نيتشة وأزمة الفلسفة

2020-04-23 | منذ 1 سنة

أديل فان ريث*

 ترجمة: عبد الله الحيمر

«أنا لست إنسانا، بل عبوة ناسفة»

نيتشه

فلاسفة في أزمة، هل تشكل الأزمات مصير مسار وجودنا؟ هل علينا أن نتعايش معها لنفكر فيها؟ هذا ما يؤكده نيتشه، مما يجعلها السمة المميزة لكل تفلسف.

مدينة تورينو (إيطاليا): يناير/كانون الثاني 1889

يترك فرانز كاميل أوفربيك، أستاذ في اللاهوت البروتستانتي ومؤرخ في الكنيسة. وصديق فريدريش نيتشه، الذي تبادل معه مراسلات كثيرة، مدينة بازل السويسرية بسرعة، لوقوع حادثة ما تخصه. لقد تلقى للتو العديد من الرسائل الغامضة من صديقه الفيلسوف فريدريش نيتشه. فيقوم بزيارة أصدقائه المشتركين، الذين يؤكدون تلقيهم النوع نفسه من الإشارات المقلقة.

يدعي فيها نيتشه أنه مات بالفعل، وفي رسائل أخرى يوقع باسم «ديونيزوس» ضد المصلوب.

بمجرد وصوله إلى تورينو، نزل أوفربيك إلى غرفة الفيلسوف الصغيرة المفروشة، واكتشفه وهو يزأر ويعزف على البيانو. الشي الذي دفعه لمساءلة صاحب الفندق، الذي يخبره كيف أن الفيلسوف نيتشه، قبل بضعة أيام، هرع إلى عنق حصان عربة في الشارع العام، لحمايته من الضربات التي تلقاها من سائقها. ثم انهار الفيلسوف على الرصيف، وعندما استعاد وعيه، كان في حالة هذيان شديدة. فلما وصل فرانز أوفربيك للمكان، طلب من الشرطة عدم إحضاره لقسم الشرطة. وتركه للانتقال لسويسرا. بعدها بأحد عشر عاما سيتوفى الفيلسوف نيتشه في فايمر في 25 أغسطس/آب 1900.

الفلسفة وتاريخ الأزمات؟

ظلت أزمة الخرف الشهيرة، يتحدث عنها الأطباء بطابع شخصي، وهي ظاهرة كان الفيلسوف الألماني (في كتابه «هذا هو الإنسان» كتاب أشبه بالسيرة الذاتية للفيلسوف، حيث كتب فيه عن عائلته وصديقه الموسيقي ريتشارد فاغنر، وعن فترات مرضه، بالإضافة لأسلوب حياته، وعن مدنه المفضلة، وعن طعامه والبيئة التي يفضل التواجد فيها، مع إظهار حبه لفرنسا وبغضه الشديد للألمان، شعبا، وثقافة وحتى تأريخا). كان قد مرّ بها بالفعل عندما كان أصغر سنا، لكن تجربته للأزمة لا تقتصر على الجنون النهائي، بل على العكس: أراد نيتشه إثارة الأزمات بين قرائه الذين اعتبرهم قلة جدا. لا شك في أنهم لم يكونوا في وضع يسمح لهم بقبول «ضربات المطرقة»، الذي لا ينفصل عن العمل الفلسفي الجدير بهذا الاسم. جعل نيتشه من الأزمة علامة مميزة للفلسفة، وكذلك السمة المميزة لكتبه، ولا شك في أنها كانت من بين الأسباب في عدم فهم كتبه. في كتابه «الإنسان، أكثر إنسانية»، الذي ظهر مجلده الأول عندما كان عمره 34 عاما، قال نيتشه إنه كان «نصبا تذكاريا للأزمة».

في هذه اللحظة، أصبحت الأزمة للمفكر نيتشه بمثابة: اللحظة التي لم يعد فيها الإنسان مثاليا، ولكن تم إدراكه لما هو عليه: «هنا حيث ترون الأشياء مثالية، أرى الأشياء إنسانية، ويا للأسى! إنسانية جدا!». ليس أن «الحاجات البشرية» ليست كثيرة، بل على العكس. لكن المشكلة هي أننا لا نعرف كيف نراهم على حقيقتهم، كيف يمكننا الخلاص من مفهوم المرشحات القاتلة للأخلاق والدين؟ وهذه هي المهمة التي يحددها الفيلسوف لنفسه: إثارة أزمة من شأنها تحرر العقل من الأصفاد والأغلال، التي بناها لتخفيف وجوده، واستعادة امتلاك ذاته. وكتب قبل بضعة أشهر من الاستسلام للجنون قائلا، «تخلصت من كل شيء كان بداخلي غريبا، وعدت لطبيعتي الحقيقية». فكيف نأخذ على محمل الجد رجلا جن جنونه؟ هل كان نيتشه يسعى إلى إحداث الأزمة، ومن ثم التحول بشكل حاسم فيها؟

هل يمكن أن نفكر في الأزمة بدون أن نعيش فيها؟

يجب أن لا ننخدع: لم يكن تقبيل أنف الحصان هو الذي أسقط نيتشه في الجنون؟ كيف يتم وصف حماية حصان من الضرب بالخرف؟ بعد ذلك، ثم، فلنحذر من القاموس المستعمل: لا شيء أكثر غموضا من مصطلح «الجنون»، الذي يحمل عدة أوجه ومعاني لقول ما نريده، والذي غالبا ما يحجب التجربة المؤلمة للمريض، وهو الواقع الذي كان نيتشه على علم به جيدا. حتى إذا كانت طبيعة الشر الذي عانى منه لا تزال موضوع نقاشات لحد اليوم. ولكن ما هو حقيقي هو أنه من خلال الرغبة في توعية الإنسان (يمكن أن تكون «المطرقة» المعنية آلة الطبيب الذي يربت بها على بطن مريضه بحثا عن الأعراض)، فإن المفكر يجازف بكسر الطبقة الواقية اللازمة للبقاء على قيد الحياة من دون المعاناة الشديدة. ومع ذلك، يقول نيتشه إن المعاناة جزء من حياة الإنسان، وإن الرغبة في استرضائه، هي مسألة بقاء على قيد الحياة. الاعتقاد في أنه يمكنك التغلب عليها عندما نضعف في وهم (أخلاقي أو ديني) هو الخطر.

لا يقول نيتشه إننا يجب أن نعاني، فهو يشجب العملية التي تتمثل في إنكار هذا الألم، أو ما هو أسوأ من ذلك، إذ يعطيه مبررات ميتافيزيقية، تدفع الإنسان إلى عذاب قاتل، ما يجعله يدير ظهره للحياة.

وإذا كان نيتشه يشعر بأنه «أسيء فهمه» ، فذلك لأنه يعلم أن قلة من الناس، على استعداد لسماع أن الأزمة تشكل أحد العناصر الأساسية لوجودنا. يعتقد نيتشه في المقام الأول وقبل كل شيء، أننا لا نستطيع أن نفكر حقا في الأزمة، من دون أن نعيش فيها.

نسف معتقداتنا

لدرجة أن الفيلسوف نيتشه نفسه يعرف أنه سيبقى ذكرى للأجيال القادمة، فقط في شكل أزمة غير مسبوقة – ولهذا السبب، بلا شك غير مسموع حتى اليوم – والتي يتحطم كلما نتمسك به ليكون صحيحا. وهكذا أمكننا أن نقرأ في كتابه «هذا هو الإنسان» هذا النص الرائع المنشور بعد وفاته، وبهذه السطور المقلقة.

«أنا لست إنسانا، بل عبوة ناسفة».

الترجمة بتصرف عن نص في إذاعة فرنسا الثقافية

  • كاتبة ومنتجة إذاعية فرنسية.


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي