"غنائية كانديد": فولتير المفعم بالأمل من حيث لا يدري

2020-03-31 | منذ 1 سنة

 مروة متولي*

تم تقديم «غنائية كانديد» للمرة الأولى على مسارح برودواي عام 1956، ثم أعيد عرضها أكثر من مرة، كان أحدثها عام 2018، كما صدرت في نسخ متعددة من ألبومات برودواي الأصلية، ومن خلال مزيج من أسلوب برودواي التقليدي، والشكل الموسيقي لكل من الأوبرا والأوبرا كوميك، نستمع إلى رواية كانديد، التي كتبها فولتير الفيلسوف الفرنسي والمؤرخ والأديب والمسرحي أيضاً، الذي كان يشرف بنفسه على أداء الممثلين ودقة تجسيدهم لشخصيات رواياته، حيث تم تحويل الرواية بكامل فصولها، إلى أغنيات تحمل السخرية نفسها، والأفكار والمعاني التي صاغها فولتير، بعد أن استفزه تفاؤل الفيلسوف الألماني ليبنتز، الذي يؤمن بأن كل شيء على أحسن ما يكون في هذا العالم البديع، فأخذ يدون ويوثق كافة مظاهر الشر وأنواع الظلم في زمنه، وكان فولتير يرى إن كل شيء على أســوأ ما يكون، ويتساءل لماذا لا يقضي الله على كل هذا الشر ولماذا يسمح بوقوع الظلم.

ولم يكن الفيلسوف الذي عاصر الأهوال وحلت عليه الكوارث المتلاحقة، ناقماً بسبب معاناته الفردية فقط، وإنما بسبب معاناة البشر في الحياة، التي هي سلسلة من العذاب والبؤس تنتهي بالموت، وربما اهتز إيمانه بعد زلزال لشبونة، وموت الذين آووا إلى الكنيسة يحتمون بها، حين تهاوت فوق رؤوسهم وهم يصلون، ولم يعجبه قول القساوسة عن أن ذلك كان عقاباً إلهياً للضحايا المذنبين، كما لم يحتمل جهل وظلم وإجرام محاكم التفتيش، التي كانت تحاول إرضاء الطبيعة من خلال الحكم بالموت على الأبرياء، اعتقاداً بأن هذا سوف يوقف حدوث الزلازل، وفضح كذلك الاستعباد والاسترقاق، ومعاناة الأفارقة في مزارع القصب، ليذكر أوروبا بأن وراء السكر الذي تتناوله، جرائم مقززة وظلما رهيبا، وذكر بعض تفاصيل معاناتهم، من سوء المأكل والمشرب والملبس، والتعذيب الجسدي، والاعتداء البشع على الأفراد، من خلال قصة العامل مبتور الساق والذراع، الذي يحمل كومة هائلة من القصب، ويتعرض للضرب، إذا توقف لحظة واحدة عن العمل.

 

في أغنية «ما أسعدنا» يغني كانديد وحبيبته كونيغوند، عن أحلامهما البريئة، وحياتهما الهانئة في قصر تندرتين، أو «الجنة» التي سيطرد منها كانديد بسبب قبلة، عندما يراه البارون غارقاً في لحظة حب مع ابنته

كتب فولتير هذه الرواية في القرن الثامن عشر، ومن يقرأها يظن إنه كتبها في مراهقته أو نهايات طفولته، مع بداية اكتشافه لانعدام العدل والمنطق في هذا العالم، لكن الغريب إنه كتبها بعد أن تجاوز الستين من عمره، وقد تبدو هذه الرواية للبعض كفيلم رسوم متحركة، حيث ينبعج القوام، وينقسم الجسد إلى نصفين، أو يتناثر قطعاً صغيرة، ثم يعود سليماً صحيحاً. أما الأغنيات فكانت أكثر تركيزاً على قوة الأفكار الفلسفية، والحوارات الجادة، من الأحداث الكثيرة والأهوال التي تتقلب بكانديد، وبقية أبطال الرواية، تدخلنا أغنية «أفضل العوالم الممكنة» في أجواء الرواية مباشرة، وتبدو كأنشودة للأطفال في إطار تعليمي، حيث يلقي معلم الفلسفة المتفائل «بانغلوس» دروسه على التلاميذ، الذين يرددون كلامه أو المقاطع التي يغنيها، ويحدثهم فيها عن الخير المطلق، ومظاهر الطيبة المتعددة في الدنيا، وعندما يقول بالمساواة بين كل إنسان وإنسان، وإن جميع البشر إخوة، يسأله كانديد، وماذا عن الحروب؟ فيجيب «بانغلوس» بأنه على الرغم من إنها تبدو كلعنة، إلا أن فيها خيراً كثيراً، لأن البشر يوحدهم الشعور بالخطر والمعاناة، وهذا غير حقيقي، لأن الحروب فرصة عظيمة لإقامة الظلم على هذه الأرض.

وفي أغنية «ما أسعدنا» يغني كانديد وحبيبته كونيغوند، عن أحلامهما البريئة، وحياتهما الهانئة في قصر تندرتين، أو «الجنة» التي سيطرد منها كانديد بسبب قبلة، عندما يراه البارون غارقاً في لحظة حب مع ابنته، وبعد طرده يغني كانديد «هذا ما يجب أن يكون»، ويتذكر دروس معلمه المتفائل «بانغلوس» وكلامه عن الخير والناس الذين سيمدون له يد العون بمنتهى الطيبة والمحبة، ويبدو ضائعاً مضللاً بتفاؤل أستاذه الوهمي، الذي قال له إن البشر مخلوقات طيبة، لكنه لا يرى شيئاً من هذا، وقال له إن العالم يمتلئ بدفء المشاعر، لكنه لا يحس إلا ببرودته، ويظن الفتى المسكين، إن كل هذه الأمور موجودة بالفعل، لكنه لا يراها بسبب عيب فيه أو خطأ منه، وتعبر أغنية «إلدورادو» عن المدينة الفاضلة، كما ذكرها فولتير في روايته، حيث الثروة والذهب والجواهر على الأرصفة للجميع، والناس يفيضون بالطيبة والمحبة، ويتمتعون بالحرية، فلا محاكم تفتيش وسلطة دينية وجرائم سياسية وحروب، لكن كانديد يشعر بأن كل هذا لا معنى له بدون حبيبته كونيغوند، ويغادر من أجل البحث عنها، ومن أجمل ما نستمع إليه في هذا العمل، أغنية «كلمات كلمات كلمات» على لسان مارتن المتشائم، الذي يسخر من أفكار الفلاسفة والأدباء مثل، سبينوزا وشكسبير، ويرى إنه يجب عدم الرد عليهم، أو على كل شيء خاطئ، وظالم ومرير في هذه الحياة، إلا بكلمة واحدة هي «ها» التي يطلقها عالية مدوية بصوت الباريتون المخصص لهذا الدور، وهي ضحكة غاضبة ساخرة مستهزئة، ويتم استخدام الآلات النحاسية بكثرة في هذه الأغنية، للتعبير عن الغضب العارم في نفس مارتن.

وتنتهي الغنائية سعيدة كما الرواية، حيث الجميع على قيد الحياة، رغم إنهم شنقوا وقتلوا وماتوا من قبل، وكونيغوند في أحضان حبيبها كانديد، رغم إنها فقدت جمالها واغتصبت مئات المرات، وهنا يظهر تفاؤل فولتير، الذي كان قوياً متفائلاً في حياته الخاصـــة أيضاً، فهو لم يتشاءم من كلام الكاهن الذي تنبأ بموته في الثلاثين من عمره، وعاش حتى تجاوز الثمانين، وواجه حياة لم تكن سهلة، ومليئة بالآلام الفكرية والنفسية والجسدية، ويقال إنه كان يتألم جسدياً طوال حياته بفعل مرض غامض، كما عرف السجن والنفي والتجوال في البلدان وحيداً طريداً، يقر فولتير بأن كل شيء على أسوأ ما يكون، لكن على الرغم من ذلك «علينا أن نزرع حديقتنا» كما يقول، والحديقة هنا قد تكون هي العقل أو الروح أو الدنيا بأكملها، وهذا النوع من التفاؤل يبدو منطقياً بعض الشيء، مقارنة بتفاؤل ليبنتز، كما تُظهر الرواية طيبة فولتير، الذي حقق لجميع شخصياته أقصى الآمال وأعظمها، وهي النجاة.

  • كاتبة مصرية


إقرأ أيضاً


التعليقات

لا توجد تعليقات حتى الآن ، كن أول المعلقين

إضافة تعليق





كاريكاتير

إستطلاعات الرأي