رواية "قلب الظلام" لجوزيف كونراد: الاستعمار وسجال الدلالة

2020-05-20 | منذ 2 شهر

 رامي أبو شهاب*

اتخذت رواية «قلب الظلام» للروائي البولندي الإنكليزي جوزيف كونراد (1857-1924) قيمة مضاعفة، ولا سيما بعد عقود من كتابتها حيث صدرت لأول مرة عام 1902 وقد حفزت السياقات الناشئة مقاربة هذه الرواية ليستدرك النقاد ما تنطوي عليه من كتل دلالية تتصل بالنموذج ما بعد الكولونيالي. ومع ارتفاع وتيرة القراءات التي تطال الحقبة الاستعمارية، مع صدور كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد بدت الرواية حاملة للكثير من الملامح، أو الرؤى التي شكلت مجالاً خصباً للتأويلات لنص «جوزيف كونراد» القصير نسبياً «النوفيلا».

الرؤية

على الرغم من تعدد الترجمات إلى العربية وإشكالياتها، نظراً لطبيعة لغة كونراد ونسيجه السردي، إلا أن ما يميز الرواية قدرتها على تقديم وعي عميق باللغة والإحالات التي تنشط في المتن السردي، حيث نستطيع أن نصرح بأن الرواية لا تبدو على قدر وافٍ من الإمتاعية، التي ننشدها على مستوى الحبكة، ومرجع ذلك يعود إلى أنها ترتهن بالكلية لطبقات دلالية شديدة الثقل، فالرواية من موقع الاستهلال تنشغل في خلق فضائين متوازيين لعالمين شديدي الاختلاف، ومن ذلك تموضع نهر التيمز (الإمبراطورية) مع نهر الكونغو (افريقيا)، وبينهما ثمة رؤى لا تنضب في فكفكة العلاقة بين هذين العالمين: النموذج الحواضري أو المتروبوليتان، مقابل النموذج المهمش القائم على الأطراف، والذي يشكل مصدراً من مصادر تكوين الإمبراطورية.

إن رغبة الشخصية الرئيسية «مالرو» في أن يتجه إلى العمق، أو نحو الجنوب، إلى ذلك الظلام الذي ينشأ تبعاً لرؤية «كورتيز» لا يُحيل إلى رؤيتين تتصلان بتوصيف هذا العالم المستعمر، الذي لا يُعرف تبعا لإدوارد سعيد ضمن مجال الرؤية الأكاديمية فحسب إنما يسهم في هذا التسنين الخطابي أيضاً خطابات الرحالة، والشركات التجارية، والحكومات، والحملات العسكرية، وقراء الروايات كما يذكر في كتابه «الاستشراق».

ينشغل إدوارد سعيد في كتابه الآخر «الثقافة والإمبريالية» برحلة «مالرو» إلى العمق الافريقي للقاء «كورتيز» (الموظف في الشركة التي مهمتها الحصول على العاج) حيث يرى مالرو في وجود كورتيز فعل امتداد أو تقويض أو اختبار لمنظوره المتعلق بهذا الفضاء الافريقي الغامض، أو أنه يسعى لأن يمتلك إرث (كورتيز) في المستعمرة، ضمن مبدأ الهيمنة على هذا الوجود (الآخر) في رحلة تشوبها المصاعب والمتاعب. لعل هذا المسعى يعد قدراً أوروبياً ينزلق ليمكث في الوعي، وهو ما يُكني عنه بالرؤية التي يصطنعها «مالرو» للعالم الافريقي، أو الإنسان غير الأوروبي كما يقول. إنها جملة من التمثيلات الخطابية ضمن التوافق على التحديد الاصطلاحي كما شاع في أدبيات ما بعد الكولونيالية.

تتخذ شخصيتا «كورتيز» و«مالرو» الرؤيتين اللتين تعنيان شكلاً من أشكال الوجود المتصل بالآخر، حيث تقوم الرواية على فعل التأمل العميق الذي يضطلع به «مالرو» بوصفه مركز اً للتبئير السردي، فنقع على أسئلته الشديدة الحيرة في ما يتعلق بتصوره عن شخصية «كورتيز» ودوره في هذا المكان، فكورتيز ينطلق من امتلاء بالمكان، مع رغبة عميقة في الهيمنة على هذا الغامض، إنه لا ينظر إلى وجوده بوصفه موظفاً ينتهج فعلاً وظيفياً وحسب، إنما هناك ارتباط بالمكان في سياق أسطوري، ومع ذلك لا يمكن القول بأن كورتيز قد بدا مصطنعاً أو أسطورياً في التكوين السردي على مستوى بناء الشخصية، إنما يمكن القول إنه استجاب لكتلة التمثيلات الخطابية الواعية من لدن جوزيف كونراد، أو لروح الرؤية التي يحتكم إليها في عمله عبر الراوي «مالرو» الذي يمتلك رؤية الفضاء الكلي للرواية.

 التكوين وسجال الدلالات

إن البناء الكلي كما السجالي لمنظومة الأفكار، أو لنقل الدلالات في الرواية يجعلها تبدو محفزة للتحليل، فهي من جهة تتصل بفعل التكريس للتمثيلات الاستشراقية، ومن جهة أخرى تشي ببعض النقد الذاتي، أو لنقل صورة من صور البحث في الفعل القائم على الاستعمار، وآليات عمله، مع جملة من الأسئلة، التي تتعلق بماهيته الأخلاقية. إنها مرافعة شبه فلسفية أو قياسية، مؤطرة بإطار جمالي تخييلي شديد الغرابة أو الدهشة، وعلى ما يبدو، فإن هذه الرواية القصيرة، جاءت مكثفة بشدة على مستوى اللغة حيث تحتشد بقدرات اختزالية لمكامن الدلالات، بيد أنها لا تنزلق إلى نوع من المرافعات السردية التي تشرح أكثر مما تعكس الوجهات والرؤى، ففي مستهل الرواية تصور مدينة لندن أو نهر «التيمز» بوصفه مجالاً متعالياً شديد التفوق:

«كانت نهاية نهر (التيمز) المتجهة للبحر تمتد أمامنا كأنما هي بداية طريق بحري بلا نهاية. وفي عرض البحر بدا لي كأن السماء والبر يمتزجان دونما نقطة التقاء.. وثمة غيمة تستريح فوق الشطآن المتجهة إلى البحر، والهواء كان مظلماً فوق (جريفسند) يزداد كثافة في كآبة جنائزية فوق أكبر وأعظم مدينة على وجه الأرض».

 

إن مفهوم النموذج الاستعماري القائم على الرأسمالية يتضح من وصف مالرو لتوقيع عقد العمل مع الشركة، حيث يصفها بأنها أكبر شيء أو مبنى في المدينة، في حين أن الرحلة تستجيب لمعيارية النموذج الاستعماري، الذي يتوافق مع مهمة تبشيرية

لا تخفى على القارئ الدلالات الكبرى لمدينة تحيل إلى نموذج متفوق، ولكن الغيوم تزحف نحو البحر، وتنذر بشيء آخر… وهي تتجه نحو الأطراف، أو إلى عوالم ما وراء البحار؛ ولهذا يستحضر «مالرو» روح هذا النهر العظيم بعد بضع صفحات، ومن ذلك أسماء القادة العظام الذين عبروا هذا النهر نحو المجد، وهذا ما ينقلنا إلى الإقرار بتشكل ببنية المعاني أو الدلالات، بغية محاكمة هذا الإرث الاستعماري الذي يتمحور حول غموض الآخر:

«فكم من رجال ونساء حمل هذا النهر.. لقد خدم كل هؤلاء الذين تفخر بهم الأمة من سير (فرانسيس دريك) حتى سير (جون فرانكلين) كلهم فرسان.. نبلاء البحر.. لقد حمل كل السفن التي تلمع اسماؤها كالجواهر في ظلام الزمن.. أي عظمة لم تبحر عبر هذه المياه نحو غموض الأراضي المجهولة! أحلام الرجل وبذور الكومنولث وأصول الإمبراطوريات».

إن استدعاء غزو الرومان لأرض الغال، أو نهر التيمز في أزمنة الظلام، قد بدا رغبة بتحقيق تلك المهمة، أو خلقها. إنها المفردة (المهمة) التي تسكن مجمل النص فتبدو باعثة للمزيد من التأويل، وسجال الدلالات. ولعل هذا يتزامن مع فكرة الظلام أو الأمكنة المظلمة، التي تعني قصورها عن الحضارة، ما يعني – بشكل أو بآخر – خلق نص مزدحم بالدلالات غير المنجزة، حول الدور الاستعماري، حيث وجد البعض أن الرواية ناقدة للفعل، في حين أن البعض اتهمها بأنها ذات طابع مغرق بالتمثيلات السلبية، كما علق الروائي النيجري أتشينو أتشيبي، في معرض نقده لهذا العمل.

يمكن أن نقرأ حيرة الدلالات في نوايا جوزيف كونراد، ضمن قراءة نقد للعملية الاستعمارية من خلال تأكيدها أو اللجوء إلى نموذج من النقد أو النيل منها بصورة تبدو متوارية؛ بمعنى آخر نفيها عن التثبيت المركزي للمرجعية الدلالية.

إن مفهوم الاستعمار والغزو من القضايا التي تبدو مُدرجة في نطاق التأويل في سياق تعليق «مالرو» على الغزو الروماني، حيث يرى أن الاستعمار يختلف عن الغزو؛ أي أنه ينطوي على تلك المهمة الحضارية، فالغزو – حسب مالرو- يتعلق بفعل الاستلاب تبعاً لتمايز عرقي، حيث يقول: «لكن هؤلاء الشباب لم يكنوا استعماريين.. فقط كانوا غزاة.. كانت أعمالهم مجرد سطو مسلح.. قتل على نطاق واسع..أن تستلب الأرض من هؤلاء الذين لهم سحنات مختلفة أو أنوف أكثر تفلطحاً من أنوفنا.. ليس هذا جميلاً لو فكرت فيه».

إن مفهوم النموذج الاستعماري القائم على الرأسمالية يتضح من وصف مالرو لتوقيع عقد العمل مع الشركة، حيث يصفها بأنها أكبر شيء أو مبنى في المدينة، في حين أن الرحلة تستجيب لمعيارية النموذج الاستعماري، الذي يتوافق مع مهمة تبشيرية، حيث يقول: «سألعب دوراً شبيهاً بالمبشرين». في حين أن عمته ـ المرأة التي توسطت للحصول على الوظيفة – كانت ترى في المهمة أنها وسيلة لفطم ذهن الأقوام التي تقبع خلف البحر عن صفات التوحش، وحين يمضي مالرو إلى العمق يخلق الإحساس بوعي المكان وسطوته على وجوده، أو العقل، فيرى أنه بدأ يتحول إلى ظاهرة، في حين تتحول العودة إلى أمر مستحيل، فلا مناص إذن من المضي نحو عمق النهر الذي يعني العودة إلى التكوين الأول.

وهذا ينقلنا إلى نموذج مؤسطر للتمثيلات التي تطال الآخر، فينزلق النص لرسم تكوين الطبيعة بنماذج استعارية شديدة الغرابة والدهشة. فهي تكوين ما قبل التاريخ حيث يقول مالرو: «كنا نمضي في أرض تمت لما قبل التاريخ… على أرض تنكرت في ثياب كوكب مجهول، كأننا أول ورثة لإرث ملعون، ننزلق كالأشباح خائفين، كأننا العقلاء في مستشفى مجانين تجتاحه ثورة مجنونة».

هذه الصيغ على المستوى السيميائي تبين عن كثير من العمق عن دلالات قابعة في لاوعي العقل الاستعماري، حيث يعامل المكان بوصفه فارغاً أو مُفرغاً، وبدائياً أيضاً، كما أن الوجود هذا سيورث، ويعاد تشكيله، هو مكان خام، لم يُمتلك، أو أنه فيض من المشاع الجغرافي أو الثقافي، في حين أن متخيل المهمة الحضارية يبقى جزءاً من تأويلات الرواية في (ص 71) حيث يقرأ مالرو في الكتيب الذي وضعه كورتيز، أن الوجود الأبيض يعني التقدم، وما هذه الكائنات إلا كائنات خارقة للطبيعة، بل هي تقترب من الألوهية، وصولاً إلى الحديث عن مبدأ عمل الخير كما يُهيأ للعقل الاستعماري، ولكن مع ملحوظة في آخر الكتيب تقول: «أبيدوا كل المتوحشين… ».

ختاماً، يسكن النص تكوين خطابي ينهض بشكل جلي على مفردات الرعب بالتجاور مع خلق صورة شديدة العمق لسطوة المكان أو الطبيعة، وهذا ما نراه عندما يتجه لمقابلة كورتيز، مع التأكيد على وحشية هذا المكان لا على المستوى المادي فقط، إنما المعنوي أيضاً، غير أن تمثيلات هذا المكان سرعان ما تتحول إلى علمية تقويض دلالي عميق حين يصف «كورتيز» مآلات رحلته في هذه الأرض، وانسحاقه تحت وطأتها: «إنها تحدث في فراغ رمادي دون أرض تحت قدميك.. ولا شيء حولك …ولا مشاهدين ولا مجد …ولا الرغبة في الفوز». تنتهي الرواية بأن يمسي كورتيز مختزلاً في مجموعة من الخطابات التي تجسد العالم، حيث يتوارى كل شيء خلف اللغة، وهذا ما نراه في محاولة «مالرو» عند تقديم أوراق كورتيز أو المخطوطة للسيدة (قريبته) بعد أن طالبت بها الشركة التي كان يعمل فيها، مما يعني أن هذا الإرث خرج عن تكوينه المادي ليضحي إرثاً معنوياً متصلا بالذات.

 

  • كاتب أردني فلسطيني


إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي