“نستمد القوة من بعضنا البعض”.. كيف كسر هؤلاء العزلة التي فرضتها كورونا عليهم في رمضان؟

2020-05-05 | منذ 3 شهر

بينما أوشك أذان المغرب في أول أيام رمضان، يوم الجمعة 24 أبريل/نيسان، جهَّز رامي إسماعيل طعام الإفطار في شقته بمدينة هيلفرسوم الهولندية: لبن بالبلح، وخبز هولندي بالجبن والبصل، وسمك السلمون مفروش على الكينوا والسبانخ. لعلَّ الوجبة كانت تكفي شخصاً واحداً، لكن إسماعيل كان يستضيف إفطاراً جماعياً. وإذ جلس إسماعيل ليبدأ في تناول الطعام، شغَّل جهاز Nintendo Switch لألعاب الفيديو، وأعدَّ مائدةً افتراضية على لعبة Animal Crossing: New Horizons.

إفطارات جماعية افتراضية

يقول إسماعيل لموقع Eater الأمريكي، واصفاً ذلك الركن الذي أعدَّه في لعبة المحاكاة ذات الشعبية الواسعة: “بنيت سوقاً صغيراً مثل الأسواق المنتشرة في مصر، وأعددت ثمانية مقاعد -لي ولسبعة أشخاص آخرين للإفطار معي”. بدأ الضيوف في التوافد من سنغافورة ولندن وكندا وسياتل، وبعضهم كان يحمل هدايا افتراضية وسلالاً ممتلئة بالفواكه. يقول إسماعيل: “أرادوا فقط أن يضمنوا ألا يظل شخصٌ وحيداً في الإفطار”. ويضيف: “من المفترض أن تكون هذه تجربةً جماعية، فأنت لا تفعل ذلك وحدك”.

وفي حين يبدو إسماعيل شخصاً شديد الحماس لألعاب الفيديو -وهو مُطوِّر ومؤسِّس أستوديو Vlambeer الهولندي المستقل لألعاب الفيديو- إلا أنه لا يحتفل عادةً برمضان على الصعيد الافتراضي، إذ كان جدول رحلاته يتضمَّن الإفطار مع مجموعاتٍ كبيرة في إندونيسيا، وجنوب إفريقيا، والبرازيل، والهند. يقول إسماعيل: “إنها تجربة جماعية ممتعة واحتفالية بالنسبة لي”. ويضيف: “من الغريب أن أمكث في المنزل في هولندا طيلة الشهر ولا أقدر على السفر”.

لذا نَشَرَ تغريبدةً لمتابعيه الـ167 ألفاً على منصة تويتر للانضمام إليه في السحور أو الإفطار اللذين يقيمهما بلعبة Animal Crossing: New Horizons للاحتفال برمضان افتراضياً -حتى أن هناك صلاة تراويح جماعية هناك.

مبادرات مميزة

وفي المساء التالي، حين أوشكت الشمس على الغروب بمدينة نيو هيفن، بولاية كونيتيكت الأمريكية، ارتدى عمر باجوا، وزوجته ليزا، وقليلٌ من أصدقائهما، الأقنعة والقفازات الواقية وذهبوا إلى ساحة مسجد الإسلام بحيِّ دوايت بالمدينة. بدأوا يوزِّعون عدداً من علب الإفطار التي احتوت بلحاً، وخبزاً، ودجاجاً بالكاري، من خلال نوافذ سيارةٍ بعد أخرى. يقول باجوا، مدير قسم الحياة المسلمة بجامعة ييل: “جميعنا نحب الجانب الاجتماعي في رمضان، والإفطار الجماعي هو جزءٌ كبيرٌ من التجربة المسلمة الأمريكية”. ويضيف: “كان هناك قلقٌ عميق في الفترة السابقة على رمضان هذا العام، إحساسٌ بالفقد، وأناسٌ مكلومون”.

وإذ يعتمد الكثير من الناس على المساجد في وجبة الإفطار، طلب باجوا من أصدقائه التبرُّع بالمال لإطعام 130 شخصاً كل سبت. يقول باجوا: “حقيقة نيو هيفن هي إنها قد تكون مدينة فقيرة للغاية”. ويضيف: “نحن لدينا الكثير من المطاعم التي يملكها مسلمون، فنحاول أن نشتري منهم الوجبات، وبذلك نمنحهم هم أيضاً عملاً”. حقَّق هذا النوع من الإفطار نجاحاً كبيراً، إذ تدفَّقَت المزيد من التبرُّعات، ما مكَّن باجوا وأصدقاءه من تقديم المزيد من الوجبات خذا الشهر.

هناك الكثير من العاملين في الرعاية الصحية والقطاعات الأساسية من المسلمين الصائمين أيضاً. بالنسبة للدكتورة أوزما سيد، أخصائية الأمراض المعدية وقائدة قوة العمل لمكافحة كوفيد-19 بمستشفى بمنطقة لونغ آيلاند بولاية نيويورك الأمريكية، كانت الأسابيع القليلة الماضية قاسيةً للغاية. لكن رغم التحديات القوية التي تواجهها في رمضان، لم تفكِّر قط في التخلي عن الصيام. تقول أيام صومها: “تمضي الأمور بخير الحمد لله”. وتضيف: “الصيام في حد ذاته ممارسة الصمود وقوة الإرادة. إنها فترةٌ روحانية بالنسبة لي، وعلاجية للغاية أيضاً”.

أنشطة واقعية بعيداً عن الإنترنت

يُعَدُّ المركز الإسلامي في جامعة نيويورك، الذي يخدم 10 آلاف شخص في الجامعة وفي مجتمع نيويورك الأوسع، واحداً من العديد من المساجد حول العالم التي تحاول تعزيز الروحانية التي يتوق إليها المصلون في بيوتهم. وضع المركز جدولاً متماسكاً للبرمجة الافتراضية، من التلاوة القرآنية إلى المحاضرات مع رجال دين إلى الإفطار على تطبيق Zoom مع الإمام خالد لطيف، الذي يحاول أيضاً التحدُّث عن اهتماماتٍ مثل الكتب والرياضة أثناء الإفطار.

في لندن، أُطلِقَ مشروع الخيمة الرمضانية غير الربحية على الإنترنت أيضاً، وجَلَبَ فعاليات الإفطار المفتوح والجماعي إلى منازل الناس. وهناك أيضاً إفطارٌ يومي على تطبيق Zoom مع قائمةٍ من المُتحدِّثين.

وتزداد شعبية الأنشطة الواقعية البعيدة عن الإنترنت، لكنها تحافظ على التباعد الاجتماعي في الوقت نفسه، مثل “مشاركة الطعام”، إذ يُعد الجميع أطباقهم ويوصلونها لمنازل الآخرين، لكي يستمتع الأصدقاء بالوجبة نفسها في وقتٍ واحدٍ. لكن العثور على المكونات اللازمة لأطباق رمضان المميزة ليس سهلاً وسط الأزمة. تقول بريندا عبدالعال، المستشارة وأستاذة القانون بولاية فيرجينيا الشمالية، ومؤسسة “MidEats” وتعني غذاء الشرق الأوسط: “الأمر أشبه بلعبة الأحجية “تتريس” لكن في مطبخك؛ لقد نفد هذا، ما البديل المناسب؟ هذا الوضع مستمر منذ بداية الأزمة”.

وبدأت بريندا في وضع استراتيجيات بديلة منذ أسابيع، بسبب عدم قدرتها على الذهاب إلى متجرها المحلي الشرق أوسطي لتخزين مستلزمات رمضان التقليدية من العدس والفول والسمّاق والزعتر، وخلال هذه العملية أصبحت بارعة في التعامل مع المصادر على الإنترنت. وتقول: “رمضان هذا العام مختلف، إذ تحاول اكتشاف طريقة للإبقاء على الأطعمة التقليدية دون القدرة على الوصول إلى مكوناتها الأصلية. عليك أن تكون مبدعاً، وتبحث على الإنترنت لترى ما المتاجر التي تبيع الفول المجفف، لقد بحثت كثيراً حتى وجدت موقع إلكتروني روسي غامض”.

تحديات من نوع آخر

سرعات ما يستحوذ المحتوى الذي يركز على رمضان، ومتوافق مع قواعد الحجر الصحي، على انتباه مواقع التواصل الاجتماعي. يمكنك متابعة حصة لياقة بدنية مناسبة للصيام في أحد الأيام ثم تعلّم طريقة عمّل عصائر السحور الصحية على حساب مجلة Azeema البريطانية على منصة إنستغرام. وتجمع منصة يوتيوب المحتوى الرمضاني من أبرز مقدمي المحتوى في أنحاء العالم، بمن فيهم مدونة الفيديو المحجبة عائشة هارون المقيمة في لوس أنجلوس. وتعرض في مدوناتها المرئية “يوميات رمضان” زينتها الرمضانية وطريقة إعداد السمبوسك الإثيوبية التي اعتادت تناولها على الإفطار من طفولتها. وتقول عائشة، مشيرة إلى ملاس عيد الفطر: “عادةً ما أصور مجموعة من الأزياء كل عام من أجل عيد الفطر، لكنني لم أستقبل أي طلبات هذا العام، لأسباب واضحة طبعاً”.

لكن الأنشطة الافتراضية تفرض تحديات من نوع خاص. تسأل سميرة عبدالرحمن، مؤسسة مبادرة “Black Iftar” (أي إفطار ذوي البشرة السمراء) في شيكاغو 2018: “كم عدد الأشخاص الذين يمكنهم فعلاً الوصول إلى الإنترنت ومعرفة طريقة استخدامه؟”. انطلقت فعاليات الإفطار التي تستهدف المسلمين ذوي البشرة السمراء وأصدقاءهم في 11 مدينة العام الماضي، والآن تحاول سميرة تدبير أفضل وسيلة لتنظيم تلك الفعاليات عبر الإنترنت. وتقول: “تؤرقني مشكلة الأمية الرقمية كثيراً. لهذا السبب كانت تجمعاتنا الشخصية جميلة للغاية، إننا نجتمع معاً منذ بداية الفكرة”.

هذا العام، ستقدم المبادرة فعاليات إفطار افتراضية ترتكز على محاضرات تلقيها كل من مكة علي وإخلاص سليم، مقدمتا حلقات المدونة الصوتية Identity Politics، والباحثة ومعلمة الصحة الجنسية المجتمعية أنجليكا ليندسي-علي. وتقول سميرة: “أريد تقديم شيء جميل، والمساهمة في تحسين تجربتهم الرمضانية هذا العام. في النهاية، رمضان هو أفضل تجربة للتواصل الشخصي، وليس عبر الهواتف”.

الاحتفال بعيد الفطر

مع بدء الناس في التكيف مع بعض أشكال الروتين خلال تلك التجربة الجديدة في الشهر الفضيل، لا تزال هناك عقبة أخرى بانتظارهم نهاية شهر رمضان؛ كيفية الاحتفال بعيد الفطر في شهر مايو/أيار، العيد الذي يتسم عادة بتجمعات ضخمة للصلاة في الساحات، ومشاركة العناق مع الأصدقاء والغرباء على حد السواء، والكثير من حفلات الإفطار والغداء والعشاء.

سيستضيف إسماعيل على الأرجح حفل عيد مفتوح على لعبة Animal Crossing، إذ يجمع “الهدايا” على مدار الشهر ويتركها على جزيرته للضيوف المارين في ذلك اليوم. ولكنه غير متأكد أيهم أكثر صعوبة: الصوم دون الأصدقاء والعائلة، أم قضاء مناسبة احتفالية عظيمة في عزلة. ويقول: “نحتاج إلى أن نستمد القوة من المجتمع أثناء صيام رمضان، ومن الصعب عدم حصولنا على هذا الدعم، أما فكرة الاحتفال بعيد الفطر وحدك تبدو غريبة للغاية”.



إقراء أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق






شخصية العام

كاريكاتير

إستطلاعات الرأي