في ذكرى وفاته .. ما سرّ مغادرة اللورد بايرون إنكلترا بلا رجعة؟!

2020-04-18 | منذ 1 سنة

 

مولود بن زادي*

غمرت بريطانيا والقارة الأوروبية مطلع القرن التاسع عشر، تحولاتٌ فنية وأدبية وفكرية كبيرة، ضمن تيار الرومانسية، الذي اجتاح القارة انطلاقا من فرنسا، في أواخر القرن الثامن عشر، وبلغ ذروته مطلع القرن الجديد. وبحلول القرن الجديد وبزوغ فجر عهد أدبي جديد، بزغ نجم أديب بريطاني انفرد عن كل أدباء عصره بأفكاره وتصرفاته الصادمة.

عُرف منذ البداية بتمرده على القيم الاجتماعية وتورطه في علاقات جنسية صادمة للمجتمع. وكان «كازانوفا عصره»، معروفا بقدرته الفائقة على جذب النساء. إنه الشاعر الإنكليزي جورج جوردون بايرون، المعروف باسم «اللورد بايرون» الذي أمضى السنوات الأخيرة من عمره مغتربا بعيدا عن الجزر البريطانية، وتوفي في 19 إبريل/نيسان عام 1824. ورغم مرور ما يناهز قرنين على رحيله، ما برح الباحثون البريطانيون يتساءلون إلى يومنا هذا عن سبب مغادرته بريطانيا بلا رجعة سنة 1816، وما إذا كان ذلك طواعية أم نفيا؟

 طفولة مضطربة

 نشأ اللورد بايرون في أسرة أرستقراطية. كان والده الكابتن جون أنسون بايرون، ضابطا في الجيش البريطاني، ووالدته كاثرين جوردون، وريثة اسكتلندية. لكنّ رغد العيش هذا لم يستمر طويلا، فسرعان ما أهدر الكابتن جون ماله وثروة زوجته وغرق في الديون، ثمّ تخلّى عن زوجته. كاثرين المدمرة والمحبطة لم تجد بدا من مغادرة إنكلترا باتجاه مدينة أبردين في اسكتلندا تحمل بين ذراعيها ابنها جورج، وكان آنذاك رضيعا. الحياة الجديدة في اسكتلندا لم تكن سهلة، حيث عاشت في بيوت مستأجرة بسيطة، من دخل زهيد. لكنّ الأيام كانت تخبئ لها ولابنها مفاجأة سارة. ففي عام 1798، ورث ابنها لقب عمه ويليام «البارون الخامس» وعقاراته، ولم يكن الصبي آنذاك يتعدّى سن العاشرة.

 العودة إلى إنكلترا

فتحت الثروة الجديدة للورد بايرون أفاقا جديدة، حيث عاد إلى لندن رفقة والدته بعد سنوات شاقة في اسكتلندا، أشبه ما يكون بالمنفى. الثروة الجديدة خولته أيضا حق الدراسة في أفضل المدارس. فالتحق الصبي بمدرسة (هارو) (1801-1805) إحدى أرقى المدارس في إنكلترا، وبعد ذلك في كلية الثالوث، كامبريدج (1805-1808). وفي إنكلترا أيضا بدأ اللورد بايرون مشواره الأدبي وعمره آنذاك لا يتجاوز 19 سنة. كان ذلك في عام 1807 عندما نشر ديوان شعر يتألف من 39 قصيدة بعنوان «ساعات التباطؤ». لكنّ خيبة أمله كانت كبيرة، عندما نشرت صحيفة «ذي إدنبرة ريفيو» المختصة في النقد دراسة نقدية في عام 1808 منتقدة ديوانه انتقادا لاذعا، ما أثار استياءه، فرد على ذلك بقصيدة ساخرة بعنوان «شعراء إنكليز ونقاد اسكتلنديون»، مستخدما اسما مستعارا. ومن خلال هذه القصيدة، انتقد شعراء رومانسيين كبارا في عصره، ولم يسلم من شرارة غضبه فرانسيس جيفري، محرر الصحيفة الاسكتلندية «ذي إدنبرة ريفيو» نفسه.

ما تعرّض له اللورد بايرون من نقد لاذع من صحيفة معروفة مختصة في النقد، في أول إصدار له، كان كافيا لتحطيم معنوياته، وتبديد آماله، وشلّ جهوده، ووقف مشواره. لكنّ هذا الشاعر الطموح أثبت أنه أقوى من ذلك بكثير، وهو الذي كان مصرّا على النجاح في الحياة مهما كان الثمن، وهو من قال في رسالة إلى والدته في عام 1804: «سأشق طريقي عبر العالم أو أهلك في المحاولة»، وقد استفاد اللورد بايرون كثيرا من تجربته الفاشلة. فهي التي أضرمت نيران طاقته، وفجّرت بركان الإبداع فيه، وأفعمت نفسه طاقة، وإثارة وإصرارا، وألهمته تقديم ما هو أفضل وأروع، بداية بقصيدة «ساعات التباطؤ» الساخرة هذه، التي كتبها بأسلوب متين مختلف عن قصائده الأولى. فسرعان ما شدَّت أنظار الجماهير وفتحت له أبواب الشهرة.

  ومن عالم السخرية والهجاء، امتدت أشعار اللورد بايرون إلى عوالم أخرى متنوعة كالسفر والترحال، على منوال قصيدة «رحلة تشايلد هارولد»، التي ألهمه لكتابتها سفرُه إلى البحر المتوسط ​​وبحر أيجه

 تألق بين عشية وضحاها

ومن عالم السخرية والهجاء، امتدت أشعار اللورد بايرون إلى عوالم أخرى متنوعة كالسفر والترحال، على منوال قصيدة «رحلة تشايلد هارولد»، التي ألهمه لكتابتها سفرُه إلى البحر المتوسط ​​وبحر أيجه. «رحلة تشايلد هارولد» حققت نجاحا باهرا، إذ نفدت منها 500 نسخة في ظرف ثلاثة أيام فقط! وقد اعترف اللورد بايرون نفسه بفضل هذه القصيدة من خلال مقولته الشهيرة: «استيقظت ذات صباح ووجدت نفسي مشهورًا». ومن خلال هذه الأسفار، اكتشف المتوسط والشرق، واحتك بشعوبهما، فكان لذلك عميق الأثر في كتاباته. نلمس ذلك في أكثر من مؤلف، من خلال المكان المدمج في بنية القصيدة وأبطالها، على منوال قصيدة «عروس أبيدوس» (1813) المستوحاة من الثقافة التركية الإسلامية، التي يلعب أدوارها شخوص شرقية أمثال البطلين (سليم) و(زليخة) و(الباشا)، وساهمت في زيادة شهرته.

 حياة لهو ومجون

وكان لظروف نشأته الصعبة وعلاقة والديه المضطربة، أثر بارز في حياته وكتاباته. فبعد وفاة والدته في عام 1811، انغمس في حياة اللهو والمجون، وتورّط في علاقات غرامية مع عدد من نساء عصره أمثال ليدي أكسفورد، والروائية الإنكليزية ليدي كارولين لامب، التي وصفته بعد أول لقاء بـ«مجنون» و«سيئ» وقالت إنّ «التعرّف عليه خطر». لكنها بعد ذلك فتنت به وبقيت هائمة في عشقه حتى بعدما تخلّى عنها! وقد أثارت هذه العلاقة اهتمام الرأي العام، لا سيما أن كارولين كانت متزوجة. شغفُه بالنساء لم يتوقف عند هذا الحد.

فقد بلغ به الأمر حدّ التورط في علاقة حميمة مع أخته غير الشقيقة (أوغستا) في صيف 1813، وكانت هي الأخرى متزوجة. وقد أثار توجهه الجنسي جدلا كبيرا، فبالإضافة إلى علاقات غرامية متعددة مع حسناوات عصره، كانت له أيضا علاقات مع الذكور في مدرسة هارو، وبعد ذلك في كلية الثالوث، كامبريدج. وقد أثارت هذه العلاقات جدلا في أوساط المجتمع وأثَّرت في سمعته.

 رحيل بلا رجعة

وللخروج من هذه الدوامة والحياة المضطربة، عرض اللورد بايرون الزواج على عالمة الرياضيات آن إيزابيلا في عام 1814، وتم الزواج في شهر يناير /كانون الثاني 1815، وأنجب منها بنتا في شهر ديسمبر/كانون الأول، هي ابنته الوحيدة الشرعية. لكن هذه العلاقة لم تستمر أكثر من سنة واحدة، حيث هجرته زوجته في شهر يناير/كانون الثاني 1816.

كان تعثر هذا الزواج حتميا، لاختلاف شخصيتيهما. كانت إيزابيلا امرأة متدينة ملتزمة، تحيا حياة محافظة، بينما كان الشاعر متحررا متهورا، يحيا حياة عربدة مجردة من القيود. بعد ذلك بقليل، في شهر إبريل 1816، رحل بايرون عن إنكلترا بلا رجعة.

وقد اختلفت الآراء في أسباب رحيله. قال مقربون إنه غادر طواعية، في حين أكد فريق من كتاب السيرة أنه تعرّض للنفي بسبب تورطه في علاقات جنسية لاأخلاقية، وارتكابه مُحرما مع أخته غير الشقيقة أوغستا. لكنّ كاتبة السيرة والمؤرخة البريطانية فيونا ماك كارثي، كان لها موقف مختلف. ففي كتابها الذي تناول سيرته، بعنوان «بايرون الحياة والأسطورة»، أكدت أنّ سببَ النفي الحقيقي هو مثليته. هذا الرأي يستند إلى حقائق معروفة في حياة الشاعر.

فمن أبرز الأدلة على ذلك «رسائل إلى بايرون» في أرشيف جون موراي، التي تكشف لنا عن علاقة رومانسية قصيرة بين اللورد بايرون وصبي يدعى جون توماس كلاريدج في مدرسة هارو. وكانت له علاقات مماثلة مع آخرين، أمثال الروائي البريطاني ويليام بيكفورد، الذي اضطر في الأخير إلى الفرار من إنكلترا خوفا من العقاب. اللورد بايرون تورّط أيضا في علاقات مماثلة أثناء رحلته إلى بلدان المتوسط، التي لم تكن فيها القوانين صارمة مثل بريطانيا.

 هل رحل طواعية أم نفيا

 لكن ثمة علامات استفهام في ما يخص نظرية النفي. فما الذي منع السلطات البريطانية من اتخاذ مثل هذا الإجراء من قبل، واللورد بايرون معروف بتورّطه في مثل هذه العلاقات منذ التحاقه بمدرسة هارو عام 1801؟ وإن كانت عقوبة المثلية في بريطانيا في ذلك العهد الإعدام، فلماذا يكون مصيره النفي بدلا من ذلك؟ وكيف نفسر رحيله عن إنكلترا مباشرة بعد انهيار زواجه؟

فالأرجح أن يكون اللورد بايرون قد غادر بمحض إرادته، لجملة من الأسباب على رأسها الشعور بالضغط النفسي والتوتر والذنب وعدم الاستقرار، بعد انهيار علاقته الزوجية، حيث فقد زوجته وابنته الوحيدة. الضغط الاجتماعي يكون أيضا من أسباب ذلك.

فاللورد بايرون لم يكن يشعر بالراحة والأمان في الفترة الأخيرة من حياته في إنكلترا، في مجتمع منزعج من سلوكه ، وفي نظام صارم تجاه مثليته، مقيّد لحريته. فالرحيل بذلك فرار من الواقع المرير، ورغبة في التحرر من القيود.

وبلدان المتوسط التي زارها من قبل وفّرت له التحرر الجنسي، حيث استطاع أن يعيش علاقات جديدة في هذه البلدان، كان آخرها في إيطاليا مع تيريزا، المرأة الشابة الحسناء زوجة الكونت ألكسندر كسيولي الذي كان يكبرها بأربعين سنة.

في عام 1824، رحل اللورد بايرون متأثرا بالحمى، بينما كان في ميسولونغي في غرب اليونان، يساند الكفاح اليوناني لأجل الاستقلال. وإلى يومنا هذا تبقى ملحمةُ «دون جوان» الساخرة التي شرع في نشرها في عام 1819، وتوفي قبل أن ينتهي من كتابتها، مؤلَّفَه الأكثر شهرة ونجاحًا.

 

  • كاتب جزائري


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي