درجة أن أي عناق معها كان يُذهب عني الأحزان والمواجع، كان جمالاً جسديا وروحياً.
"هذا صحيح، فمائي يمتص الحرارة الناتجة عن توتراتك وانفعالاتك الداخلية بمجرد عناقك لي". كان يأتيني جوابها، عندما كنت أسأل نفسي عن سر ذلك الارتياح المفاجئ الذي يصيبني وأنا بين ذراعيها، خصوصاً في تلك الأوقات التي يئست فيها من العودة إلى الأرض بمائنا المفقود بعدما أفقت من غيبوبتي.
كانت أيام طويلة قد انقضت، وأنا رهن فحوصهم واستكشافاتهم لجسدي دون علمي - أخبروني فيما بعد -. كانوا يعرفون موعد وصولي، بل ونقطة الوصول، وقد استعدوا لاستقبالي. كنت مراقباً منهم منذ أن بدأ اهتمامي بالمخلوقات المجهرية التي اكتشفتها في إحدى بحيرات "أب نورث" بولاية ميتشجان قبل بضع سنوات، إلى درجة أن كل خطواتي كانت محسوبة بدقة متناهية. ووصل بهم الأمر إلى تخيل تصورات مسبقة لما قد يحدثه اهتمامي بمشروعهم الكبير، وخطورة النتائج التي قد أتوصل إليها، لذلك لم يكذبوا عليّ عندما أخبروني أنهم لم يظنوا أنني قد أصل إلى كوكبهم. لقد جعلني ذلك الاعتراف المهم أثق في قدرتنا كبشر، بحيث يمكننا أن نصل إلى حيث نريد إذا جعلنا جهودنا تصب في اتجاه واحد. وعندما أقول "جهودنا" فإنما أعني جهد كل واحد فينا دون استثناء، إننا حينئذ سنكون قوة كونية يحسب لها ألف حساب، فما يدرينا ماذا يوجد في هذا الكون من مخلوقات لا ندري بماذا تفكر!
لقد اصطدمنا هذه المرة بمخلوقات مسالمة، ورغم سلميتها فقد أوشكت على إفنائنا، فماذا لو كانت مخلوقات شريرة، فعندئذ سيكون الأمر مختلفاً جداً!!
كنت أول غريب يصل إلى هناك، كان احتفاؤهم بي واضحاً، حيث لم أجد مضايقة من أحد، باستثناء قرين وريثة العرش المرتقب "مائمانا"، الذي بادلني عداءً واضحاً. كانوا جنساً ودوداً يبهره كل غريب. وقد كنت أنا الغريب الوحيد بينهم، الغريب القريب الشبه بهم جسمانياً، لم يكن شبهاً عميقاً، لكن فيه بعض القرب الواضح على الأقل من حيث المظهر الخارجي، الوجه والعينين والفم والذراعين والقدمين. الاستثناء الوحيد أنهم لم تكن لهم أنوف. أجساد نقية مذهلة التصوير. كان فيهم الصغار والكبار، الذكور والإناث. يعيشون حياة أشبه بالحياة التي نعيشها في الأرض. أيضاً كانت لهم حيواناتهم ونباتاتهم الرقيقة الألوان، تلك الألوان التي تتجانس مع لون الماء عبر درجاته المختلفة؛ الأزرق بأشكال عدة متفاوتة النقاء، كانت لكثرتها وتنوعها تشكل باقة تشبه حلماً لذيذاً. لكن أشد وأكثر ما كان يسحرني هو ذلك الأفق الأسطوري المسافر في كل مكان، أفق بعيد رحب شديد الاتساع يشع ضياءً بلورياً مبهراً للبصر. كنت أغوص فيه كما لو أنني أغوص في فضاء ليس له حدود، حتى تنفسي كان يأتي من داخلي مباشرة. لقد أعدوني لذلك حتى أستطيع التجانس مع هوائهم المضغوط في الدم، وبالتالي لم أكن أستخدم رئتي.
لقد جعلتني تلك الطريقة الجديدة أكثر خفة وأكثر ثقة وأكثر إدراكاً لكل ما حولي.
إن التنفس بالرئتين العاديتين في ذلك الكوكب يأخذ وقتاً ثميناً من سرعة البديهة، نظراً لقيام الرئتين بسحب الهواء إليها ثم إرساله إلى الدم الذي بدوره يقوم بتوزيعه على كل خلايا وأوردة الجسد، بينما التنفس الداخلي يختصر ذلك بطريقة أسرع ويجنب الدماغ إضاعة ثوان ثمينة.
كنت أمامهم مثل زائر مهم، يجب عليهم أخذه إلى زيارة كل الأمكنة في كوكبهم، فقد أخذوني ذات مرة إلى مكان لن أنساه أبداً. لكن قبل تلك الزيارة كنت قد قمت بزيارة مدنهم وحواضرهم العجيبة. كانت رحلات لن تتكرر ما بقي هذا الكون، جغرافيات بديعة شاسعة الأبعاد، بعيدة الأطراف. كان يجب علينا حتى نستطيع زيارتها كلها، السفر عبر اختراق الزمن بواسطة مركباتهم الخارقة السرعة، التي تصل بنا إلى حيث نريد في أسرع من لمح البصر. وعندما استنكرت ذلك على من كانوا يرافقونني، عمدوا إلى إبطاء السرعة حتى أستطيع مشاهدة الكوكب وتضاريسه على مهل. قلت إنني لن أنسى تلك الزيارة التي أخذوني فيها لزيارة مدرسة للأطفال، تلك المخلوقات الصغيرة الشديدة الذكاء، كانوا أطفالاً بكل ما تعنيه الكلمة، رأيت ذلك في حركاتهم الصبيانية، كرًّا وفرّا، ومطاردات، وعراكا، مثلما يفعل أطفال الأرض، لكن في هدوء وبدون أي ضوضاء.
كانوا يتشاجرون ويتخاطبون عبر قراءة أفكارهم وأذهانهم المتقدمة. وعندما دخلت عليهم بصحبة "سماثمانا"، توقفوا عن اللعب بادئ الأمر، هدأت حركتهم، وأخذوا يحدقون بي مذهولين، كانوا مثل ملائكة صغيرة، يشبهون ذويهم من حيث تركيبهم البدني. ابتسمت، لوحت بيدي، فلوحوا بأيديهم مترديين. خاطبت أحدهم عبر توارد الخاطر، كان أقربهم إليَّ ويحدق في عيني بفضول. "كم أنت جميل يا صغيري!".
لم يقل شيئاً، حرك قدمه اليمنى وأحنى رأسه خجلاً، كما يفعل أي طفل أرضي يتعرف على شخص غريب للمرة الأولى، وبين الفينة والثانية، كان يرمقني بنظرات خاطفة. بينما زملاؤه لا يحركون ساكناً. مددت يدي إليه، ناديته بحب: "تعال! لا تخف، فأنا أحب الصغار، اسمي محمد، ما اسمك؟!". التفت إلى رفاقه وكأنه يستمد الشجاعة منهم، فلم يتحركوا من أماكنهم، لكن يبدو أنه قد أحس بتشجيعهم له على الاقتراب مني. كانت "سماثمانا" الفاتنة موجودة، إضافة إلى مجموعة من المعلمين والمعلمات. التفت الصغير إليها وكأنه يستأذنها، وعندما وصلته موافقتها تقدم إليَّ.
كان الأطفال في ذلك الكوكب يولدون وهم يعرفون من هو حاكمهم، لذلك لم يكن هناك صراع على الحكم. لقد رأيت في تلك الطريقة نوعاً من الاستبداد، فليس من العدل ألاَّ يشعر أي واحد فيهم بأنه يمكنه أن يكون ذات يوم حاكماً للكوكب. فأجابتني "سماثمانا" إجابة لم أتقبلها حتى يومي هذا، بل لعلها الإجابة الوحيدة التي رأيت فيها لا عقلانية واضحة كما هي عادتهم عند إجابتهم على أسئلتي الكثيرة "إنه ليس استبداداً كما تتصوره أيها الأرضي الفضولي، بل هي طبيعتنا في الحكم". كان جوابها مبتوراً ولم أفهمه، فأسرعتُ بالتعقيب "إن إجابتك هذه تذكرني بإجابة أي حاكم أرضي يمتاز بالطغيان والتفرد بالسلطة المطلقة، عندما لا يستطيع مواجهة شعبه إلا بأخذه إلى الغيبي، وحكمة القدر، أي إجابة مبهمة تخبئ أكثر مما تفصح".
فردت مسرعة وكأنها تريد أن تنهي الحوار "لا تنسّ أنك لا تستطيع معرفة إلا ما نقدمه لك، ولعلّي أستطيع القول، إن نظام الحكم عندنا يعتمد على مواصفات قدرية كما قلت، وأيضاً على نظام معقد قد لا تفهمه، ولست مخولة بالإجابة على ما يجول في ذهنك، لنقُل إنها أحد أسرارنا التي يجب ألاَّ يعلمها أحد غيرنا". لا شك أنها كانت إجابة مقنعة نوعاً ما، لكنها لم تروِ غليلي. على كل حال مددت يدي له، فتقدم بخطوة مرتبكة، كان لا يزال يجول بناظريه بين زملائه ومعلميه و"سماثمانا"، وألحقها بخطوة ثانية حتى تلامست أصابعنا، أمسكت بأصابعه وسحبته برفق، كانت أصابعه رخوة، كما لو كانت أصابع بلاستيكية مملوءة بالماء، أصابع عادية لا حرارة فيها، كبقية أبناء جنسه، احتضنته برفق، لم ينطق كان خجولاً، يراقب ما يحدث بانبهار، نظرت في وجهه كان وجهاً.. كان وجهاً.. فعلاً لا أستطيع وصفه، أو وصف النقاء الذي كان يمتلئ به، كانت البراءة مجسدة وكأنها قد حلت فيه "اسمي مولن مانا..".
طرق ذاكرتي اسمه مثل حبة برد ناعمة، منعشة الإيقاع، أطلقته من بين ذراعي لا تأمله كاملاً، "وهؤلاء رفاقي في التعليم..". كان يخابرني وعيناه في الأرض. احتضنته مرة ثانية، وكأنما أحتضن براءة كل هذا الكون بكل أجناسه ومخلوقاته، كان جسده رخواً بصلابة، لكنه كان طفلاً جميلاً بديع القسمات.
أخبرني أنهم يتلقون التعليم في ذلك المبنى الذي يفوق في فخامته أروع وأعظم جامعاتنا الأرضية، وأن معلميهم قد أخبروهم أنهم سيحضرون لهم مخلوقاً أرضياً ليتعرفوا عليه عن قرب. طبعاً لقد كنت ذياك المخلوق بلا شك، موضوع درس ذلك اليوم.
حملته بين ذراعي ملاعباً، فندَّتْ عنه ضحكة لو أن الأموات سمعوها لقاموا من الأجداث. وعندما شعر زملاؤه بالأنس تجاهي، هجموا عليّ هجمة واحدة وأحاطوا بي من كل مكان. "يا إلهي الجميل أي خلق خلقت!". كانوا، بحركاتهم تلك، أطفالاً كاملي الطفولة بكل صفاتها التي نعرفها في أطفالنا. وبينما أنا في لعبي ومرحي معهم، خطر في ذهني منظر أطفال الأرض وهم يموتون عطشاً، فأحسست بوجع قاهر يعصف بي؛ كيف أقوم بملاعبة أطفال من قتلوا أطفالنا!!؟. كان إحساساً جارحاً دهمني غصباً عني، ولم أقصده، فلقد أحببت أولئك الأطفال من كل قلبي، لكن ما أحزنني هو الأمان الذي يشعرون به، بينما غيرهم يعصف بهم قدر غشوم. لم أكن عنصرياً أبداً، لكنه كما أفسره الآن، رابطة الدم والشعور بالعطف والشفقة.
انفض الصغار عني مذعورين في لحظة مباغتة عند ما قرؤوا ما يدور في ذهني. حاولت الابتسام في وجوههم "لا تخافوا أيها الصغار ولكنني تذكرت أطفالاً مثلكم يموتون عطشاً و...!!"، أردت إكمال الجملة، لكن "سماثمانا" كانت لي بالمرصاد، حيث تدخلت بقطع اتصالي بهم، وتم كل شيء بعد ذلك بسرعة، حيث تدخلت المربيات وسقن الأطفال بعيداً عني، ربما إلى فصول مجاورة، والتبرم يبدو واضحاً على وجه "سماثمانا"، فبدوت مثل مذنب وقع في شر أعماله. "ما كان ينبغي عليك أن تفصح أمامهم عن مشاكلك الخاصة، فهم لا ذنب لهم".
آلمني تدخلها الصفيق الذي شعرت فيه بجفاء، فانفلت عقالي وصرخت فيها بصوتي المجرد " لكن هذه المشاكل أنتم من صنعها، وبينما أطفالكم يستعرضون هذا المخلوق الغريب الذي أمثله، يسحق أطفالنا الموت الذي أهديتموه لهم!".
لم تهتم بما قلت، بل رمتني بنظرة قاسية وغادرت المكان، وبقيت وحدي لا أدري ماذا أفعل. فجأة أقبل شخصان وأمراني بالذهاب معهما، خرجت في رفقتهما إلى الباحة الخارجية، حيث أخذا يقومان بحركات في الهواء كما لو أنهما كانا يصنعان بأيديهما شيئاً ما، أو كأنهما يكتبان أرقاماً على لوح غير مرئي، وهذا ما كان يحدث فعلاً، فقد كانت تلك هي طريقتهم في إحضار مركباتهم وتصنيعها مباشرة من الهواء، مركبات
لا تُرى، خصوصاً تلك التي كان يستقلها رجال الدفاع، فقد أحسست بنفسي وأنا في كبد السماء، مع أنني أقف على شيء صلب. قعد مرافقاي على كرسيين أقسم بالله أنني لم أرهما، لكن انحناءات جسديهما تدل على أنهما يجلسان على ما يشبه المقعدين. أشار لي أحدهما بالجلوس.
- أين؟!
سألت متلفتاً يمنة ويسرة، فلم أجد كرسيًّا أو غيره.
⦁ فقط اجلس وسوف يتشكل الهواء المحيط بك على شكل كرسي، وبمجرد أن تنهض فسوف يعود الهواء إلى حالته الطبيعية.
⦁ طيب، ماذا عن هذه المركبة، تساءلت وأنا أوشك على الجنون، كما في المرات السابقة ، فنحن نطير لا أدري فوق ماذا، أو ما الذي يحملنا أو حتى يقوم بدفعنا.
⦁ نفس قصة الكراسي ،أجاب الآخر، فبمجرد أن نقوم بعمل الرقم المائي لذرات الماء والهواء، أعني الإشارة بذلك الرقم المحدد، تتشكل أمامنا مركبة بحجم نقرره نحن، تأخذنا إلى أي مكان في هذا الكوكب مهما كانت المسافة بعيدة دون عناء، وحسب الجهة التي نختار المضي إليها، فإما أن تخترق حاجز الزمن في لحظة ونكون هناك، وإما نطير على مهل إذا كنا نحب مشاهدة المناظر تحتنا، كل ذلك يتم بقدر السرعة التي نبغيها.
⦁ كيف...؟ أعني لم أفهم بالضبط شرحكما!
⦁ عفواً! ، قال الأول، أود أن ألفت نظرك إلى أن بإمكانك أن تسأل ما شئت، فنحن مخولون بالإجابة على كل أسئلتك، إلا فيما يتعلق بسر الماء، فذلك اختصاص الحكماء أنفسهم الذين تلتقيهم، كما هي العادة بمجرد إخطارنا بذلك، وربما يكون هذا بعد قليل، من يدري!
وإذاً ،أضاف معلقاً، فأنت لك مطلق الحرية في قول ما تشاء، لكن عندما تخوض أو تحاول الاستفسار عن الماء، فسوف ننهي الحديث، أظن أن كلامي واضح.
لم يكن هناك فرق بين مخلوقات الدفاع وبقية المخلوقات في ذلك الكوكب، إلا في صرامة الحوار، فبينما المخلوقات أو بالأصح بعض المواطنين متساهلون في التحدث معي في حدود معلومة، يختلف المكلفون بالأمن في كونهم لا يتحدثون إلا عند ما يجيبون على أسئلتي، أو يظلون صامتين وكأنهم تماثيل عارية في ماء، فليس هناك ملابس على سبيل المثال ، تفرق بينهم وبين بقية أبناء جنسهم، مع أنهم جميعاً لا يرتدون ثياباً.
⦁ أسأل عن هذه المركبة - وقد أعجبني ردهم وشجعني على مواصلة طرح الأسئلة، فقد كانت هناك مئات الملاحظات، وآلاف الأسئلة في رأسي تبحث عن إجابات منذ أن وطأت قدماي كوكبهم، وكلما أجابوني، زاد فضولي وكأني أسال للمرة الأولى- ، كيف يتم تصنيعهما من الهواء، أعني من الهواء والماء فقط!
⦁ بالضبط، كما أخبرناك تماماً، فكل مركباتنا تعتمد في تشكيلها على التراكيب الجزئية للماء والهواء، واسمع لي أن أضرب لك مثالاً..
⦁ تفضل!
⦁ في كوكبكم الأرضي، تأخذ مركباتكم حيزاً من الفراغ. أليس كذلك؟!!
⦁ هذا صحيح. وكل فراغ يؤخذ يكون بحجم المركبة.
⦁ عندنا نفس الشيء تقريباً، حيث نعمل على تكتيل هذا الحيز الفراغي بحيث نجعله أي الحيز المكاني أيضاً، هو المركبة نفسها.
كنت فعلاً لم أفهم بعد، وبدوت مثل إنسان أقبل منذ أول التاريخ، ووقف فجأة أمام الطائرة، وأخذ يسأل عن ماهيتها، ومهما شُرح له، فلن يعي ما يقال له، على الأقل من الناحية النفسية، فهو لن يصدق أن تلك المئات من الأطنان التي تشكل هيكل الطائرة المعدني تستطيع الطيران. وقد كان وضعي يشبهه تماماً، فلم أقدر على تخيل أن الهواء نفسه قد يكتل ذات يوم ويصير مثل وعاء قابل للطيران، مع أن ذلك المفهوم قد صار واقعاً لسكان كوكب الماء منذ آلاف السنين على أقل تقدير.
⦁ سأوضح لك أكثر.
قال الأول ونحن نواصل تحليقنا لا أدري بأي اتجاه.
⦁ أنا كلي استماع.
⦁ يجب عليك أولاً، أن تدرك سر الالتقاء الجزئي بين الماء والهواء، بحيث يمكنك مزجهما رقمياً في لحظة، وفي اللحظة التالية تجعلهما يتشكلان دون أن تراهما حتى تصل إلى تكتيلهما في قالب واحد. يعني أن مركباتنا تعتمد على الماء ككتلة وعلى الهواء كضغط، في حدود التقائهما القصوى. صحيح أنك لن تستطيع رؤيتهما معاً في شكلهما الجديد لكنك في نفس الوقت تحسهما.
هل أقول الآن إن ما كنت أسمعه وأشاهده هناك، كان سحراً أو خيالاً أو ربما حلماً غير قابل للتفسير، أظن ذلك، فكم كان ينبغي لي من قرون أقضيها بينهم حتى أستطيع فهم وإدراك كل ما رأيته. المدن، على سبيل المثال، مدنهم التي كانت تبدو مهجورة من بعيد، لكنني عند ما أقترب منها أجدها غاصة بالكائنات المائية في حركة مستمرة لا تنقطع، مخلوقات تمارس حياتها مثلنا تقريباً، يذهبون إلى الأسواق، ويحتفلون، ويلعبون!!
لقد عشت فترة من الزمن في حدود جغرافية هائلة، الماء فيها أصل كل شيء. ورغم الدهشة التي لم تفارقني طيلة بقائي، إلا أنني كنت أشعر بغربة وحنين عارم لمسقط رأسي: الأرض، وطني، كإنسان لا يستطيع مفارقته حتى إلى الجنة، إذا لم يكن بين ناس من بني جنسه وبلدته يحسون به ويحس بهم. وفي تلك الغربة القاسية والمبهرة معاً كانت "سماثمانا" وحدها القريبة مني، يطوقني حبها العاصف. وقد كنت أشعر أمامها كما لو أنني مجرد خلية بدائية تسعى إلى موتها، بينما هي دهر كامل من المعرفة.
لقد كان التقاؤنا بكل ما تعنيه الكلمة التقاء الأضداد. وما حز في نفسي هو عذابها معي وبسببي وبسبب حب ليس له نهاية. وما يضحكني الآن هو حرونها وغضبها عندما كانت تقرؤني وأنا أفكر بزوجتي. كان ذلك مؤلماً بالنسبة لي هناك. أما هنا فإنه يدفعني إلى الابتسام. وبعد اعتقال "سماثمانا" بقيت أذرع الشوارع مثل المجنون، أتلفت في كل مكان أبحث عن الماء، الذي كنت أراه أحياناً وأحياناً يختفي من أمامي.
كان عليّ أن أعلم أن ماءنا قد ضخ في أجسادهم وفي روح كل الأشياء هناك. أسقط في يدي وأيقنت أن البشرية قد قدر عليها الانتحار عطشاً وخنقاً من قلة الأوكسجين. في تلك اللحظة التي دهمني فيها ذلك الشعور المرّ بكيت من كل قلبي، فلا أرض ولا ناس ولا أهل ولا "أنجل". وعند ما تخيلتها تموت فاض صبري وأخذت أصرخ في الشوارع كمن أصيب بمس، بكل صوتي "يا مجرمون، يا قتلة ، عليكم اللعنة أيتها الوحوش الفضائية القبيحة".
لم يواسني أحد أو يكفكف دموعي ويهدئ من روعي. أصابني استسلام كريه، وتمنيت الموت لأول مرة في حياتي؛ فكيف يمكنني العيش والتحدث مع من تسبب في فناء إخوتي.. كيف؟!!
ذات يوم استيقظت من نومي بدون أدنى رغبة في العيش، بعد أن فقدت كل أمل يمكن أن ينقذ كوكبي المستباح، لأجد أمامي ثلة من الرجال المائيين يأمرونني بالذهاب معهم. وعندما سألتهم: إلى أين؟ ونظراتي تكاد تذيبهم كرهاً وحقداً؛ "إلى حضرة حارس الماء الأعظم"، أجاب أحدهم، فتذكرت تلك الرحلة التي أعقبت زيارتي المشهودة لمدرسة للأطفال، وتذكرت الأسئلة التي هجمت بها على مرافقي آنذاك لا أدري لماذا، ربما لأنها المرة الوحيدة التي قررت فيها عدم توجيه أي أسئلة، فما فائدة إجابتها إذا كنت سأقضي ما تبقى لي من عمر على ذلك الكوكب!؟ وعلى الرغم من ذلك الشعور البائس، إلا أنني أحسست بأمل دافئ يداعب قلبي وبأن تلك المقابلة ستكون مختلفة عن سابقاتها.
ذهبت معهم وأنا ما أزال في عريي المستديم. واستقلينا إحدى مركباتهم التي لا ترى. كان ذلك قبل عودتي إلى الأرض بأسابيع قليلة. لم يطل بنا الوقت كثيراً حتى أشرفنا على قصر خرافي لا أستطيع وصفه، لأنني لم أر مثله من قبل، مع أنني قد دخلته مرات متباعدة. كان عبارة عن قبة ضخمة جداً تلتصق بها عدة قباب أصغر حجماً ملتصقة إلى بعضها، تذكر بفقاعات الصابون عندما تسبح في فضاء رحب. كان يشع بألوان مذهلة اشتقت جميعها من لون الماء. وعندما رأيته في المرة الأولى ظننت كما لو أن ناراً تشتعل فيه، نظراً لانعكاس الضوء عليه. دخلنا من بوابة تشبه شلالاً عظيماً نسمع هديره الناعم دون أن نصاب بالبلل. فوجدت نفسي في بهو عملاق ممتلئ حتى حافته بهدوء يجلب الطمأنينة إلى النفس، تطير في فضائه طيور لا أستطيع إلا أن أقول إنها أخرجت من كتاب للأساطير لم يكتب بعد، أضف إلى ذلك عشرات التماثيل المائية المتقنة الإبداع، وقد نثرت على الأرضية اللامعة التي تشبه زجاجاً صقيلاً، كرات صغيرة بيضاء تشبه لؤلؤاً منثوراً. اجتزنا ذلك البهو سيراً على الأقدام، تحفنا أصوات موسيقية متداخلة الألحان، حتى أوشكت روحي أن تفارق جسدي، لشفافيتها وملامستها لأعماق أعماقي. شعرت بفرج غامر لا أدري كيف أصابني، مسني بأطراف قلبي المهموم.
كان الحراس في كل مكان، بصمتهم المطبق، لم أفرق بينهم وبين التماثيل إلا ببريق العيون. كل شيء رأيته كان يخطف الأبصار؛ المنحوتات، المجسمات، والكائنات الصغيرة التي كانت تسبح تحت أقدامنا في برك مائية ملونة. ولجنا إلى القاعة الكبرى حيث رأيت في وسطها بالضبط طاولة لازوردية كبيرة جلس وراءها مخلوق لم أرَ أجمل ولا أكثر هيبة منه. كان يبدو كتمثال إغريقي مهيب. وعلى يمينه ويساره وضعت بعض الطاولات جلس خلفها أشخاص آخرون لهم نفس الهيبة والعظمة. كان ذلك سيد الكوكب وحكمائه.
أجلسني المرافقون على مقعدٍ أبيض في وسط القاعة، أي قبالتهم جميعاً، بحيث كان يمكن لأولئك السادة أن يروني أمامهم مباشرة. انسحب المرافقون إلى الخلف. وما كدت أسند ظهري حتى وصلني صوت جهوري مجرد، لم يعتمد على مخاطبة ذاكرتي، يبدو أو تسمع في رنته لطف شفيف..
⦁ مرحباً بك أيها الأرضي في كوكب الماء، كوكب المحبة والسلام!
سمعت نفس الترحيب الذي كانوا يستقبلونني به كلما أرادوا رؤيتي. وكما هي عادتي أيضاً كنت أبادرهم بنفس السؤال..
⦁ أين ماؤنا أيها السيد الجليل؟!
كان ثمة إحساس تلك المرة بأنني قد أسمع إجابة تبدد مخاوفي وقلقي المتعاظم، بل ويأسي الكبير الذي وصلت إليه.
⦁ رُدَّ عليّ التحية على الأقل!
⦁ أنا لم آت لأتلقَّ عبارات الترحاب، وأنتم تدركون ذلك.
أعترف بأنني كنت فضاً، بل ووقحاً، وكم تمنيت لو أنني أستطيع العودة لأكفر عن كل ما بدر مني، لكن من يستطيع أن يلومني، خصوصاً في تلك الظروف الحالكة.
⦁ ولم لا!؟
⦁ حينما يعصف الموت بناسي، لا تتوقعوا رداً مهذباً مني، فعندما يحل الموت تعمى البصيرة.
كم كان صبوراً! لقد كنت أشعر بمدى تعاطفه معي. ورغم حديثه الودود، كنت أمامه مجرد إنسان أصم، لا يسمع سوى حشرجات الموت في حلوق مواطنيه. كان همي الأرض، أو فليقتلوني ويخلصوني من عذابي.
ما إن انتهى حوارنا الأخير استمعت إلى وعد منه بإعادة الماء، ليس ذلك فحسب، بل وسمعت منه اعتذاراً علنياً أمام حكمائه عن كل ما بدر منهم. كان اعتذاره فوق التصور، لأنني حتى تلك اللحظة لم أكن قد علمت بعد ما حدث للأرض بالضبط، لكنني وبعد عودتي ومشاهدتي لكل ذلك الخراب المهول، أدركت أن اعتذاره لم يكن جزافاً أو تطييب خاطر. فقد كان يعني كل كلمة قالها، ولذلك فعند ما أمر نائبه شخصياً بتعليمي ما يمكن أن يساعدني على إعادة ما خربوه، أو بشكل أوضح، ما نتج عن سلبهم ماءنا، فإنما أراد أن يكفر عن كل ما تسببوا فيه، شعرت بفرح غامر بعد اطمئناني على مسألة عودتي بالماء السليب.
كانت الأيام بعد ذلك تمر بطيئة، كما لو كانت دهوراً طويلة، علموني كيف يمكننا القضاء على الأوبئة والأمراض الصعبة، وذلك بالتلاعب في نسبة الأوكسجين داخل الخلية، بحيث تنتج جراثيم أو خلايا مشوهة تموت إلى الأبد، قبل أن تبدأ العدوى وتقضي على المرض قبل استفحاله، كذلك علمت كيفية معالجة الجروح القاتلة، باستخدام الكي المائي. كانت طريقة لم نصل إلى مثلها في الأرض من قبل. وتعتمد هذه الطريقة على صب ماء مكثف يقع ما بين نقطة السيلان والتبخر، وفي درجة ضغط قصوى تفقد الماء كتلته وتبقي كثافته في حالة لا وزن، كعامل جزئي دقيق يدخل في إعادة تلحيم الخلايا والأعصاب والأوردة الممزقة في أقل من ثانية واحدة، على شكل شلالات ضوئية مكثفة فتقوم بتحفيز الدماغ لإعادة تلحيم الجروح في أي مكان من الجسد ، بل وأيضا إنبات الأطراف في حال بتره، وبالتالي فإن أي مصاب يكون تحت الإشراف المباشر والسريع سوف يتم إنقاذه حتى ولو كانت إصابته قاتلة.
لقد كنت مثل وعاء عميق لا يمتلئ من علومهم الخارقة.
أيضاً علمت أو عرفت أحد أسرارهم، في تشكيل المركبات من الهواء المجرد، بحيث يمكننا الاستغناء عن مركباتنا الأرضية التقليدية، وذلك باستخدام الشيفرة الفيزيائية لذرات الأوكسجين، وخلطها بجزيئات الهيدروجين والماء، في نسب متفاوتة بواسطة استخدام الجذر الألف تكعيب بعد المليون للصفر، بحيث يمكننا أيضاً تصليب هذه المواد مجتمعة لإنتاج مركبة المستقبل في أي وقت نشاء. لقد عُلمت في بضعة أسابيع، ما قد يتعلمه إنسان عادي عبر آلاف السنين.
في البداية كنت أظن أنني سوف أدخل إلى معامل ومراكز بحوث شبيهة بمثيلاتها على الأرض، حيث سأجد الأدوات والأجهزة التي ستساعدني على الفهم والاستيعاب. لكنني لم أدخل سوى قاعات فخمة لا أثر فيها للمعدات.
⦁ أين معداتكم البحثية أيها الحكيم الكريم ؟!
سألت معلمي والدهشة بادية على وجهي.
⦁ نحن لا نستخدم مثل هذه المعدات البدائية أيها الزميل الأرضي، إننا نلجأ إلى الاستعانة بذاكرة الهواء.
⦁ ماذا تعني بذاكرة الهواء من فضلك ؟!
أقسم بالله أنني في بعض الأحيان كنت أظنني في حلم مستحيل التصديق أو التفسير.
⦁ أعني أن علومنا وأفكارنا مسجلة على ذرات الهواء، نأتي بها متى نشاء، ونقوم بصنع أدواتنا المخبرية بنفس طريقة صنع المركبات، أي بتصليب الهواء.
⦁ وماذا بعد ذلك؟
⦁ نقوم بالأبحاث التي نريد، وعندما ننتهي من ذلك نعيد الهواء إلى أصله، وهكذا فلا مخلفات خطرة أو غيرها.
⦁ يا إلهي أكاد لا أصدق ما أسمع.
⦁ العلم ليس له حدود وعليك أن تتعلم قدر استطاعتك. لقد زرعنا في دماغك خلايا غير ضارة تساعدك على التذكر والاستيعاب، فعودتك وشيكة، وحري بك استغلال كل لحظة للتعلم.
كان أول شيء قمت بتجريبه عندما عدت إلى الأرض، هو ذلك المثلث الصغير الذي كان بإمكانه إنزال المطر في أي مكان. وعندما شاهدت المطر ينهمر على صحراء الربع الخالي بغزارة، لم أصدق ما كنت أراه، لكنه، أي المثلث، وقف عاجزاً أمام كارثة حلت بنا لاحقاً لا ندري مسببها!
عدت أخيراً إلى الأرض، بعد وداع حافل حضره حارس الماء الأعظم وكل حكماء كوكب الماء، باستثناء "سماثمانا"، كان وداعاً مؤثراً. – "الوداع أيها الأرضي بدون لقاء، يا أول وآخر غريب يصل إلى كوكبنا!" ..
كانت كلمات الحارس الأعظم الوداعية لا تزال ترن في أذني، خصوصاً في هذه الأيام التي نواجه فيها خطراً ماحقاً، وكأنه يؤكد ضرورة اعتماد الإنسان على نفسه
- .. وأبلغ جنسك الأرضي أن الحياة أثمن ما وهب الخالق الكبير لمخلوقاته، وعليهم أن يدركوا ذلك، وإذا ما واجهتم خطراً ما عليكم الاعتماد على أنفسكم بإتحادكم ونبذ كل مايفرقكم، فأنتم لا تقلون ذكاءً أو مقدرة عن بقية المخلوقات، هذا إذا لم تكونوا أكبر من ذلك بكثير، لكن عليكم الإيمان بقدراتكم أولاً".
كانت كلمات لا تنسى. وبعد ذلك الوداع المثير قاموا بإعادتي وبرفقتي ماؤنا الذي انتظره الناس طويلاً وهم غير مصدقين بعودته.
وجدت نفسي بجوار البحيرة التي انطلقت منها، فتوجهت من فوري، وكل أشواق العالم تضج بين جوانبي، إلى البيت الذي افتقدته كثيراً.
كنت أجري بكل سرعة أمتلكها، لم يكن البيت بعيداً عن البحيرة حيث رأينا سيارة تقبل من بعيد فهرعت باتجاهها لأجد "أنجل" أمامي.
بعد ذلك تفرغت لإعادة ترميم بيتنا الأرضي بما عدت به من علوم اٍستطعت بواسطتها ومن خلالها مساعدة الدول في إعادة ما دمره غياب الماء، وبدا وأن الكابوس قد زال عن صدورنا، حتى اكتشفت في إحدى رحلاتي حول العالم، أن الأشجار أخذت تختفي، دون أن تترك وراءها أي أثر، كدت أصعق لهول المفاجأة، لم يكن في الأمر صدفة، كادت الكارثة أن تقتلني، فثمة غريم جديد قد غزانا كما يبدو، الله يعلم مدى شره. لم أنتظر بدوري ما قد يحدث، وبدأت أستعد لمعركة لا أعلم نتائجها بعد، ولا أدري متى أو أين وكيف ستبدأ حرب الذود عن أشجارنا، رئة كوكبنا العظيم، وإن كنت اعلم بأن الإنسان هو فعلا أول من بدأ حربه الخاسرة ضد نفسه، وضد رئات ستة مليارات إنسان ومعها مليارات كثيرة من الكائنات الأخرى.
لكن السؤال الذي يوشك أن يصيبني بالجنون" من هو هذا العدو الجديد، وماهي أهدافه من شن حربه المجرمة هذه ضدنا، ولماذا ، وكيف يمكننا مقاومته ؟!!" .

 

 .......................................................................................

 

 

 

 

تضاريس عبدالناصر مجلي المكتشفة:

⦁ شاعر وقاص وروائي وناقد يمني أمريكي
⦁ عضو اتحاد الأدباء والكُتّاب اليمنيين
⦁ عضو اتحاد الأدباء والكُتّاب العرب
⦁ يعمل في الصحافة منذ العام 1989
⦁ عمل مراسلا من الولايات المتحدة لعدد من الصحف العربية المهجرية وعدد من الصحف في الوطن العربي
⦁ يشغل منصب رئيس تحرير مجلة(العربي الأمريكي اليوم) التي تصدر بولاية ميتشجان الأمريكية www.arabamericantoday.net
⦁ ناشر ورئيس تحرير شبكة الأمة برس العربية الأمريكية الإخبارية www.thenationpress.net
⦁ رئيس "جماعة الغد" الأدبية ( أول جماعة أدبية في اليمن تأسست في صيف العام1989).
⦁رئيس المركز العربي الامريكي للإعلام والثقافة والتراث والفنون
⦁ تم تكريمه في مهرجان الشعر العربي- واشنطن 1997م عن قصيدة (متواليات الغريب)
⦁ تم تكريمه من قبل (البيت العربي الأمريكي) على كتابه الشعري (سيرة القبيلة)- ديترويت2000
⦁ تم منحه شهادة تقديرية من وزارة المغتربين اليمنيين 2000 لدوره الفاعل في التعريف بالثقافة والإبداع اليمني والعربي داخل الولايات المتحدة
* تم تكريمة من قبل وزارة الثقافة اليمنية أثناء مشاركته في ملتقى الشعراء الشباب العرب 2004 ، 2006
* تم تكريمه من قبل بيت الشعر اليمني على مجمل إبداعه 2007
صدر له:
⦁ ذات مساء .. ذات راقصة - قصص- القاهرة 1991م
⦁ عرق حنا – شعر – ديترويت 1993
⦁ أترك الباب مواربا وأمضي – شعر – ديترويت 1994
⦁ سيرة القبيلة – شعر- عمّان 1995
⦁ تصاوير اليبوسة والملح والأسمنت – قصص – عمان 1996
⦁ السيرة الرملية للفتى البحر – شعر – صنعاء 1997
⦁ أهذي من تلف وأكتب كل هذه القصائد لأن عائشة سطر مسك فيها – شعر – ويندسور – كندا 2000
⦁ أشياء خاصة – قصص – عمان 2002
⦁ بضعة أيام أخرى في الصيف – شعر – واشنطن 2003
⦁ عندما كنت جبلا صغيرا من ثلج ذوبته الأحزان – قصص – بيروت 2004
⦁ أنطلوجيا الأدب السعودي الحديث ( اكبر وأشمل انطلوجيا عن الإبداع السعودي عبر مائة عام) – المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت عمان 2005
⦁ الأعمال القصصية 1989-2005 – صنعاء 2007
⦁ رجال الثلج- رواية- صنعاء 2009
⦁ جغرافية الماء - رواية - صنعاء 2010
⦁ تم إختيار مجموعته القصصية ( ذات مساء .. راقصة ) كمادة للتدريس في قسم علم الإجتماع – جامعة صنعاء – تحت إشراف الناقد اليمني الكبير الراحل الدكتور عبدالملك المقرمي منذ العام 1992 – 1997
⦁ تم إختيار كتابه الشعري ( سيرة القبيلة ) كمادة للتدريس في جامعة صنعاء تحت إشراف الناقد العربي الكبير أ.د. عبدالرضا علي ( الرموز والأقنعة في سيرة القبيلة) لبضع سنوات.
⦁ تم إختيار روايته ( رجال الثلج) كمادة للتدريس في جامعة صنعاء تحت إشراف الناقد والشاعر العربي الكبير د. إبراهيم الجرادي، والناقد العربي الكبير د. حاتم الصكر 2009

⦁ تراجم

⦁ ترجمت بعض أعماله الشعرية والقصصية الى كل من: الإنجليزية ، الفرنسية ، الأسبانية ، السويدية
⦁ يعمل ويقيم في مدينة ديربورن بولاية ميتشجان الأمريكية

 

............................................................................................ 

 

 


كلمة الغلاف الأخير

عبدالناصر مجلي في "جغرافية الماء"..
المبدع المتنوع الذي يسجل حضوره الروائي عن جدارة !!

"أكاد لا أصدق وأنا أكتب هذه السطور، التي حينما تتاح الفرصة لقارئ أو باحث مهتم، قد لا يصدق ما يقرؤه، لكن الأمانة العلمية تحتم عليَّ أن أقول شهادتي للتاريخ، لأنني بعد تسطيري لهذه الكلمات سأكون في كوكب آخر، لا أدري موقعه في الكون، كوكب بلغ العلم بسكانه مبلغاً عظيماً لا نستطيع تخيله!"

يبدو أن الشاعر والقاص المبدع عبدالناصر مجلي أدرك أهمية الرواية وما يحف بها من اهتمام الحاضر وينتظرها من حفاوة المستقبل فأقبل على كتابتها لا على سبيل الهواية والتنويع في إبداعاته المتعددة وإنما لأنه وجد فيها نفسه ، ربما كما لم يجدها في القصة القصيرة وفي الشعر أيضاً . وفي هذه الرواية ، كما في سابقتها ( رجال الثلج ) يسجل عبدالناصر حضوره الحقيقي في الفن الروائي بجدارة.

" كل شيء توقف فجأة، الآلات العملاقة، وتوربينات الطاقة، حتى الرايات ماتت مكانها، وهوت على الأرض مثل زجاج متناثر، وبدأت الحرارة في الارتفاع، كانت حرارة لا تطاق، حرارة حادة مثل سكاكين من نار، جعلت الناس يهيمون على وجوههم بحثاً عن نسمة هواء، وانطلقت الحيوانات من أوكارها، وبدأت الطيور تتساقط على الرؤوس، التي توشك على الانفجار مثل بَرد ميت، وبدأ الصدام بينها وبين الإنسان في أنحاء العالم، الذي أبادها بوحشية لا تصدق، دفاعاً عن النفس، كانت حيوانات مسعورة زادها العطش والحرارة جنوناً وتوحشاً.
عندما أدرك سكان الأرض أنه لم يعد أمامهم ماء ولا بحار ولا أنهار ولا بحيرات ولا محيطات، ولا أمل يرجى في مطر مستحيل قادم، بدأت الحروب الضارية. كان ذلك في أقل من عشرة أيام على اختفاء الماء. كنت وحدي من يدرك سر الكارثة التي لا تصدق."

لقد قرأت عدداً من الروايات العلمية فأصابني بعضها بالملل لكنني تمنيت عند قراءة هذا العمل الروائي لو يطول ليزيد استمتاعي به أكثر، فنحن معه في حكاية علمية أغرب من كل خيال وفيها قصة حب من نوع خاص ، حب مستحيل ، حب أبعد من الخيال وهو حب لا يتم على الأرض، بل في ذلك الكوكب الغريب الذي سبقت الإشارة إليه ، حب إنسان من لحم ودم لامرأة من ماء أو هكذا تخيلتها.
إنني أدعو ، وبإلحاح ، إلى ترجمة هذه الرواية إلى مجموعة من اللغات، بوصفها صرخة إنسانية ينبغي على البشر أن يتوقفوا عندها طويلاً وقبل فوات الأوان ، فهي كعمل روائي متقن الأداء بديع اللغة يحمل رسالة غير مباشرة إلى جميع البشر، الذين يعبثون بالبيئة الخارجية للأرض ويتسابقون في جني الأرباح الخيالية من وراء هدم المكونات الأساسية للبيئة التي يعيش عليها الإنسان!!

أ.د. عبدالعزيز المقالح

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي