تأميم الصحة العالمية.. كيف تحول البحث عن لقاح كورونا لصراع عالمي ضحيته الشعوب الفقيرة؟

2020-05-15 | منذ 1 أسبوع

حين ضربت جائحة إنفلونزا الخنازير العالم في عام 2009، تدافعت بعض أغنى دول العالم من أجل وضع أيديها على اللقاحات بأيّ ثمن. في حين تراجعت الدول الأفقر -الأكثر تضرّراً- إلى ذيل القائمة، بالتزامن مع توقيع الدول الغربية لصفقات مع شركات الأدوية من أجل ضمان حصولها على اللقاحات.

وتُمثّل إنفلونزا الخنازير بالنسبة للعديد من خبراء الصحة العالمية إشارة تحذير من أزمة فيروس كورونا الأكثر خطورة، التي فتكت حتى الآن بـ290 ألف شخص حول العالم وعطّلت الاقتصادات حول العالم. ويخشون أن يُؤدّي الوباء الحالي إلى صراعٍ جيوسياسي حول اللقاحات التي ستتعدّى إخفاقاتها ما حدث مع إنفلونزا الخنازير، كما تقول صحيفة Financial Times البريطانية.

البحث عن لقاح ضد كورونا يعمق الخلافات في العالم

تُعَدُّ عملية البحث عن اللقاح -الذي يعتقد العديد من الخبراء أنّه سيظهر بعد 12 إلى 18 شهراً على الأقل- أمراً محورياً في قلب أجل الجهود العالمية لإعادة تشغيل الاقتصادات. ولكن على غرار إنفلونزا الخنازير، تُثير تلك العملية التساؤلات حول ما إذا كانت الدول ستتحرّك بالمقتضى الضيّق لمصلحتها الشخصية، أم ستعتنق نهجاً عالمياً أكثر تعاونية. وهناك أكثر من 100 لقاح محتمل في مرحلة الاختبار حالياً، وسنكون بحاجةٍ إلى جهود جبّارة تُكلّف عشرات المليارات من الدولارات، فضلاً عن ضرورة استخدام اللوجستيات المُعقّدة في صناعة وتوزيع العقار الناجح حول العالم.

وتُحاول الدول الأوروبية ومنظمة الصحة العالمية الحفاظ على الخيار مُتعدّد الأطراف عبر سلسلةٍ من مؤتمرات جمع التبرعات. لكن الولايات المتحدة والصين كانتا مترددتين في الالتزام، وقامتا بدلاً من ذلك بتجنيد الجيوش وشركات الأدوية والتكنولوجيا الحيوية من أجل ما يراه البعض صراعاً على حقوق التفاخر القومية.

وهناك حالياً أكثر من مئة مشروع في العالم وأكثر من عشر تجارب سريرية للقاح لمحاولة إيجاد علاج للمرض الذي ظهر في مدينة ووهان الصينية في كانون الأول/ديسمبر. لكن منظمة الصحة العالمية قالت إن "هذا الفيروس قد لا يختفي أبداً" حتى في حال التوصل إلى لقاح.

التسابق على المركز الأول

تضُخّ بكين وواشنطن قدراً هائلاً من الموارد على محاولة الوصول إلى اللقاح أوّلاً، وفعل ذلك في زمنٍ قياسي. إذ أطلق الرئيس دونالد ترامب عملية وارب سبيد، وهي شراكةٌ بين القطاعين العام والخاص بهدف توفير مئات الملايين من الجرعات داخل الولايات المتحدة بنهاية العام، وفقاً لأحد العلماء الحكوميين المُشاركين في المشروع.

وقال سكوت غوتليب، الذي كان مُفوّض إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في عهد ترامب، إنّ إنفلونزا الخنازير كشفت مدى عدم واقعية "نظرة المدينة الفاضلة" التي ترى أنّ الدول ستُضحي بلقاحٍ واحد قبل تلبية احتياجاتها المحلية. وأردف: "من المهم أن تمتلك أمريكا اللقاح جاهزاً من مُصنِّع أمريكي، لأنّ التاريخ علّمنا أنّ الدول تُؤمّم منتجاتها في ظل أزمات الصحة العامة".

وليس الصراع أقل زخماً في الصين. إذ إنّ أربعةً من أصل ثمانية لقاحات مُحتملة -في مرحلة التقييم السريري حالياً- هي لقاحات صينية بحسب منظمة الصحة العالمية. إلى جانب لقاحين آخرين من الولايات المتحدة. ولقاح نتيجة تعاون بين BioNTech الألمانية وFosun Pharma الصينية وPfizer الأمريكية. أما اللقاح الأخير فهو نتاج تعاون بين جامعة أكسفورد وشركة AstraZeneca البريطانية.

وقال ويدونغ ين، الرئيس التنفيذي لـSinovac الشركة الصينية التي تملك لقاحاً مُحتملاً يخضع للاختبارات، إنّ الشركة تستطيع إتمام المرحلة الثانية من التجارب وبدء الإنتاج بحلول يوليو/تموز، وفقاً لوسائل الإعلام المحلية.

في حين قال غوتليب إنّ الصين ربما تكون أول الواصلين إلى مرحلة "تطعيم الناس"، لكنّها لا تبدو "مهتمةً بالحصول على اللقاح الأفضل" وجادل بدلاً من ذلك بأنّ تعدُّد اللقاحات من مُختلف المُصنّعين حول العالم هو أمرٌ مطلوب. "إذا نجح العديد من المُصنّعين، فستقل صعوبة التحدّي. والموقف الصعب سيظهر حين لا يكون لدينا سوى مُصنّع واحد أو اثنين فقط بلقاحات ناجحة".

"تأميم الصحة العالمية"

ويتّفق العديد من خبراء الصحة العالمية على أنّ التركيز المبالغ فيه على الوصول إلى اللقاح أولاً هو قرار قصير النظر. وقالت كاليبسو شالكيدو، مُديرة الصحة العالمية بمركز Center for Global Development البحثي: "يجب أن تقلق الولايات المتحدة والصين لأنّ واحدةً منهما لن تصل إلى اللقاح أولاً. وهذه مشكلةٌ عالمية حقاً. إذ إنّ حجم الصناعة عالمي -وستنفد الأمبولات الزجاجية والمكوّنات الصيدلانية النشطة، وليس هناك ما يكفي من المرافق في دولةٍ واحدة لفعل ذلك. لذا عليك أن تبني الطائرة أثناء التحليق بها".

وتركت الأيام الأولى من جائحة كوفيد-19 العديد من الخبراء في حالة ذعر حيال ما سيحدث حين يبدأ توزيع اللقاح. إذ كانت هناك مناوشاتٌ بالفعل حول معدات الوقاية الشخصية مثل البدل الطبية وأقنعة الوجه. واتّهم الساسة الألمان الولايات المتحدة بـ"القرصنة المُعاصرة"، حين تحوّل مسار شحنة أقنعة 3M إلى أمريكا -بعد أن كانت الشحنة مُتّجهةً في الأصل إلى قوات شرطة برلين. وظهرت المشكلات داخل الاتحاد الأوروبي أيضاً، حين صادرت فرنسا ملايين الأقنعة المملوكة لشركة رعاية صحية سويدية، مما أثار احتجاجات غاضبة.

ولا شكّ أنّ قضية CureVac، شركة المستحضرات الدوائية الحيوية التي تُطوّر لقاحاً محتملاً ضد كوفيد-19، دقّت أجراس إنذارٍ أكبر. إذ نقلت وسائل الإعلام الألمانية أنّ الحكومة الأمريكية عرضت شراء CureVac بعد لقاء رئيسها التنفيذي دانيال مينيشيلا بترامب داخل البيت الأبيض في شهر مارس/آذار. وأثارت تلك التقارير موجة غضب عارمة في برلين، مع إصرار وزير الاقتصاد الألماني بيتر ألتماير على أنّ "ألمانيا ليست للبيع". وأنكرت إدارة الشركة تلقي أيّ عرض من إدارة ترامب، لكن ديتمار هوب الذي يملك غالبية أسهم الشركة رفض إنكار الأمر، في حين غادر مينيشيلا الشركة الآن.

وقال هوب: "من البديهيات أنّ أيّ شركةٍ ألمانية لا يجب أن تُطوّر لقاحاً مُخصّصاً للاستخدام الحصري داخل الولايات المتحدة".

وجادل ستيوارت بلوم، أستاذ العلوم والتكنولوجيا في جامعة أمستردام، بأنّ أحد الاتجاهات الأكثر إثارةً للقلق في العقود الأخيرة كان "تأميم الصحة العالمية" وجعلها مسألةً تتعلّق بالأمن القومي والدبلوماسية الدولية إلى جانب الصحة. وأضاف أنّ الصين تستطيع استغلال اللقاح بوصفه طريقةً "للإعلان عن هيبتها الدولية"، عن طريق منح اللقاح للدول الإفريقية والأمريكية اللاتينية.

وصرّح مسؤولٌ أوروبيٌ بارز: "الجميع يُدرك أنّنا سنُعوّل على التعاون الدولي من أجل إنجاز المهام اللوجستية المُتعلّقة باللقاح. وسيكون دور الصين والولايات المتحدة محورياً. فما الذي سيحدث حين نخسر دعمهم؟".

المصلحة الخاصة مقابل المصلحة العامة

يسعى الآخرون إلى دعم نهجٍ مُتعدّد الأطراف. إذ عقدت المفوضية الأوروبية مؤتمراً للمانحين الشهر الماضي وجمعت ثمانية مليارات دولار من أجل تطوير وتوزيع اللقاحات والعلاجات المضادة لفيروس كورونا، بما في ذلك حق الدول الفقيرة في الوصول العادل إلى تلك اللقاحات.

لكنّ الولايات المتحدة وروسيا والهند والبرازيل والأرجنتين كانت من الدول التي امتنعت عن الحضور، في حين أرسلت الصين سفيرها إلى الاتحاد الأوروبي بدلاً من إرسال رئيس دولة أو حكومة مثل الدول الأخرى.

كما ستُعقد قمةٌ مُنفصلة مُتعدّدة الأطراف في لندن خلال شهر يونيو/حزيران بغرض جمع 7.4 مليار دولار على الأقل من أجل تطوير عدة لقاحات، ومن بينها لقاح فيروس كورونا.

وحتى داخل المملكة المتحدة، نجد أنّ الحكومة سارعت لتأمين إمدادات اللقاحات القابلة للتطبيق مُبكّراً بالاعتماد على شركات الأدوية المحلية. إذ قال وزير الصحة البريطاني مات هانكوك في أبريل/نيسان، إبان الكشف عن خطة دعمٍ مالي بقيمة 52 مليون دولار لاثنتين من جهود تطوير اللقاح المحلية: "سنحظى بأفضليةٍ كبيرة إذا صرنا الدولة الأولى التي تُطوّر لقاحاً ناجحاً في العالم، لدرجة أنّني أُراهن على ذلك بكل ما أملك". ووقّعت شركة الأدوية البريطانية AstraZeneca عقداً مع جامعة أكسفورد لتصنيع ما يصل إلى 100 مليون جرعة بحلول نهاية العام الجاري 2020، مع منح الأولوية لإمداد المملكة المتحدة بالجرعات.

ويحتفي الخبراء بمختلف تلك المبادرات، لكن العديدين يُجادلون بأنّها لن تكون كافيةً لفيروس كورونا على الأرجح. إذ قال ديفيد ساليسبوري، الزميل المُشارك في برنامج الصحة العالمية بمركز Chatham House البحثي والرئيس السابق للجنة منظمة الصحة العالمية المعنية بالمناعة العالمية: "ليست هناك سلطةٌ عالمية تمتلك المال والنفوذ الكافيين لإدارة تحرّكات القطاع الخاص -وخاصةً صناعة الأدوية. ويُمكن أن تنتابك كافة مشاعر الإيثار بالطبع، ولكن السؤال الحقيقي يكمُن في ترجمة تلك المشاعر إلى حقيقة".

وتضرّرت منظمة الصحة العالمية نفسها بشدة من تهديد ترامب بوقف التمويل الأمريكي السنوي للأمم المتحدة، والذي يصل إلى 400 مليون دولار. ووصف بلوم الأمر بأنّه "واحدٌ من أكبر الخسائر للصحة العالمية. إذ خسرنا منتدى كان يمتلك ما يكفي من السلطة الأخلاقية لإشعار الدول بأنّها ملزمةٌ بالقرارات التي يتّخذها".

نظام توزيع أكثر عدالة

يشعر العديد من دعاة الصحة العالمية بالقلق لعدم وجود نظام رسمي يتعلّق بكيفية وترتيبات تسليم اللقاحات. وهذه مسألةٌ محورية لأنّك لن تجد على الأرجح ما يكفي من الجرعات لتلبية الطلب العالمي لفترةٍ طويلة، وربما يستغرق الأمر سنوات.

إذ قالت لويس بيس، المديرة التنفيذية لمنظمة Global Health Council غير الربحية: "هناك مخاوف من أنّ تلك اللقاحات ستتوافر بسهولةٍ أكبر في الدول الأغنى، ناهيك عن الأشخاص والمجتمعات الأكثر ثراءً داخل تلك الدول. وشهدنا ذلك يحدث بالفعل مع معدات الوقاية الشخصية". وحاولت منظمة "التحالف من أجل ابتكارات التأهب الوبائي" تخفيف حدة تلك المخاوف بالتأكّيد على الحاجة إلى منح الدول الأفقر حق الوصول العادل عند تمويل اللقاحات المُحتملة، لكن العديد من الخبراء شكّكوا في أنّ تلك التأكيدات ستكون كافية لتطغى على المصلحة الخاصة القومية.

وتقود شراكة "التحالف العالمي للقاحات والتحصين" حملة ضغط من أجل توزيعٍ عالمي أكثر عدالة. إذ جادل رئيسها التنفيذي سيث بيركلي في أبريل/نيسان، بأنّ الأولوية القصوى في ما يتعلّق بلقاح فيروس كورونا يجب أن تُمنح للعاملين الصحيين، ثم الدول التي تُعاني حالات تفشّ خرجت عن السيطرة، ثم كبار السن ومن يُعانون مشكلات صحية خطيرة -قبل منحها لبقية السكان في نهاية المطاف.

ويأمل البعض في أن يخلُص أكثر الساسة قوميةً إلى أنّ العالم المترابط الذي نعيش فيه يعني أنّ التركيز على مصلحة مواطنيك فقط سيكون قراراً مُضراً بالإنتاجية. إذ قالت غايل سميث، المسؤولة السابقة في إدارتي أوباما وكلينتون والرئيس التنفيذية الحالية لحملة One Campaign لمكافحة الفقر: "هناك ميلٌ طبيعي في عقل كل زعيمٍ قومي يدفعه إلى التفكير على النحو التالي: يا إلهي، يجب أن أجمع كافة اللقاحات المُمكنة من أجل بلادي. لكن التغلّب على ذلك الميل يتطلّب منهم التفكير في أن نجاحك يستلزم عدم السماح للفيروس بأن يمرح كما يحلو له في البلدان الأخرى. واتبّاع هذا النهج المُجزّأ سوف يجعلنا نستغرق وقتاً أطول في الخروج من الجائحة".

وبافتراض العثور على لقاحٍ أو أكثر، يقول الخبراء إنّ هناك نتيجتين مُحتملتين على نطاقٍ واسع: فإما أنّ يُعيد العالم اكتشاف أهمية تعددية الأطراف ويتعاون معاً، أو ينتشر النهج المُجزّأ أكثر حيث تُضطّر كل دولة إلى النجاة بنفسها. وهناك العديد من الأمور المجهولة مثل تكهُّن الكثيرين سراً بأنّ تغيير رئيس الولايات المتحدة سيدفع بالبلاد إلى تعديل موقفها. حيث قال أحد المسؤولين الأوروبيين: "سيبدو الأمر مختلفاً تماماً تحت إدارة رئيس مثل بايدن مثلاً"، في إشارةٍ إلى المرشح الديمقراطي المُحتمل جو بايدن.

في حين قالت غايل، التي شاركت في استجابة الولايات المتحدة لتفشّي إنفلونزا الخنازير والإيبولا عام 2014: "هذا أسوأ وقتٍ يُمكن أن تتعرّض فيه تعدّدية الأطراف لهذا النوع من الحصار. ولكن هذا هو أكثر الأمثلة دراماتيكيةً على الأهمية القصوى لتعدّدية الأطراف. إذ إنّ الخطة العالمية لن تكون خطةً عالمية في غياب القوى الأساسية".



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق







شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي